عندما يمتزج الطب والفلسفة والكتابة والموسيقي ببعضهم البعض؛ ستعلم أن هذه الأشياء ستنتج طبيبًا بارعًا، وموسيقيًّا عظيمًا، وفيلسوفًا أروع، ومفكرًا ليس له مثيل. عندما تعلم بوجود إنسي تجتمع فيه تلك الأشياء، بالطبع ستندهش، وستبدو في حيرة من أمرك، كيف جمع هذا الشخص تلك الأشياء الثمينة النادرة في عالمنا هذا؟ أتعلم عمن أتحدث؟

 

إنه الفيلسوف والطبيب والكاتب المصري مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ، الذي ولد في 27 ديسمبر عام 1921 بمحافظة المنوفية، ودرس الطب وتخرج عام 1953، وتخصَّص في الأمراض الصدرية، ولكنه تفرغ للكتابة والبحث عام 1960، ألف 89 كتابًا منها الكتب العلمية والدينية والفلسفية والاجتماعية والسياسية

 

إضافة إلى الحكايات والمسرحيات وقصص الرحلات، ويتميز أسلوبه بالجاذبية مع العمق والبساطة، قدم الدكتور مصطفى محمود 400 حلقة من برنامجه التلفزيوني الشهير (العلم والإيمان)، كان يعرف في كلية الطب بالـ (المشرحجي) نظرًا لوقوفه طول اليوم أمام أجساد الموتى، طارحًا التساؤلات حول سر الحياة والموت وما بعدهما.

 

مصطفى محمود الذي يعد كنزًا ثمينًا، وتراثًا لأجيالنا وللأجيال القادمة، ومرجعًا للعلم، إنه كان كتابًا يستحق الخوض في بحوره، والنيل من علمه الغزير.

 

الدكتور مصطفى محمود لم يحصل على هذا العلم من خلال الكسل أو النوم، وإنما من خلال التفكير العميق ومحاربة النفس، وتعويدها على التحمل والمشقة، وبناء شخصية قوية لتلك النفس، وقراءة في كل الكتب، في جميع الأفكار الغربية منها والشرقية، كل العلوم وكل الآداب والثقافات، فقد استطاع أن يبني لنفسه شخصية جبارة مؤثرة، ويجعلها مرجعًا علميًّا بحتًا، وكان ذلك من خلال إرادة قوية، وأمل جبار، ومسح لكلمة مستحيل من قاموسه.

 

مصطفى محمود الكاتب والطبيب والفيلسوف، وكذلك الموسيقي؛ فكان يعزف على الناي، وكان يحيي بعض الأفراح، وذلك عندما كان في نهائي طب.

 

مصطفى محمود الذي كان مهتمًا منذ صغره بالبحث والسؤال عن كل شيء، حتى النفس والموت، لن أستطيع أن أوفيه حقه؛ فهو يحتاج لمئات الكتب للكتابة عنه، وللحديث عن كتبه وعن التراث الذي تركه وراءه.

 

رحل مصطفى محمود عن عالمنا في 31 أكتوبر عام 2009، تاركًا وراءه الكثير والكثير، مصطفى محمود قد عشت كريمًا، قد عشت مفكرًا، أديبًا، طبيبًا، سياسيًّا بارعًا، متصوفًا حافظًا للدين.

 

كل ما أستطيع القول عنك إنه لم يأت ولن يأتي مثلك أبدًا؛ فأنت تركيبة لن نجد مثلها، إلا إذا أراد الله ذلك، تركت العالم الدنيوي وذهبت لعالم الآخرة، ذهبت للحي الذي لا يموت، كنت خير طبيب، وأروع كاتب وفيلسوف ومفكر، رحمك الله يا صاحب البداية الحزينة عن طريق عزف الناي، بدايةً من برنامجك الشهير (أهلا بيكم).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد