كانت إحدى التشبيهات البليغة التي قرأتها عن نظم الحكم الشيوعية أو الاشتراكية التي تمتلك فيها الدولة كل شيء: إنها نظم ذات يدٍ ثقيلة، تبالغ في التدخل في شئون مواطنيها وتحرّم عليهم حريات طبيعية بحجة المصلحة العامة، حتى إذا ما انقضت فترتها ظهرت معاناة المجتمع في التخبط الناتج عن الجهل بإدارة الحياة تحت سلطة رخوة لم يعتادوها من قبل.

 

 
وبالنظر إلى هذا، وسحبه إلى إطارٍ أضيق تحل فيه الأُسرة بدلًا من الدولة، فتُستبدل بالحكومة المتسلطة تلك أبوان يقومان بنفس الدور ـ وإن اختلفت الدوافع، ويُترجم الشعب المُقيّد هذا إلى أبناء هذه الأسرة، لوجدنا أننا أمام نظرية اليد الثقيلة، ولكن من منظورٍ آخر.

 

 
الوالدان: المربع رقم 1 في سلسلة تشكيل شخصية الإنسان، وعالمه الأول الذي يفسّر له كل شيء، وينبني عليه كل شيء. وسواء كان ذلك بالسلب أو بالإيجاب، فإن أثره القوي لا يمكن إهماله أو مقارنته بأي من تأثيرات الحياة الأخرى.

هما المربع رقم 1 إذن من حيث الأهمية لا الترتيب فحسب. وبالحديث عن اليد الثقيلة التي تدخل في كل شيء، ولا تسمح لمن تحتها بالاستقلال، سنجد أن تطبيق هذا النموذج في حق الأبوين وأبنائهما يحدث لدافع يختلف عن دوافع الدولة ثقيلة اليد، فإن كانت الثانية تهتم بمصلحتها دون النظر لاعتبارات أخرى، فإن في نموذج الأسرة ينتهج الوالدان نفس النهج بغرض مصلحة الابن، إلا أن ذلك لا يتحقق في النهاية.

 

اليد الثقيلة.. هذه هي المُعضلة

الاهتمام الزائف الذي يُفضي إلى إلغاء كيان وشخصية الابن بالتدخل الدائم في شئونه الفردية بلا أي تقدير لحساسية وخطورة الأمر. ومنشأ ذلك من الأساس هو الخوف المُبالغ فيه تجاه الأبناء وعدم الوثوق في مدى أهليتهم للوصول إلى الصواب في أي أمر بدون والدهما، فيصير الأمر إلى اهتمامٍ مُضرّ لا يعبر عن الاهتمام الذي يحتاجه الأبناء في شيء، والذي نخرج معه إلى سلوكين مدمرين:

أولهما: التسلط والنفاذ الشديد إلى دائرته الشخصية بلا استئذان، وثانيهما: الحماية المبالغ فيها والنيابة عنه في كل التحديات باختلاف صورها.

ومكمن ذلك كله كما أسلفنا يتجلّى في الشعور الأكيد عند الوالدين ـ والذي قد لا يُصرّح به ـ أن ابنهما قاصر الإدراك، قاصر التطور، قاصر القدرات بدونهما. تبدأ هذه المعاناة منذ الطفولة بسلب حق الطفل في اختياراته الأولية التي تصنع عنده ملكة القرار، أو في سلبه حق الفعل، والتأدية في أبسط الأمور، فلا يُترك له حق الاعتماد على نفسه فيها. وكل هذا القتل الخفي لدعائم الشخصية يتم تحت الشعار المُقدس: “نحن نعلم مصلحتك أكثر منك”!

ثم يتطور الأمر مع الوقت في بعض الأحيان حتى يبدأ التدخل الثقيل في الاختيارات الشخصية المصيرية، التي هي حق مطلق للإنسان، لا ينازعه فيه أحد، أو في القيام عنه ببعض الأدوار التي يتحتم عليه أداؤها بنفسه، ظانين بأن ذلك يريحه، غير ملتفتين إلى حجر الزاوية الذي قد تهدّم في شخصيته حتى أوشك البنيان كله على الانهيار.

هذا التدخل لا يُشترط فيه دائمًا الأمر المباشر بالترهيب من العقاب ، خاصةً بعد تقدم الأبناء في العمر وخروجهم من طور الطفولة، ونمو حاسة الفردانية لديهم بعض الشيء، ولكنه قد يكون باللوم والتسخيف من رأي الابن وقراره الشخصي في أي من الأمور، أو حتى بابتزاز الابن برضا والديه عنه؛ لإثناءه عما يريد.

 
إلى آخر قائمة هذه الأنواع من التدخل، والتي قد تكون أشد بشاعة في أثرها النفسي على الابن؛ لأنها توضح له بلا مواربة مدى افتقاره للثقة عند والديه، أو مدى التسخيف من خصوصيته وقلة احترامها من قِبلهما، فيخرج بناء شخصيته هشّا، خالي من شجاعة المجازفة أو تحمل مسئولية أفعاله؛ لأنه دائمًا ما يخاف العقاب أكثر من خوفه من الفشل.

 

 
بالإضافة لعجزه عن اتخاذ القرار السليم بمفرده دون الرجوع الحتمي إلى والديه أو إلى غيرهما؛ لأنه لم يعتد ذلك حتى في أبسط الأمور. حتى وإن تراخت يد الوالدين عن الابن بعد فترة، فإن هذا يصيبه بنوع من التخبط في إدارة حياته بشكلٍ صحيح؛ لأنه لم ينفرد بذلك من قبل، وكلما كان تدخل الوالدين زائدًا وطويلًا، كانت فترة تخبط الابن بعد استقلاله أطول وأشد.

وإن كنت قد فكرت في وضع بعض الدراسات هنا التي تحلل الأمر وتثبته بالإحصائيات، إلا أني تراجعت عن ذلك خشية الإطالة، ولأن هذه الإحصائيات متوفرة بكثرة ويمكن الرجوع إليها لمن يريد، كما أن هذا الأمر مما يعانيه أغلبنا، ولا يحتاج إلا لمجرد لفت النظر إليه حتى تُثار قضيته.

وربما أن الأمر قديم أو أنه كذلك بالفعل، ولكن منشأ هذا الصراع وتفاقم أثره وضرورة الاهتمام به الآن أكثر مما سبق، قد يكون بسبب ذلك البون الشاسع الذي أصبح بين الأجيال عن سابق الزمان، وهذا التسارع الـمُقلِّص للفترة الزمنية بينهم، فالابن في الماضي الذي كان يتلو أباه بجيلٍ يسهل نسبيًا فهمه وإخضاعه، قد يفرق عنه بعد ذلك بأكثر من مجرد جيلٍ واحد لا يسهل إدراكه فضلًا عن السيطرة عليه.

ولكن.. أين الحل؟

والإجابة الواقعية أنه لا حل لهذا الأمر بأثر رجعي، أي أن ما كان قد كان وانتهينا. إنما ما أقوله وأريده، هو: نحن هذا الجيل الذي ننتمي إليه اليوم، والذي سيخرج منه الوالد المُربّي في القريب، أو أنه يحدث بالفعل.

أقول إننا لا يجب أن نعيد الكرّة على أبنائنا فنقودهم لما لاقيناه من المعاناة، ونحن نبحث عن ذواتنا خارج نطاق هذه اليد الثقيلة، إننا يجب علينا النصح والإرشاد والتعليم والتوجيه بما اكتسبنا من معارف وخبرات، لا أن نكبل أقدامهم على الطريق الذي نريد.

أن نحترم آراءهم وأن نُظهر لهم ذلك، حتى وإن رأينا فيها الخطأ، فنناقشها معاهم ونُظهر حُجّتَنا واضحةً ولا نقلل من عقولهم أو إدراكهم، ولا نطالعهم دومًا بنظراتنا المنتقصة لهم ولوعيهم بالحياة؛ حتى لا ينغلقوا على أنفسهم ويفرّوا مننا أبدًا، باحثين عمّن يمنحهم الثقة والتقدير.

 

 
أن نكون الأصدقاء الذين نرجوهم لهم، مُعلّمين إياهم أن المرء على دين خليله، فيختارون هم أصدقاءهم على شاكلة ما تربوا عليه، وأن نحترم خصوصياتهم حتى يصارحونا بها، ونشاورهم ونستمع إليهم ونأخذ بما يقولون إن صحّ، فنقودهم نحن إلى استقلاليتهم، لا أن نجبرهم على انتزاعها منا بعد فوات الأوان.

 

 
أقول إنه يجب علينا أن نرفع أيادينا الثقيلة عنهم بأن نغرس فيهم نبتة خيرٍ يشكرونها لنا، لا أن نجرّفهم من خصوبتهم بحجة الإعمار. فإن كنّا لا نحمل مسئولية ما مضى، فنحن لا سوانا من سيُحاسب عن كل آت.

 

 

فقدروا حجم أثركم في نفوسهم، وانظروا إلى هذا المربع الأول الذي يتشكل به كل شيء. واعلموا أنما (يُوصِيكُمُ اللَهُ في أوْلادِكُمْ) *.

 

 

(*): [النساء: 11].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أسرة, أفكار

المصادر

*النساء
عرض التعليقات
تحميل المزيد