زميلي العزيز ماتياس، سألتني منذ ساعات عن هجوم تشارلي إيبدو وعن رأيي في داعش والقاعدة ثم سألتني على استحياء عن سر العنف والكراهية التي يحملها الإسلام لمخالفيه حول العالم.

شاهدت دهشتك عندما قرأت لك من القرآن “لا إكراه في الدين” وعندما شرحت لك عفو الرسول صلى الله عليه وسلم عن قريش بل عن المنافقين، ولم تصدق ما قرأته لك من دستور المدينة، فسألتني هذا السؤال العجيب:

“إذا كان دينكم بهذه الرحمة والعظمة، فلم لا يعظ شيوخكم ورؤوساؤكم هؤلاء الإرهابيين؟ لماذا لا يستمع الإرهابيون لهذه الآيات أو لكلام الوسطيين من أمثالك؟”

أعترف بأني تهربت من الإجابة لأن سؤالك كان صادمًا، لكن بعد متابعتي لردود أفعال شيوخنا ومفكرينا على هجوم إيبدو فجوابي تلخصه كلمتان “السلطة الأخلاقية”.

في الشرق الأوسط يا عزيزي – وما أدراك ما الشرق الأوسط– عشرات الجماعات الإسلامية إلى جانب المؤسسات الدينية الرسمية، مثل الأزهر في مصر وهيئة كبار العلماء في السعودية، بالإضافة إلى عدد كبير من الكتاب العلمانيين المستقلين منهم والمنضمين لأحزاب.

سؤالي لك يا ماتياس: “من الذي سيعظ الإرهابي؟ من الذي يمتلك السلطة الأخلاقية، تلك السلطة التي يمتلكها الأب على ابنه، أو الشيخ على تلميذه أو النبي على حوارييه؟”

 

إن محاضرات شيوخ الأزهر جميعًا لن تحرك شعرة في جسد مؤيد لأنصار بيت المقدس، فقد رآهم هذا المسكين وهم يبررون قتل الآلاف ويصمتون عن حرق المساجد، بل رآهم يصفقون لسب الدين في قلب الجامع الأزهر. ربما سيستمع الداعشي إذًا لمواعظ هيئة كبار العلماء السعودية؟

 

أو ربما لن يستمع لهم بعد موافقتهم على ضرب العراق في حرب الخليج الثانية، وصمتهم عن تدميرها وقمع أهلها من السنة بعد الغزو الأمريكي. وما زالت الجماعات الإسلامية تؤمن بأن الحادي عشر من سبتمبر مؤامرة صهيوأمريكية على الإسلام والمسلمين، وما داعش والقاعدة وهجوم تشارلي إيبدو إلا مسرحيات هزلية تنظمها المخابرات الغربية لقمع المسلمين وكسر شوكتهم.

سيناقش الإسلاميون ما وراء الحدث لكن لن يناقشوا الحدث نفسه.

 

سيسرد لك شيوخهم جرائم “النظام العالمي” ضد المسلمين منذ العصر الحجري. ستضطر لاستخراج وثيقة تثبت أنك ضد مذابح الفرنسيين في الجزائر ومالي والغزو الأمريكي للعراق وضد نظامي السيسي والأسد، ثم ستقسم لهم بالله ألف مرة أنك لست ضد المجاهدين ولست من “المسلمين الكيوت”.

 

في النهاية لن تقنعهم حجتك أن للمسلمين عقد وعهد مع الأوروبيين، إن شاءوا قبلوا به وإن شاءوا رفضوه ثم تركوها وعادوا إلى بلادهم.

حتى مصطلح “الإسلام الوسطي” يا صديقي أصبح مدعاة للسخرية، فهل سيستمع متدين لرأي إلهام شاهين في الإرهاب أو شرح الغيطي لكيفية إسقاط الإخوان للأندلس؟

 

هؤلاء هم مثقفونا الليبراليون “المستنيرون”، هم لا يرون في الجماعات الجهادية إلا وحوشًا ضارية تريد تطبيق شرائع العصور الوسطى في القرن الحادي والعشرين. لم يتوقفوا ولو للحظة عن وصفنا بالخراف، ولم تصمت أقلامهم عن نسج الأكاذيب وتبرير القمع وترسيخ الفاشية.

 

لا يدرك هؤلاء الحمقى كما تدرك أنت أن الديكتاتورية تجلب الإرهاب، لقد أحرقونا وأحرقوكم معنا بنار جهلهم واستعلائهم.

لم ير الإرهابي إذًا إلا نخبة تعظه باسم الحداثة والدين وهم أبعد الناس عنهما، ورأى صحفيًا سخر من رسولنا الأعظم، أو مخرجًا استهزأ من ديننا الحنيف. لم ير هذا الإرهابي كنائس كولون وهي تطفئ أضواءها أمام متطرفي بيجيدا، بل رأى الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية على رؤوس أهله وإخوانه.

في بلادكم يا صديقي متطرفون نازيون، لكنهم قلة بفضل الوسطيين من أمثالك، فلا أنتم قمعتم المتطرفين ولا أنتم تجاهلتم وجودهم، بل خنقتم فكرهم بالفكر، وقضيتم على البيئة الحاضنة للإرهاب بالعدل. لكن “المسلمين الوسطيين” يا عزيزي ما بين فاشي يقمع أبناء شعبه ومتخاذل يسبح في عالم المؤامرات.

 

إن “المسلمين الوسطيين” هم المشكلة وليس “المتطرفين”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد