يعتبر تعزيز التنمية الاقتصادية والحرص على الاستقرار السياسي والمجتمعي من الأولويات الأساسية لكل حكومة أو نظام سياسي، وهما بشكل عام الدوافع الأساسية للحفاظ على الأمن القومي.

ولكن مع مرور الوقت وظهور مستجدات كثيرة في الساحة الدولية، خاصة فيما يخص الصحة أثبتت الأبحاث أن التغيرات الحادة والمزمنة في الحالة الصحية لها آثار مباشرة وغير مباشرة على الأمن، وأن الأوبئة والأمراض المزمنة قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، أو إلى الاضطرابات السياسية والمدنية، أو إلى تدهور طويل الأجل في الجدوى الاقتصادية لبلد أو منطقة.

وأصبحت حاليًا قضايا الأمن الصحي تحظى باهتمام كبار صانعي السياسات لانها اصبحت واحدة من التهديدات المحتملة للأمن الدولي والإقليمي والوطني وأمن الفرد، وقد تؤثر على الرفاهية الاقتصادية لبلد أو منطقة بشكل أو بآخر.

ينتمي مفهوم الأمن الصحي للمفهوم الأوسع والأشمل. (الأمن الإنساني)، حيث أصبح هذا الأخير معروفًا على نطاق واسع من خلال التنمية البشرية والتقارير التي نشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في عام 1993 و1994، ويقال إن تقرير عام 1994 هو أول وثيقة تقدم تعريفًا شاملًا للأمن البشري أو الإنساني وأدخل مصطلح الأمن البشري باعتباره عالميًا ومحوره الإنسان.

يتكون هذا المصطلح من سبعة مكونات مترابطة الأمن الاقتصادي، الأمن الغذائي (الوصول المادي والاقتصادي إلى الغذاء)، الأمن الصحي، الأمن البيئي، الأمن الشخصي، أمن المجتمع (أمن الهوية الثقافية)، والأمن السياسي (حماية حقوق الإنسان، والحريات الأساسية).

بما أنه تم الاعتراف بالصحة في معظم الوثائق الدستورية كحق من حقوق الإنسان. هذا الالتزام يحتاج إلى العمل. والالتزام بهذا الحق يعتمد على القيمة المخصصة للصحة من قبل الأفراد والدول والمجتمع الدولي. يجب أن يكون أيضًا ملف عامل محدد في الطريقة التي تخصص بها الدول الموارد لأولويات التنمية.

في الفترت الأخيرة ومع ظهور وباء الكورونا الكوفيد-19 استطاع هذا الأخير أن يلفت انتباه جميع دول العالم، المتقدمة منها والنامية، إلى أهمية إيلاء الأمن الصحي الاهتمام اللازم كأحد أهم أبعاد الأمن ومن المتوقع أن تغير هذه الأزمة بشكل كبير من أولويات الإنفاق داخل العديد من بلدان العالم.

بحيث تزيد من الإنفاق على القطاعات الصحية، بما في ذلك البنية التحتية من مستشفيات ومؤسسات رعاية طبية، وكذلك البنية البحثية والعلمية من خلال التوسع في الأبحاث والدراسات التي تركز على إنتاج العلاجات الكفيلة بمواجهة الأوبئة بأساليب أكثر فاعلية وسرعة في الاستجابة مقارنة بما حدث في الأزمة الحالية، والاهتمام بصورة أكبر بالعلوم الصحية والبيئية.

وربما تكون هذه الأزمة سبب في تغيير الإستراتيجية الصحية لدول كثيرة وايضا تكون نقطة تغيير في اتجاه الإنفاق من الإنفاق العسكري إلى الصحي بشكل مضاعف. ولكن هل ستعزز التهديدات الصحية التي يواجهها العالم مفهوم الاعتماد المتبادل؟ هل سيكون وباء الكورونا سبب في تعزيز التعاون الدولي؟

لطالما كان مصطلح الاعتماد المتبادل من المفاهيم البارزة في حقل العلاقات الدولة، وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة هي ظاهرة إنسانية قديمة إلى أن الجدل قائم حول فعاليتها ومدى تأثيرها في السياسات الدولية وفي تحقيق الأمن الدولي فالاعتماد المتبادل هو علاقة تأثير وتأثر بين طرفين أو أكثر، أو هو علاقة تبادلية ثنائية الاتجاه (عكس التبعية التي هي اعتماد في اتجاه واحد).

يرى الكثير من الباحثين وصناع القرار في مختلف دول العالم أن التعاون الدولي ضروري للتغلب على هذه الأزمة والقضاء كليا على تداعياتها فيما بعد. حيث يقول نعوم تشومسكي: «أن توفر اللقاح مجانًا لكل الناس في العالم ضروي» ولهذا يشكل هذا الوضع اختبارًا حقيقيًا للعالم ولقدرته على التعاون.

حيث تقول خبيرة الصحة العامة في جنيف، السيدة سويري مون، يتوجّب على الدول توحيد الجهود في تأمين الموارد، والاتفاق على كيفية تقاسم المعلومات، ومشاركة التكنولوجيا بشكل عادل فيما بينها، في مواجهة المعركة العالمية ضد فيروس كورونا، لتلافي خروج الوضع عن نطاق السيطرة.

وتأمل أن تتوقف الدول عن التعاطي مع هذا الوباء على أساس مقاربة داخلية بحتة وأن تولي الاهتمام الجدّي والعميق للتعاون الدولي المطلوب من أجل احتوائه والسيطرة عليه.

يجرب العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية نظام الاعتكاد المتبادل لتحقيق السلام، حيث ظهرت المنظمات الدولية والتكاملات، وبرز مصطلح التعاون بشكل كبير ولكن لم يكن له دور فعلي في القضايا المصيرية التي نواجهها اليوم، سواء على نطاق الأوبئة البيولوجية، أو الاحتباس الحراري، والتلوث، وتغير المناخ.

ففي الوقت الذي يجب أن نجد الدول الكبرى تقود العالم وتتبع النهج التعاوني وتشجع عليه، نجد العكس فالدولة العظمى في العالم، وهي الولايات المتحدة، بدلًا عن زيادة الدعم لمنظمة الصحة الدولية قرر رئيسها قطع دعم بلاده المالي عنها على خلفية اتهاماتها بأنها تحابي الصين في هذه الأزمة، وأنها لم تقم بدورها على أكمل وجه، أو أنها تسترت على معلومات بشأن الوباء.

لا تشكل هذه السياسة نهجًا اعتباطيًا لدى الرئيس ترامب، بل هي سياسة مدروسة، وتبين إستراتجيته وهي «الاعتماد الذاتي»، وأنه لا يؤمن أبدًا بالاعتماد المتبادل والتعاون الدولي.

الولايات المتحدة ليست الوحيدة التي وقفت في وجه التعاون الدولي فالاتحاد الأوروبي لم يقم بدوره المفترض في دعم أعضائه، ويكفي النظر إلى تعاطي أعضاء الاتحاد مع إيطاليا التي شكلت لفترة طويلة بؤرة انتشار الوباء في أوروبا. وبدلًا عن المسارعة في نجدتها كان الرد إغلاق الحدود.

كل هذه الحقائق تقودنا إلى استنتاج واحد

على الرغم من إيجابيات التعاون الدولي إلى أن المصلحة القومية تبقى أسمى الأهداف، وهذه المصلحة تحتم على الدول الكبرى، السير وفق مبدأ براجماتي مصلحي ووفق مقاربة داخلية بحتة، حتى لو كانت هذه الأطراف ظاهريًا تدعو للاعتماد المتبادل وللتعاون إلى أنها فعليًا تلهث وراء تحقيق المصلحة الفردية وتعتمد على ذاتها فقط لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية للدولة وتجنب الخسائر المادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد