هناك عبارة شهيرة في الثقافة الشعبية المصرية تقول «يا خبر بفلوس بكرة ببلاش»، وفي هذه العبارة تعبير عن انكشاف الغطاء عن شيء كان مثيرًا للجدل في وقت ما، فالأشياء التي يتهافت عليها الناس ويكتنفها الغموض، وتصل درجة أهميتها لأن تقتنى بمبالغ خيالية، تصبح بعد مدة أشياء تافهة معروضة لمن هب ودب و«ببلاش»، ولا شك أننا لن نجد موقفًا يمكن أن تناسبه العبارة المصرية أكثر من موقف رئيس الدولة الجزائري «عبد القادر بن صالح» مع نظيره الروسي «فلاديمير بوتين» في القمة الأفريقية الروسية المنعقدة لأول مرة في مدينة سوتشي، فابن صالح الذي دعا للقمة من أجل تمثيل دولة ذات سيادة اسمها الجزائر، قد أبان عن معاناة شخصية مع عقدة يبدو أنها لازمته منذ توليه «رئاسة الدولة» «غصبًا عن الشعب الجزائري»، الذي خرج في الثاني والعشرين من فبراير (شباط) 2019 رافضًا بوتفليقة ومشتقاته.

قلنا إن العبارة المصرية مناسبة جدًّا لأن نسقطها على موقف رئيس الدولة الجزائري؛ لأننا، أي الشعب الجزائري، قد كنا طوال عشرين سنة معزولين عن كل ما يحدث داخل أسوار «المرادية»، وهي مقر رئاسة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية، وكان الإعلام العمومي حين يصور لقاء وزير أو أي مسؤول جزائري مع رئيس الجمهورية آنذاك، كان يبث مقاطع فيديو «خرساء» لا صوت لها، ولم نكن طوال عشرين سنة نعلم أي شيء عن أي لقاء مع وزير أو مسؤول في الدولة مع الرئيس، بل كنا متشوقين جدًّا لأن نطَّلع كشعب عن فحوى اللقاءات والمقابلات التي تجمع رئيس الجمهورية مع الوزراء ورؤساء الهيئات العليا في الدولة، هكذا حتى أقيل بوتفليقة ونصب «ابن صالح» خلفًا له حسب ما يقتضيه الدستور، إلا أن ابن صالح، ومن حسن حظنا نحن الشعب، لم يتغير ولم يستطع أن يتأقلم مع ما يقتضيه منصبه الجديد كرئيس دولة، فبقي يتعامل مع أي شخص بما كان يتعامل به مع رئيسه نفسه، فتبين لنا ما كان يقوله «ابن صالح» كرئيس مجلس أمة لسيده «رئيس الجمهورية»، تبين لنا ذلك من خلال طريقة كلامه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اتضح لنا أن ابن صالح لم يكن رئيس مجلس أمة، بل كان مجرد «عنصر من عناصر بوتفليقة»، مهمته ترؤس الجلسات شكليًّا، وتقديم التقارير دوريًّا «لسيده»، أي أن ابن صالح لم يكن له من الصلاحيات في الدولة سوى المراقبة وتقديم التقارير.

ابن صالح، ورغم إقالة بوتفليقة، ورغم إنهاء وصاية بوتفليقة عليه فإنه بقي آلة مبرمجة على «الطاعة والخضوع»، ولم يعد يفرق بين بوتفليقة وفلاديمير بوتين، لم يعد يفرق بين كونه «رئيس مجلس أمة شكلي» في زمن العصابة، وفي زمن «البيج بوس»، وكونه رئيس دولة ذات سيادة، فابن صالح الذي تعود على تقديم التقارير «للبيج بوس بوتفليقة» لم يهضم بسهولة فكرة أنه أمسى رئيس دولة ذات سيادة، يفرض عليه منصبه الجديد أن يظهر بمظهر لائق، وبمظهر الواثق، وبمظهر الحاذق، لم يهضم بسهولة فكرة أنه مدعو لقمة روسية أفريقية لبحث سبل التعاون في مختلف المجالات الاقتصادية، والسياسية، والأمنية، لا لاجتماع قائد مع جندي، أو زعيم عصابة مع عنصر من عناصره، يُستمع فيه لتقرير شفهي حول «عملية ما».

لا بد أن ابن صالح لم يتمكن من التخلص من عقدة كونه رئيس دولة غير مرغوب فيه، وبدلًا من أن يحاول معالجة الأمر بطريقة حكيمة تخفف غضب الشعب، راح يسكب البنزين على النار ويؤججها بكلام لا يقال في قمة كالقمة التي دعي إليها، وبدلًا من أن يعطي انطباعًا بأن الدولة الجزائرية ما زالت متينة، وما زالت تحظى باحترام في الخارج، رغم «الوضع الذي تمر به» راح «يعطي» انطباعًا بأن السيادة الوطنية «قد اهتزت» وأن الدولة الجزائرية بحاجة لتبرير ما تقوم به من أجل الخروج من الأزمة، وبدلًا من أن يثني على الإعلام الجزائري الذي رافق «مؤسسات الدولة» في تسيير الوضع بحكمة من أجل الحفاظ على اللحمة الوطنية، والذي «ستره وغيره» من المسؤولين وستر عوراتهم، راح يتهم وسائل الإعلام بتضخيم الأمور، وهنا، اتضح أن ابن صالح لم يذهب إلى القمة للمشاركة وفق ما هو محدد فيها من أهداف، بل إنه ذهب من أجل أن يتخلص من عقدة كونه «رئيس دولة غير مرغوب فيه»، بالتودد لبوتين والاستقواء به، فإذا به يمرغ سمعة الدولة الجزائرية في الوحل بتمريغ نفسه، وبإظهاره لنفسه على أنه شخص لا يملك كاريزما تسمح له بأن يكون «مير»، فكيف برئيس دولة؟ ولا شك أن ابتسامة بوتين الساخرة لخير دليل على أن لسان حال الأمم والأجناس يقول: «أهذا من ولاه الدستور رئيسًا على دولة بحجم الجزائر؟ أهذا رئيس مهمته تمثيل الدولة والدفاع عن سيادة دولة، فإذا به يمثل نفسه ويدافع عن منصبه، ويستجدي شرعية من رئيس مثله؟».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد