(1)

جاء وعد بلفور المشؤوم والذي أعطى بموجبه من لا يملك (الاستعمار الانجليزي) لمن لا يستحق (الاحتلال الصهيوني)، وفقًا لمقررات مؤتمر لندن الذي تواصلت جلساته في الانعقاد لسنتين كاملتين (1915 – 1917).

وما أنتجه هذا المؤتمر البغيض (جذر الاستعمار الحديث) وقد دُعيت إليه سبع دول استعمارية أوروبية، وثيقة سميت بـ (وثيقة كامبل) نسبة إلى رئيس وزراء بريطانيا (هنري كامبل بنرمان).

والذي تلخص جوهرها في إدامة الاستعمار في الشرق الإسلامي أطول فترة ممكنة؛ من خلال تغذية الفُرقة وتجذير التخلف بين شعوب المنطقة الإسلامية والعربية منها على وجه التحديد، بالإضافة لغرس كيانٍ مسخٍ يفصل من خلاله شرق العالم العربي عن غربه، فصلًا حضاريًا ثقافيًا اجتماعيًا.

(2)

فلذلك كان المقترح لهذا الموعود المشبوه (إسرائيل- الوطن القومي لليهود) في خرقة دينية (توراتية محرّفة وتلمودية مزورة)، تستند إلى ادعاء تاريخي مكذوب بأنهم أهل هذه الأرض وأصحابها الأصليين.

نعم، جاء المرسوم الاستعماري بصيغة الوعد بعد أن احتلت القوات الغازية الإنجليزية القدس؛ بفعل خيانة حلت بالجيش التركي من داخل قيادة الجيش الرابع على وجه التحديد والذي كان يقوده جمال باشا، وبفعل هذه الخيانة وما أفرزته من ممارسات ظالمة تجاه العرقيات غير العرقية التركية التي تشكلت منها جميعًا النسيج المجتمعي العام في السلطنة العثمانية.

الأمر الذي جعل تشكل بيئة محرضة على النظام التركي القائم في البلاد العربية يتنامى بشكل مضطرد مع تزايد المظالم وزيادة الفرز العرقي العنصري الذي تصاعدت وتيرته بعد سيطرة الاتحاد والترقي على مقاليد الدولة التركية في أواخر العقد الأول من القرن الماضي.

وهذا ما دفع باتجاه ما سمي بالثورة العربية الكبرى والتي قادها الشريف حسين أمير مكة المكرمة آنذاك بتحريض وإمداد وتدريب من الإمبراطورية الاستعمارية الأولى (بريطانيا).

(3)

في هذه الأجواء التآمرية تخلقت الحركة الصهيونية التي تشكلت للدفع بيهود العالم إلى قلب الأمة الإسلامية تحت الحماية الاستعمارية الغربية وتحقيقًا للوعد المشؤوم؛ فمارست تلك الحركة كل ألوان الإغراء والإغواء والتضليل وكذلك الترهيب والتخويف مرات عديدة في سبيل استقدام أبناء الجيتوهات والحواري اليهودية إلى أرض جبل صهيون كما كانوا يزعمون لتحقيق وعد الرب (يهوا).

وبدأت تتزايد موجات المهجرين اليهود من بلدانهم في الشرق والغرب باتجاه الأرض التي تفيض عسلًا ولبنًا أرض الزيتون والرمان ليكونوا حاجزًا بشريًا في قلبنا الإسلامي وتحقيقًا لوثيقة كامبل التي سبق الإشارة إليها، فقامت المستعمرات اليهودية الواحدة تلو الأخرى بشكل متتالٍ ومدروس.

حتى يحدثوا نقطة تحوّل ديموغرافي فيشكل ولو أقلية عرقية دينية يمكن الاستناد إليها في المطالبة بالحقوق السياسية التي ستخدم المستعمر الغربي بكل تأكيد وتنادوا لتشكيل أجهزة حماية بطابع عسكري وأمني فتشكلت العصابات الصهيونية والتي أبرزها الهاجاناه واشتيرن وبدأت تراكم السلاح داخل المغتصبات وتتهيأ لما هو قادم في ظل حكومة انتداب عملت جاهدة لتهيئة البيئة الجيوسياسية لهذا المولود الشيطاني الخبيث الذي سمي زورًا وتزويرًا (إسرائيل).

وكانت الصناعات الحربية قد بدأت في العقد الثالث من القرن الماضي بأول ما صنعته هذه العقول الشيطانية من السلاح ما يسمى عندنا بـ(الكوع) وتوالت الصناعات الحربية لتصل اليوم إلى ما وصلت إليه من الدول المصدرة للسلاح النوعي والمتقدم ولا سيما ما يتعلق منه بثورة الاتصالات والآلات غير المأهولة والطائرات المُسيرة بلا طيار وانطلاق مشروع السلاح النووي في وقت مبكر بتكليف مباشر من (بنغوريون) لثعلب الكيان (شيمون بيرس) قبل إعلان الدولة في 15 مايو 1948م.

(4)

حتى إذا ما وجد المستعمر الإنجليزي أنّه أتمّ مهمته فقد أعلن عن انتهاء الانتداب؛ فدخلت القوات العربية مهلهلة لتصنع الهزيمة هدية للمولود الاستعماري الجديد، بعدد لم يصل إلى ثلث العصابات اليهودية، وسلاح فاسد، وجيوش لم تكن على أدنى درجة من درجات الاستعداد للقتال، غير أنّها حالت في مرات عديدة دون دفاع الفلسطينيين عن أرضهم.

وأنّها لم تأتِ ابتداء لمنع قيام دولة الكيان بقدر ما كان حرص كل منها على استلام الأرض التي أبقاها قرار التقسيم للفلسطينيين، وقد فشلوا في ذلك، فلم يأخذوا غير قليل منها ليتم اقتسامها بين مصر (قطاع غزة)، والمملكة الأردنية (الضفة الغربية)، والباقي سيطرت عليه العصابات الصهيونية وفقًا لما فرضته المعارك وخط الهدنة؛ لتنزع 78% من الأرض الفلسطينية العربية.

ولم تكن تسيطر العصابات اليهودية عن مساحة تزيد على 6% منها قبل المعارك التي انتهت في فبراير 1948 وفقًا لمحادثات روجرز.

(5)

ولكن بعد 68 سنة لقيام هذا الرجس الصهيوني على أرضنا المباركة أصبح يتأكد لمن جلبوا ليكونوا أداة استعمارية قذرة (اليهود الصهاينة) أنّهم إلى الزوال أقرب وأن الفناء يحاصرهم من كل جانب وأن النار التي أشعلوها في المنطقة ستحاصرهم «من فوقهم ومن أسفل منهم» وأن الضعف الذي كانوا أداته في العالم الإسلامي بدأ يتشكل منه واقع قوة وجيوش معززة بسلاح عقائدي استسهل الموت في سبيل حياة كريمة فانطلق الشباب المسلم في كتائب وسرايا وألوية ومجموعات فدائية بشكل فريد يصنعون العزة بعدما أخلد الحكام إلى الإذعان يستجدون سلامًا مقابل الأرض كل الأرض.

فها هي الصناعات العسكرية لقوى المقاومة وعلى رأسها القسام والسرايا تجاوزت كل التحصينات والمنظومات الأمنية لتصل إلى كل المدن الكبرى المغتصبة لدولة الكيان، وجاءت الحرب الأخيرة في صيف 2014 لتكشف حالة زيف القوة في بنية المجتمع الصهيوني الداخلي (الجبهة الداخلية) وهي البطن الرخوة.

كما كشفت حالة الفشل الذريع في إدارة المعركة وفق تقرير مراقب دولة الاحتلال الذي بدأت تتكشف معالمه بعد سنة ونصف السنة من انتهاء المعركة ولربما سيكون الأشد على قادة الكيان من تقرير (فينوغراد) الذي أنهى حياة (غوالدامائير) السياسية ومجموعة آخرين عقب حرب أكتوبر 1973.

يا نتنياهو إنّ من يلعب بالنار حتما ستحرقه! فلا تراهنوا على من يلهث خلفكم يطلب منكم السلام وما جيء بكم إلا لتزرعوا الموت والخراب.

فإنّ رجالًا قد أعدّهم الله إليكم سيبعثهم عليكم من باطن الأرض في براكين الغضب، ومن قلب السماء أبابيل ترميكم بحجارة وحديد موسوم فيأتيكم الموت من كل مكان، إن لم ترحلوا عن ديارنا وتغربوا عن أرضنا!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد