سؤال الأخلاق الإسلامية وإنتشار الأوبئة

بمجرد تسجيل أولى حالات الإصابة بفايروس كورونا في دول الشرق الأوسط، ذهبت الحكومات لاتخاذ سياسة وقائية في شكل مجموعة من الإجراءات للحد من انتشار العدوى بين الناس. فأطلقت السياسة الصحية الوقائية للحد من انتشار فايروس كورونا، ثم قامت بتعميمها على الرأي العام (المواطنين) عبر جميع وسائل التواصل الإعلامي والإلكتروني والشبكات الاجتماعية. بينما تم التشديد على أهمية الالتزام بالسياسة الصحية الوقائية من قبل المواطنين، فخاف المواطنون من احتمالية الإصابة بالفايروس حتي أصبح الناس جميعًا في دول الشرق الأوسط خاصة والعالم عامة لا شأن لهم ولا مشغلة سوى الحديث والنقاش والجدل حول الالتزام بهذه السياسة الصحية للوقاية من الفايروس.

فهذه السياسة على المستوى الفردي تشدد على اكتساب المعلومات الخاصة بالوقاية ثم تطبيقها للوقاية من الفايروس من (غسل الأيدي وعدم المصافحة واستعمال المعقمات، تجنب لمس الأنف والعين، الزم المنزل ما استطعت، احتفظ بمسافة متر بينك وبين الناس). (المصدر: منظمة الصحة العالمية، الموقع الإلكتروني، تدابير الحماية للجميع، نشر 2020)؛ بينما هذه السياسة على المستوى الجماعي العام تحتوي على إجراء وقائي لعموم الناس من (حظر التجوال، الحجر المنزلي، العزل الصحي، وغيرها). هل هذا كل شيء؟ هل علينا كمواطنين مسلمين أن نلتزم بالجانب الإجرائي للسياسة الصحية دون معرفة الجانب الأخلاقي للسياسة الصحية في حدها من انتشار الجائحة الكورونية والتبين منها؟ بالطبع لا.

نحن كمسلمين يجب أن نهتم بالجانب الأخلاقي في القضايا والمواضيع المثارة خاصة أثناء الأزمات (مثل جائحة كورونا) أكثر من الجوانب الأخرى الإجرائية لما لها من قيمة مضافة لحياة المجتمع؛ فالقراَن يذكر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) استحق أن يكون عظيمًا بسبب خلقه: «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم» القلم (4)؛ وذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها أنه كان خلقه القران أي (صلى الله عليه وسلم).

لهذا، يجب أن يكون معيار العظمة الإنسانية في مجتمعاتنا هو مدى معرفتنا بالقيم الأخلاقية ومساهمتنا بها في المجتمع الذي نعيش فيه؛ فالمسلمون أحق من غيرهم في الاهتمام بالجوانب الأخلاقية في كل القضايا والمواضيع الفكرية والعقدية المثارة والأحداث التي تقع في الواقع حولهم في العالم حتي يقدموا قيمة مضافة أخلاقية لهذا العالم الذي امتلأ بالعقول (المادية الإلحادية، المادية اللاأدرية، المادية الدهرية) وألغى وجود الإله (الله) في الحياة؛ ثم أَلْغَى القيم الأخلاقية في حياة المجتمعات اليومية. ولن نكون قيمة مضافة أخلاقية لهذا العالم ككل أو لمجتمعاتنا إلا من خلال وعبر الرجوع للقرآن استنباطًا وبحثًا ودراسةً وتفكيرًا.

فالجانب الأول الذي لم ينتبه له الرأي العام (المواطنون المسلمون خاصةً) إنَّ السياسة الصحية الحالية في دولهم لا تغطي الجانب الأخلاقي الذي يتعلق بمدى شفافية إجراءات التطبيق في حصر جميع الحالات المصابة المسجلة وغير المسجلة ونقلها لتمليكها للرأي العام، ما يجعل قيمة الشفافية والمصداقية في خطر؛ فيتم الإخفاء والتستر على أغلبية الحالات الحقيقية المصابة، ما يؤدي إلي تزييف الواقع الحقيقي لانتشار الوباء كورونا في مجتمعاتهم؛ هذا يؤدي إلي انتشار المرض بصورة واسعة مستقبلاً.

فالحكومات (المشرعون والسياسيون) لا تهتم بالجانب الأخلاقي إلا ما رحم ربي، وتخشى فقدان رصيدها السياسي من المناصرين لها في الميدان، ولا تريد إظهار عجزها البشري والمادي في مواجهة أي كوارث وأزمات لكي لا يلعنها الرأي العام، ولا تريد أن يكون العقل الجمعي للمجتمع مبني على معلومات حقيقية لأن هذا يتنافى مع مصلحة الحكومة في البقاء في الكرسي. لهذه الأسباب مجتمعة يتم التستر على البيانات الحقيقة للوفيات والإصابات بفيروس كورونا في دولنا الرشيدة (أقصد غير الرشيدة).

وهذا يجعل الفيروس ينتشر بصورة واسعة في المستقبل القريب لأن الناس سيعتقدون حينها متوهمين أن معدل الإصابات قليل جدًا، وبالتالي لا مشكلة في كسر الإجراءات الوقائية ولا مشكلة في التفاعل والتواصل مع الآخرين.

لهذا نطرح الأسئلة الأخلاقية التطبيقية والنظرية التالية:

هل معدلات الإصابة والوفيات بكورنا ذات مصداقية في دول الشرق الأوسط؟

ما هي القيم الأخلاقية الإسلامية (خاصة القراّنية) في التعامل مع المعلومات الخاصة بالأوبئة (أزمة انتشار وباء كورونا مثالاً)؟

الجانب الثاني الذي لم ينتبه له الرأي العام (المواطنون المسلمون خاصةً) أن هذه السياسة الصحية لا تغطي الجانب الأخلاقي الذي يرتبط بكيفية تطبيق الإجراءت الوقائية العامة على الطبقات والشرائح الضعيفة اقتصاديًا من (حظر التجوال، الحجر المنزلي، العزل الصحي، وغيرها)؛ والذي على ما يبدو تم نسيانها عمدًا من قبل الحكومات والمهنيين.

وكأمثلة، الطبقات الضعيفة اقتصاديًا من أمثال العمالة اليومية (حدادين، برادين، زياتين، فنيين ميكانيكيين، أصحاب البقالات…إلخ) لن يحتملوا إجراءات حظر التجوال الشبه دائمة. فهؤلاء يقدمون خدمات ومنتجات يومية ويكسبون منها دخلًا يوميًّا يأتيهم من السعي اليومي للرزق، وليس لديهم دخل ثابت شهري كالموظفين في المؤسسات والمراكز التجارية والبحثية؛ لهذا في حال تم التضييق على ساعات عملهم اليومية وتقليصها فسيؤثر مباشرة على قوتهم اليومي للأسر التي يعيلونها، ما يجعلهم يعيشون بالتَّدَيُّنْ من الآخرين فيفقدوا حريتهم فيعيشوا في ضيق وصراع دائم.

من الناحية الثانية، كبار السن الذين قُطّعَتْ بهم السبل في مدن قروية في أطراف البلاد بسبب إجراء العزل الصحي الذي عزل كل مدينة وقرية وحي عن الأخرى، فهؤلاء لن يتحملوا البقاء لوحدهم دون الاجتماع مع أهاليهم ويحتاجون للعناية الصحية والأسرية والاجتماعية.

من الناحية الثالثة، الطبقات المصابة بأمراض مزمنة وجينية تحتاج لفحص وعناية طبية متواصلة ويسكنون في أطراف العواصم لن يتحموا هذه الإجراءات من حظر تجوال وعزل للمدن عن بعضها؛ وذلك لأن أغلبية الخدمات الطبية والمستشفيات المتطورة والطاقم الطبي المؤهل في دولنا موجودون في العاصمة، ما يزيد ويفاقم حالاتهم المصابة بأمراض مزمنة.

من الناحية الرابعة، الحريات العامة (حرية الحركة والتنقل، حرية التعبير، حرية تنظيم مظاهرات، حرية العمل السياسي) التي يمكن أن يتم انتهاكها بواسطة الأنظمة الديكتاتورية المتسلطة تحت حجة تطبيق إجراءات الوقاية العامة (حظر تجوال، حجر صحي، عزل)؛ ثم تقوم باستغلال توقيت تطبيق هذه الإجراءات وانشغال الرأي العام لقمع المعارضين السياسيين والناشطين والمفكرين والمثقفين الذي يختلفون معها أيديولوجيًا وفكريًا ومنهجيًا، وكل ذلك باسم خرقهم لإجراءات الوقاية العامة؛ بهذا تنجح الأنظمة الديكتاتورية في التخلص من معارضيها باستغلال الأزمات والكرب العامة.

لهذا نطرح الأسئلة الأخلاقية التالية:

ما هي القيم الأخلاقية الإسلامية (خاصة القرآنية) أثناء انتشار الأوبئة في تعاملها مع الشرائح الضعيفة اقتصاديًا ذوي الدخل المحدود؟

ما هي القيم الأخلاقية الإسلامية (خاصة القرآنية) أثناء انتشار الأوبئة في تعاملها مع شرائح كبار السن؟

ما هي القيم الأخلاقية الإسلامية (خاصة القرآنية) أثناء انتشار الأوبئة في تعاملها مع شرائح المصابين بأمراض مزمنة؟

ما هي القيم الأخلاقية الإسلامية (خاصة القرآنية) أثناء انتشار الأوبئة في تعاملها مع الحريات العامة؟

في الختام، من المهم بمكان أن يكون المسلمين حول العالم قيمة مضافة أخلاقية (فكرية ومعرفية) وذلك بالاشتراك في مُسَاءَلَة وتحليل ومناقشة مدى التزام هذه الدول بمنهج الشفافية أثناء الأزمات والكرب العامة أي (رصد جميع الحالات المصابة المسجلة وغير المسجلة بكورونا وتملكيها للرأي العام في مؤتمرات صحفية علنية وليس إخفاء بعضها والتَّسَتُّرْ عليها). ثم مُسَاءَلَة وتحليل ومناقشة مدى أخلاقية إجراءات الوقاية العامة من حظر التجوال والحجز المنزلي والعزل الصحي في تأثيرها غير الأخلاقي على شرائح المجتمع خاصةً اقتصاديًا واجتماعيًا على الشرائح الضعيفة (كبار السن، المصابين بأمراض مزمنة، ذوي الدخل المحدود المعتمدين على الكسب اليومي للرزق). ثم مُسَاءَلَة وتحليل ومناقشة مدي تأثير هذه الإجراءات على الحريات العامة (أولها حرية الحركة والتنقل، حرية التعبير، حرية تنظيم مظاهرات…إلخ).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد