فيروس «كورونا» والخلل الصحي العالمي

يعتبر مرض فيروس «كورونا» أو ما يعرف بالوباء التنفسي حسب بعض الجهات من بين أخطر الامراض التي يعرفها العالم الأن والخطورة تكمن في سرعة انتشاره وقدرته على إصابة أشخاص مستوى المناعة لديهم ضعيف مما يسبب الوفاة بشكل متسارع إلى جانب غياب لقاحات تقلل من آثاره، وينتشر هذا الفيروس بسرعة كبيرة في العالم عبر العطس والمصافحة كما أنه لأول مرة يصيب البشر، وأيضًا عدم وجود معلومات حوله، وهذا ما أثر بشكل كبير على حركية الاقتصاد والتنقل والحياة العامة للناس، بل حتى على مستوى العلاقات الدولية أين نجد أن هذا المرض أعطى مؤشرات أساسية تظهر في كل مرة بأن العالم والمنظومة الصحية العالمية ليست لها الاستعدادات الكافية والإمكانيات اللازمة لمواجهة مثل هذه الكوارث البيولوجية، بالرغم مما مر من أمراض كأنفلونزا الخنازير، والطيور، وسارس، أين نجد أن الدول تبقى عاجزة على مواجهته في لحظة بداية انتشاره أو بداية الأزمة الصحية، وهذا يعطينا مؤشرات بأن المنظمة العالمية للصحة لم تكيف أجهزتها، ومن خلالها الدول، للتصدي لمثل هذه الحالات، ويبين عجز الدول، ويذهب ضحايا كثر، ويشل الاقتصاد العالمي وتتعطل الحياة.

فبالرغم مما ترصده الدول من ميزانيات ضخمة لمواجهة هذا المرض، كالصين التي رصدت ما يقارب 173 مليار دولار لمواجهة فيروس «كورونا»، ونجد بريطانيا قامت بضخ حوالي 15 مليار دولار لمواجهة هذا الفيروس، وبالتالي نجد مبالغ كبيرة تصل إلى ميزانية دول بحد ذاتها، وهنا تظهر إشكالية ضعف الإمكانات لبعض الدول، أو ربما نصف دول العالم التي لا تمتلك ميزانيات كافية لمواجهة آثار هذا الفيروس؛ لأن الأمر يتطلب ألبسة خاصة، وأجهزة قياس الحرارة، وأدوية وهياكل متخصصة في الحجر الطبي، وطاقم طبي مدرب، ووسائل النقل المتخصصة، وغيرها من الإمكانات التي يجب أن تتوفر في مثل هذه الحالات، وإذا عرفنا أن مستويات الصحة في العالم ككل تعرف تفاوت فكيف بمرض سريع الإنتشار يتطلب وسائل دقيقة لمواجهته دون الحديث عن الأموال المخصصة للبحث العلمي والمقصود هنا المخابر التي تعمل على إيجاد العلاج واللقاحات المناسبة، وبالتالي الأمر يتطلب أموالًا كبيرة، وتجنيد كل الدول لتوفيره، لكن في المقابل نجد أن الشق الثاني من مواجهة هذا المرض عالميًا، وليس فقط على مستوى الدول يتطلب تعاونًا حقيقيًا على مستوى الاحتياطات والعزل والحد من تنقل الأفراد بين الدول وتبادل المعلومات والمساعدات، وهذا الذي لم يصل له العالم الآن بشكل فعال، فالأمر مقصور فقط على المنظمة العالمية للصحة التي ينحصر دورها الآن في التنسيق العملياتي فقط، وتبادل المعلومات، وليس تبنى إستراتيجيات، وتوحيد جهود الباحثين والعلماء، ولا توجد خلية أزمة دولية لوضع خطط دولية للتكفل بتنقل هذا المرض، بل نجد أن الدول تقوم بإجراءات منفردة كما هو عليه الحال، مثل حظر الطائرات من طرف الولايات المتحدة الأمريكية من وإلى أوروبا، باستثناء بريطانيا، وكما قامت به الجزائر من حظر للطائرات من إيطاليا والمغرب، بمعنى الأمر فيه تحرك منفرد على المستوى العالمي والداخلي من خلال تعطيل المدارس والتجمعات.

كما أثبتت هذه الأزمة أن التكتلات الإقليمية والدولية لم تستطع أن تحقق تطورًا في مواجهة هذا المرض والدليل على ذلك قرار الاتحاد الأوروبي بغلق الحدود ما بين الدول؛ مما يبين مدى هشاشة هذه التكتلات في ضمان أمنها الإقليمي والوطني بدلًا عن الحديث عن الأمن الجماعي، وهذا ما يدفع بنا إلى إعادة القراءة في مقاربات الأمن الجماعي ضد التهديدات الأمنية الجديدة والعابرة للقارات.

هل تنجح التجربة الصينية في مواجهة المرض؟

تبقى المؤشرات القادمة من الصين على أنها استطاعت احتواء المرض أمرًا نسبيًا، لكنه وارد، وهذا لأن الصين قامت بعزل مدينة أوهان بشكل مبكر، وطبقت إستراتيجية الحظر الإلزامي ومع التزام الصينيين بالتعليمات هذا أسهم في توقف انتشاره، وليس القضاء عليه، في حين نجد بعض المناطق تعرف تزايدًا، خاصة إيطاليا، وإيران، حيث بلغ عدد الوفيات ما يفوق المئات، وتزايد سريع في عدد الأشخاص المصابين، فمثلًا ألمانيا خلال 24 ساعة حوالي 150 شخصًا أصيبوا، وهنا يبين مدى نجاعة الاحتياطات المطبقة لمواجهة هذا المرض، ولكن من خلال إجراءات خاصة، الحجر الطبي، وعزل المرضى، والحد من التنقل والتجمعات، يسهم في الحد من انتشاره، وأيضًا عدم التنقل والسفر للمناطق المصابة بحدة يمنع من تنقل الفيروس في انتظار إيجاد اللقاحات المناسبة مع الالتزام بقواعد الصحة.

تحديات بناء أمن صحي عالمي

وبالتالي نجد مقاربة الأمن الصحي العالمي أصبحت أكثر من ضرورية في الوقت الراهن، لكن من خلال أطروحات جديدة تقوم على مجموعة من المعايير لمواجهة هذه التحديات المستقبلية:

أولًا: تشكيل هيئة دولية مستقلة عن المنظمة العالمية للصحة تعمل على وضع إستراتيجيات مستقلة ومستقبلية للأمن الصحي والتهديدات الصحية والبيئية.

ثانيًا: تفعيل نظام الإنذار المبكر لرصد أي خلل في الخريطة المرضية في العالم.

ثالثًا: وضع خطط استباقية لمواجهة أية كارثة إنسانية.

رابعًا: ربط المخابر البحثية والجامعات بهذه الهيئة الدولية.

خامسًا: وضع برامج صحية لمراجعة الأنظمة الصحية على مستوى العالم من تغذية إلى اللقاح.

وفي الأخير نجد تحقيق الأمن الصحي لا بد أن يتغير مع التهديدات الجديدة بدلًا عن التركيز على الرفاهية والحماية من الأمراض الراهنة لا بد عن استحداث آليات لمواجهة التحديات المستقبلية، والتركيز على عولمة العلاج والبحث العلمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد