«العضو الحاكم في جسم الإنسان هو القلب، والدماغ هو عضو ثانوي يخضع له»

تُرى ما الذي كان يقصِدُهُ الفيلسوف العربيِ أبو نصرٍ الفارابي في القرنِ التاسعِ عندما قالَ هذهِ العِبَارَة، لعلَهُ كانَ يَقصِدُ وميضَ البصيرةِ التي قادتكَ في تِلكَ الليلةِ لِحلِ مُشكلة مكثتْ في ذِهنِكَ مُدةَ شَهرْ. أو أَنَكَ دونَ أنْ تَشعُر تَضَع يَدكَ على صَدرِكَ في مواقفِ الحُزنِ وَالفَرح لتلامسَ قَلْبَك.

للقلبِ مكانةٌ خاصة في الفكرِ الدينِي والأخلاقِي، وَهُوَ مَرْكَزُ العَقْلِ وَالفِكرِ وَالعاطِفةِ عندَ أرسطو، وَيَعتَبِرهُ العالِمُ الفيزيائي ألبرت آينشتاين – الذي جاوزت عَبْقَرِيَتُهُ حُدودَ الطَبيعة – بمثابةِ عَقلنَا الْحَدْسِي وأنه هِبة مُقدسّة يجب أنْ يخدِمُها عَقلنَا الواعي. فهل يُعدُ القلب عقلًا ثانِيًا؟ ما هي وظيفةُ العَقل؟ ما زالتْ البحوث والدراسات مستمرة في الكَشفِ عن هذه الحقيقة. فالقلب الذي نَملِكُهُ ليسَ مُجردَ عضو يضِخُ الدم. وَلَو تَدَبرْنَا القُرآن لوجدناهُ يُسَلِطُ الضوءَ على وظائف عديدة للقلب، تدعونا للتفكير به أكثر، فَيَصِفهُ بالقلبِ الذي يَفْقَهُ تَارةً «لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا»، والقلبِ الذي يَتَدّبَرُ تارةً أخرى «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»، وهو الذي نَعْقِلُ بِهِ» أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا» وهو مكانُ استقبال الوحي، فنزولُ القرآنِ كانَ على قلبِ نبينا الكريم «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ». لذلك ليسَ غريبًا أنَّ أول عضو يظهر عند تكوينك الجنيني هو قلبُك!

بدأتِ الرحلة عندما تمكنَ (Dr. Armour) الباحِث في علوم الأعصابِ القلبية من الكشفِ عن وجود خلايا عصبية مستقلة موجودة داخل القلب، ولا يقل عددها عن 40.000 خليةٍ عصبيةٍ تتفاعل مع عصبونات الدماغ وتؤثر وتتأثر بها. بل وجدت الأبحاث أنّ الأمر أعقد مما كان يُعتَقَد سابقًا. وعلى غير البديهة، فإنّ غالبية الألياف في العصب المُبهَمْ صاعِدة (ascending) حيثُ تسيرُ فيها الرسائل من النظام العصبي القلبي الداخلي إلى الدماغ عبر مسارات تصاعُدِيَّة في كل من العمود الفقري والأعصاب المُبهَمَة، ثم تنتقلُ بعدَ ذلك إلى مناطق النُخاع والوِطاء والمِهاد واللَوزة ثم إلى القِشرة في الدماغ. أي أن الإشارات التي تنتقل من القلب باتجاه الدماغ هي بالفعل أكثر من الإشارات المرسلة بالاتجاه المعاكس، كما أن تدفق الإشارات من القلب إلى الدماغ له تأثير على وظائف المخ و القشرة الدماغية وله دور مهم في تجاربنا العقلية والعاطفية.

وَفي تَجربَةٍ فَريدةٍ مِنْ نَوعِها قامَ بها مجموعة من الباحثين في جامعة (Yale) الشهيرة على أكثرِ من 300 حالة زراعة قلب، لاحظوا فيها أنَّ هؤلاءِ المرضى تَحدُثُ لَهُم تَغَيُّراتٍ عَميقة بَعدَ إجراءِ العَملِية، ويبدأ المرضى حياة جديدة تحمِل معها جُزُء من ذِكريات ومواهِب وهِوايات وحتى عَواطفِ الأشخاص المتبرعين بِقُلُوبِهِم وتفضيلاتهم الشخصية! يمكننا القول أنّ القلب المنقول لهؤلاء الأشخاص لَدَيهِ ذاكِرَة وَتفضيلات صاحِبه، ولا يزالُ قادرًا على أن يفرض خياراته وقراراته على نظام الشخص الآخر فيصير بَدَنه خادمًا لهذا القَلبِ الجديد! هذا الأمر جعل الكثيرين يغيرون من نظرتِهم حولَ الفِكرة السائِدَة عن القَلْبِ المِضَخّة.

واحدٌ مِن أهمِ المعاهِد التي اهتَمَتْ بعلمِ القلبِ وَقَدّمَتْ عَدْد هائِل مِنَ الأبحاثِ والدراساتِ الطبية والعلمية المُثيرَة حَولَ القلب وَدوره في حياةِ الإنسان هو مَعهد (HeartMath) وذكرَ المعهدُ أربعةَ طُرقٍ يَتَواصلُ بها القَلبُ مع الدِماغ وهي:

أولًا: التَواصُل العصبي

في الواقِع، يَمتَلِكُ القَلبُ مَركزًا شديدَ التعقيدِ لِمُعالَجَةِ المعلومات، وَلَهُ دِماغٌ وَظيفِيٌ خاص بِهِ يُمَكّنَهُ مِنَ العملِ بشكلٍ مُستَقِل عن القِيادةِ العصبيةِ المركزية، يُطلَقُ عليهِ (دِماغُ القلب)، وَيَتَشكلُ من شبكة مُركبة من العُقد والنواقِل العصَبِية والبروتينات والخلايا الداعِمَة، مما أكسَبَه وظيفة الاحساس والتنظيم والذاكِرة قَصِيرَة وطَويلَةِ المدى. ويتواصل من خلاله مع دماغ الجمجمة جنبًا الى جنب مع المسار التنازلي من الدماغ بفرعيه (السمبثاوي والباراسمبثاوي) في الجهاز العصبي المحيطي.

ثانيًا: التَواصُل الهِرمُونِي

يستطيعُ القلب تصنيع وإفراز عدد من الهرمونات والنواقِلِ العصبية التي لها تأثير واسع النطاق على الجسم كَكل. الأمرُ الذِي أَدَى إلى إعادةِ تصنيف القلب باعتباره جُزءًا مِنَ النِظامِ الهِرمُوني، فهو يَفرِزُ الببتيداتِ الأُذَينيّة والكاتيكولامينات، مثل النورأدرينالين. وربما يكون إفرازه للأوكسَيْتُوسِين الأكثر إِثارَة، فالقلب يُنتج ويُطلق الأوكسيتوسين بنفس القدر من أوكسيتوسين الدماغ.

ثالثًا: التَواصُل عبر المجالات الكهرومغناطيسية

مِنَ المَعروفِ أَنَّ المجالُ الكَهرومِغْنَاطِيسِي هو أَحَدِ القُوَى الرّئيسيّة الأربَعَة العَامِلَة في الطَبيعة. ويتواصل القلب عَبرَ المجال المغناطيسي المحيط به مع جميع خلايا الجسم، بل ويمتد تأثيرَهُ إلى الأشخاصِ من حولنا حيثُ يَتَمَتَعُ القلب بمجالٍ مغناطيسي أعلى في قِوَتِهِ بِمِقدار 5000 مرة من المجال المغناطيسي المُصاحِب لِلدِماغ. وبناءً على ذلِك فإنّ تأثير المجال المتولد من القلب يكون على بُعد عِدَة أقدام مِنَ الجسم وفي جميعِ الاتجاهات، ويمكن قياسُه باستخدام مقاييس المِغناطِيسية. مِنَ المثير حقًا ما قدّمَتْهُ مجموعة من العلماء في معهد (HeartMath) عن وجودِ عِلاقَة بينَ المجال المغناطيسي للقلب والمجالات المغناطيسيّة للأرض، حيث وجدوا أنَ أَحدِ التردُدات الرنانة الأساسية لخط المجال الأرضي هو 0.1 هيرتز، وهو بالضبط نفس التردد الإيقاعي لدقات قلب الإنسان في حالة أطلقوا عليها اسم «تماسك القلب» أو «heart coherence». وقد يفسر ذلك قدرة الأمهات – في بعض الأحيان – على الإحساس أن أبناءهُنّ في خطر حتى وإن كانوا في مكانٍ بعيد عن أَعيُنِهِنّ أو في مدينةٍ أخرى؟!

رابعًا: التَواصُل البَيوفيزيائي (موجة النبض)

بيوفيزيائيًا، أَيْ عِندَ تَدَفُق الدَمِ عبرَ القلب فَإنّه تَتَشَكل مَوجَة ضغط – تشعر بها كنبضات على معصمك أو رقبتك – وهي تضغط أيضًا على جَميع الخلايا وَتُعَدُ مَصدرًا للاتصال تَستَجيب لها خلايا الدماغ، وَيُمكِن مُراقَبة الفولتيّة الكهربيّة التي تحدث في نظام القلب والأوعية الدموية وقياسُها بأيِ مستشعرِ نَبض.

مِثلُ هَذِهِ النَّظّرِيّات الجَريئَة أثارَت الجَدَل مِن أَولِ ظُهُورِهَا، وَلكننا أَصبَحنا نُدرِك أَنّ نَشاطَ القلبِ والجهاز العصبي الداخلي الخاص بِه له تأثير عميق على تَصَوُراتُنَا وَالطَريقَةِ التي نُدركُ بها وَنَستجيبُ لها في تفاعُلاتِنَا اليوميّة وما زال هُناك الكثير من علاماتِ الاستفهام حَولَ القلبِ وَوظائِفَهُ. لكننا أصبحنا نَعلم أنّ تأثيرَه شامل لِكُلِ خَليّة مِنْ خَلايا الجَسَد الذي يَحمِلُهُ وَكَما قالَ رَسُولُنَا الكريم -صلى الله عليه وسلم-«أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد