يعتمد بناء الرجولة في الولد على خبرتين محوريتين، علاقته بالوالد ومدى نجاحه في التوحّد به وامتصاص ذكورته، وعلاقته برفقة الطفولة من الذكور، بالطبع مع فهم الأم لاحتياجات الطفل والتوقف عن محاولة ترويض تلك الذكورة الناشئة. وبالنسبة للفرد المتعافي من المثلية فقد يحتاج لمن يلعب في حياته دور الوالد الآمن، وقد يكون ذلك مع المعالج أو القائد الروحي أو غيرهما، ثم باحتواء الوالد الداخلي للطفل الداخلي، أي احتواء الفرد لنفسه، ثم بتواصله مع الرجال الآخرين كفرد منهم، وسماحه باستقبال مشاعر الدعم والقبول منهم، ونأتي لتفصيل بعض ذلك.

 

النمو في الرجولة

بتوقف المتعافي عن أسلوب الحياة المثلي، وممارسة الالتحام الفعّال بعالم الرجال كفرد منهم، تبدأ الرجولة في النمو في الداخل، ويبدأ الرجل الداخلي في الظهور، لكن الكثيرين يحبطون هذه العملية البطيئة باستعجالها، فالشخص الذي علق في الطفولة النفسية لسنواتٍ طويلة لا يمكنه التحرر؛ لممارسة الهرولة بين عشيّة وضحاها، لأن الرضيع يبدأ في الحبو، ثم المشي، ثم الهرولة، ومطالبته بالجري قبل إتقان السير سينتج عرجا إن لم ينتج ما هو أسوأ.

وكما أن الممارسات المثلية هي قمة جبل الاضطراب، فإن الممارسات الغيرية هي قمة جبل الشفاء، ولا يمكن الهبوط على الجبل من أعلى، فبناء الرجولة تحتاج إلى صبر وصدر رحب، وقبول تام، تماما كما تتبنى طفلا صغيرا، فسيمر بما قبل المراهقة النفسيّة التي يكون انجذابه للآخر فيها عاطفيا، ثم المراهقة التي يكون انجذابه جنسيا غير ناضج، ثم مرحلة النضج النفسي، في كل هذه المراحل يحتاج المتعافي للصبر الجميل، والقبول غير المشروط لنمو طفله الداخلي.

ونحتاج في هذه الرحلة إلى التخلي عن القلق، القلق الذي أصبح جزء من حياتنا، قلقنا في الماضي من عدم إشباع احتياجاتنا الملحة، وقلقنا من عدم نجاح علاقاتنا البينية، وقلقنا من إمكانية عدم تحقيق أهدافنا، التعافي الحقيقي أن تتخلى عن ذلك القلق، وتستبدل به حمل مسئولية تعافيك، وليوم واحد فقط، كما تؤكد زمالات المدمنين المجهولين «هدفنا أن نبقى في التعافي ليوم واحد فقط، نؤجل كل رغباتنا فقط ليوم واحد آخر»، امض في التعافي وستحدث المعجزات في الطريق!

 

التصالح مع الذكورة

وهي الجزء الثاني من شيفرة التغيير، وتعني التراجع الواعي عن القرار الذي اتخذناه في الطفولة بالانفصال عن قيمة الذكورة، أو معادتها والنظر إليها على أنها قيمة مهددة، ويسميها «منهج مانز» بالغمر داخل الذكورة: ويعني به التواجد الحي الفعّال داخل مجتمع الذكورة، ومن أفضل أمثلتها صلوات الجماعة والجمع وأيام الاعتكاف للمسلمين، كما الحال مع طقوس العبادة الجماعية لغير المسلمين؛ حيث توفر مجالا للاشتراك الداخلي بين أفرادها على مستوى لا تتطرق إليه المقارنة الصورية، المهم هو التواصل المكثف مع أفراد غيريين على مستوى الذات الحقيقية، كرياضة جماعية، ورحلات كشفية، ومعرفة الصفات التي تجذبنا إلى الرجال الآخرين، وفي الغالب هي القوة والشجاعة والجرأة، والعمل على تنميتها داخلنا، فكما يقول أحدهم: لقد تلخص التعافي بالنسبة إلي في أن أكون الرجل الذي كنت أنجذب إليه، وأحيانا تكون تلك الصفات مما لا يُمكن تغييره، كالطول واللون وشكل الجسم، وهنا نحتاج مرة أخرى إلى أن ندعو الله لنحب الناس ونقبلهم ونقبل كوننا نفتقر إلى صفات منحت لهم، وعلى الجانب الآخر نهتم بصفاتنا التي يفتقرون إليها، وفي الغالب تكون الصفات النفسية كالذكاء والتعاون والرحمة.

ويعني التصالح مع الذكورة أيضا تبني هويّة الرجل، والسلوك طبقا لها، وقد يحتاج طالب التعافي إلى معونة المعالج، أو المرشد الروحي، لمعرفة كيف يفكّر الرجال، وكيف يشعرون، كما يلعب الصديق الغيري، الذي قمنا بالاعتراف أمامه ومصارحته بحقيقتنا وتقبّلنا كما نحن، دورا محوريّاً في ذلك، ويخشى الكثيرون أن يختاروا لمصارحتهم الشخص الخطأ، إما لكونه غير مؤتمن، أو لكونه غير مهيأ لاستقبال مشاركة كهذه، وفي الحقيقة فإنه ينبغي عليه أن يختار بعناية من يصارحه بذلك، والحل يكمن في فهم الذات الحقيقية والتصرف تبعا لمشورتها، أن نعرف أين تقف الذات الحقيقية، وأين تقف الذات المزيفة؛ لأن ذاتنا الحقيقية قادرة ـ غالبا ـ على مخاطبة الذات الحقيقية في الآخرين، ومتى أحسن الاختيار لمن يشاركه – وقد يساعد المشير أو المعالج في ذلك- فإن أغلب من تمت مشاركتهم كانوا على قدر المسئولية.

احمل طفلك الداخلي إلى الرجال ليتبنوه؛ فالرجولة يتشاركها الرجال فيما بينهم، وبينهم فقط، ولذا فلابد من اختيار مجموعة آمنة من الرجال الغيريين المستعدين لتبني طفلك الداخلي، عن طريق القبول غير المشروط، والمرح الرجولي، وينبغي أن يكون بينهم من يعرفون كل شيء، يفضل أن يكون أحدهم على الأقل في سن متقدم ليحل محل الوالد، ومتى أحسنت الاختيار فإن الرجال المختارين كانوا أهلا للثقة في الغالب، بشرط أن يكون اختيارك نابعا من الطفل الداخلي، وليس من الذات المزيفة، ويمكن أن يساعد المعالج أو المرشد في ذلك.

 

الوقاية من المثلية

التربية النفسية للطفل ليست بذات التكلفة للتغذية والتنشئة الجسدية من المأكل والمشرب وجودة التعليم، إذ لا تطلب التربية النفسية سوى الاهتمام ومعرفة احتياجات الطفل وإشباعها، وقطعا، توفير احتياجات الحب والأمان والاحتواء وغيرها ليست بكلفة ما نقدمه عليها. ومن ذلك معرفة اختلاف طبائع أبنائنا والتعامل معها كل على حدا، فالطفل الحساس الانطوائي يحتاج إلى مزيد اهتمام عن بقية إخوته، ونستحضر هنا أن المساواة في المنح مع اختلاف الاحتياجات ليست عدلا.  ويبدأ احتياج الطفل لتواجد الأب الفعّال بدء من سن عام ونصف، إلى سن السادسة، حيث يقوم خلالها بالتوحّد به لبناء الذكورة النفسيّة، التي ستنمو معه بعد ذلك.

ويمكن تلخيص سبل الوقاية من الجنسية المثلية في تعبير «البيئة الآمنة»، حيث يجد الطفل احتياجاته النفسية مشبعة وموضع اهتمام، مع الاهتمام بالتربية الجنسية للطفل، والتي تختلف جذريا عن مجرد توفير المعلومات، والانتباه إلى أن النسبة الأكبر من المتحرّشين بالأطفال هم من دائرة ثقة الأسرة، ولذا يوصي رائد التعامل مع المثلية «چوزيف نيكولوسي» في كتابه دليل الآباء: «لا تترك الطفل منفردا مع أي مراهق مهما كانت درجة القرابة، ومهما كانت درجة الثقة»؛ إذ إن نسبة كبيرة من المتحرشين لا تعني الإساءة، بل تمارسها كجزء من سلوك المراهقة المضطرب.

هناك علامات تكشف لنا احتياج الطفل للانتباه، وهي ليست بالضرورة علامات على نشأة اضطراب المثلية، مثل الحساسية النفسيّة للطفل، ارتباط الطفل الذكر بالأم فوق الأب، انسحاب الطفل عن رفقة الأولاد وتجنبه اللعب معهم، إغراق الطفل في الخيال الزائد، وهو دليل على عدم انسجامه مع الواقع، ارتداء الطفل لملابس الفتيات أو محاكاته لهن أو تفضيله اللعب بألعابهن، بالإضافة إلى العلامات التي تشير إلى احتمال تعرّض الطفل لإساءة جنسية، كانسحابه من مكان أو رفضه لشخص كان معتادا عليه، تعلّقه الزائد وغير المبرر بشخص أو نفوره عنه، الحساسية الشديدة من التكشف أمام الآخرين أو العكس، تغيّر ملحوظ وغير مبرر في شخصية الطفل، تغير مفاجئ وغير مبرر في سلوك الطفل، معرفة جنسية مبكرة وغير مبررة لدى الطفل، تعلّق الطفل بألعاب جنسية بشكل زائد، مثل لعبة الطبيب والمريض، حيث يقوم أحد الطفلين بفحص الآخر.

بالطبع، هناك قدر من الفهم والتربية الأساسيين لابد من توافرهما لدى الوالدين أو المربي، مع تربية الطفل على ما يعرف بالتربية الجنسية، وكيفية التفريق والتعامل مع اللمس غير الآمن، وزرع الثقة داخل الطفل خاصة لدى والده من نفس الجنس، وبالنسبة للعلامات السابقة فلابد من مراجعتها مع متخصص في طب نفس الأطفال، أو سيكولوچيّة الطفل، واحتواء الطفل بدلا من إثارته، وفي حالة الإساءة الجنسية فلابد من امتصاص مشاعر الخزي من الطفل، وعدم توكيدها بمثل إلقاء اللوم عليه أو إيصال معنى الخجل والخزي العائلي بسببه، حيث يقوم الاحتواء والحماية بتفريغ سلطة الإساءة عن الطفل، كما تعمل على قطع دائرة الإساءة.

إلى هنا تنتهي هذه السلسلة من محاولة فهم الجنسية المثلية بإيجاز شديد، ويمكن مراسلتي على البريد الإليكتروني أو غيره لمزيد استيضاح أو إحالة على مراجع أكثر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المثلية

المصادر

مؤسسة الناس يستطيعون التغيير، منهج مانز، نسخة مترجمة
تيو ڤان درفيل، من الخزي إلى السلام
الان مدينغر، النمو نحو الرجولة.
دين بيرد، مارك تشامبرلين، قوة الإرادة لا تكفي، لماذا لا ننجح في التغيير.
چو دالاس، صراع الشهوات.
مارثا نبيلي بك، چون سي بك، كسر حلقة السلوك القهري.
أوسم وصفي، شفاء الحب
أوسم وصفي، دورة متمم [مدرسة التعامل مع الميول المثلية]، دورة نظرية وورشة عمل.
أوسم وصفي، صحة العلاقات
الين باس، ولورا ديڤيز، بداية الرحلة
أدبيات زمالات المجهولين: الخمر والجنس والمخدرات.
انفوجرافيك، علامات صادمة تشير إلى تعرض طفلك للإساءة الجنسية، هافنجتون بوست.
ريتشارد كوهين، الخروج رجلا
كريستين نصار، عد يا أبي.
چوزيف نيكولوسي، العلاج الإصلاحي لمثلية الرجل
چوزيف نيكولوسي، الرجولة إنجاز، دليل الآباء
أساليب رحلة التغيير، ملحق مجلة "مثلي أنا"، العدد ٢.
Battle for Normality
Practical Exercises for men with Same-sex Attractions
Shame and Attachment Loss
.Homosexuality; Roskilde university
چوزيف نيكولوسي، مقالات على الموقع الرسمي
مؤسسة نارث NARTH الموقع الرسمي
مؤسسة الناس يستطيعون التغيير People can change الموقع الرسمي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد