مقدمة

هذا المقال هو الحلقة الأولى ضمن سلسلة مقالات تتناول بعض الروايات والكتب بالنقد، لذلك هناك شرح مع بعض التفصيل حتى تصل الفكرة، أرجو التكرم بقراءة النص كاملًا. أحيانًا حين أساعد كالعادة في لفت النظر إلى ضعف رواية ما، أو النصح بقراءة أخرى، لماذا أفعل هذا؟ أحاول دائمًا توجيه القارئ إلى ما يرتقي به، ويقوي لغته، ويضيف إلى ثقافته، يكون رد الفعل غريبًا. بعضهم يصاب بصدمة عندما، من دون قصد مني، أكسر التمثال الذي يحبه، قطعة فنية نفيسة من وجهة نظره، وهذا التمثال هو إحدى الروايات التافهة، أو أحد الكتّاب الضعاف، من وجهة نظري أنا. أريد أن أوضح أمرًا: حين أصف رواية ما أو كاتبًا ما بالرداءة فهذا الوصف لا ينطبق عليك بالضرورة، عزيزي القارئ. أنت تحب ما تقرأه ومن تقرأ له وهذا شأنك، هي حرية مطلقة للجميع أن يقرؤوا ما يشاؤون، وأن تقرأ كتابًا رديئًا خيرٌ من ألا تقرأ على الإطلاق. أنت تقرأ أيًا كان السبب وراء قراءتك لكني لا أسيء إليك حين ألفت نظرك إلى ركاكة ما تقرأه، بل أحاول مساعدتك لتتقدم وتزداد ثقافة. لكن بعضهم للأسف يرى أنه تعالٍ وغرور من أصحاب وجهة النظر التي أنتمي إليها، يرى أنني أهاجمه وأتعمد إحراجه، يرى أنني أفجعه في عزيز لديه حين أنقده، سواء كانت رواية أو كاتبًا. لذلك سأتناول وجهة نظري ضد وجهة نظرهم بالشرح المفصل في القسم التالي.

يسمى النقد الأدبي

النقد هو علم يدرس في الجامعات، ويطبق في صورة دراسات نقدية يكتبها المتخصصون. توجد فروع من النقد في كل أنواع الفن والجمال، هناك نقد للطعام، ونقد لتصميم الأزياء، ونقد للفن التشكيلي، ونقد للمسرح، ونقد لفن السينما، ونقد للأدب، وهذا هو الجزء الذي يهمنا في الأمر. ما هي وظيفة النقد؟ أن يبين لنا مدى جودة أي عمل فني، وهذا يحدث بأن يقوم الناقد بتحليل النص الأدبي وتفسيره، واستخراج مواطن القوة والضعف فيه. يستطيع الناقد المتمكن استخلاص أفكار الكاتب، ليس فقط الأفكار الظاهرة، ولكن الأفكار العميقة المخبأة داخل النص أيضًا. النقد ليس أن تمدح رواية وتذم أخرى كما يعتقد الكثير منا، فهذا يسمى الانطباعات وليس النقد، والناقد الحقيقي لا يفعل هذا. لماذا أذكر كل هذا عن النقد، لأن البعض يحاول المقاومة والدفاع عن العمل الرديء وكاتبه حين يتعرض للنقد. البعض يقول إن القراءة أذواق وأن ما يعجبك لا يعجب غيرك، ولا وجود فعلي لما يسمى نقدًا. حقيقةً هذه طريقة دفاعية ساذجة للغاية، ومع ذلك كثيرًا ما قوبلت بها، لا يمكنك أن تحرم غيرك الحق في التعبير عن رأيه تجاه أي رواية حتى لو كان كاتبها دوستويفسكي ذاته؛ لأن عمل ابن آدم ناقص مهما كانت جودته، فالكمال لله وحده سبحانه وتعالى. ولا يمكنك أن تمنع غيرك من نقد رواية حتى وإن كانت روايتك المفضلة، وترى أنها أفضل ما خط على الورق. لو كان بيننا نقاد حقيقيون لهم دور فعال في المجتمع لما كانت روايات ساذجة وتافهة وركيكة طغت على الآفاق، وحصدت كل هذا النجاح والتوزيع، وملكت قلوب القراء. وحتى لو وجد ناقد كفؤ مثقف ماذا سيفعل أمام جيش المتابعين وحشود المريدين. حدث أن تلقى أحدهم السباب في مجموعة ثقافية لمجرد انتقاده هذه الرواية التافهة مثلًا: «في قلبي أنثى عبرية». تعج المجموعات الثقافية بعشرات الاقتباسات من تلك الرواية تنشر كل دقيقة، وتحصد آلاف الإعجابات والتعليقات وهي لا تساوي شيئًا. أمام هؤلاء المؤيدين ستجد أكثر من روائي شباب مميز، ولكنه مغمور للأسف ولا يجد طريقه لدور النشر؛ لأنه ليس لديه متابعون، ولا يكتب مثل هذا الغثاء. لذلك أقول لمن يردد هذا الكلام هي ليست مسألة أذواق، إنما هي مسألة نقد وشخص لديه بصيرة وخبرة في القراءة، وآخر لا خبرة لديه.

كيف تقوم عملًا أدبيًّا؟

تمثل قيمة الرواية درجة، يحدد مستوى جودة الرواية على مقياس من واحد إلى خمسة مثلًا. للرواية خمسة عناصر: اللغة والأسلوب والحبكة والشخصيات والفكرة، تمثل اللغة والأسلوب الشكل الفني للرواية، وتحكم الحبكة والشخصيات والفكرة على مدى قوة وتماسك الرواية. قد تكون الشخصيات مكتوبة بشكل جيد لكن الحبكة ضعيفة، أو العكس، وقد تكون اللغة قوية والحبكة مميزة ويشوب الرواية فكرة سيئة. هذا هو الأساس في الحكم على أية رواية: القيمة الفنية للعمل هي القياس المطلق والوحيد للعمل الأدبي. البعض يسيء فهم النقد إلى درجة تقويم الرواية بناءً على وجود مشاهد حميمية، أو ألفاظ نابية، أو أفكار مخالفة للعقيدة الإسلامية بها من عدمه. للأسف هذا قد يتسبب فيه في المقام الأول ضيق الأفق، والتصور الخاطئ عن الأدب. الأدب فن جمالي وكل فن له مطلق الحرية أن يستخدم أية أدوات، أو أي محتوى لصياغة الرواية، هكذا ابتدع الإغريق الأدب، ثم انتقل عبر العصور إلى إنجلترا وفرنسا وروسيا وغيرها من الدول التي أجادت هذا النوع من الفن، وبرع الأدباء به في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا، ومن خلال الانفتاح على الثقافة الأوروبية انتقل هذا الفن إلى مصر، ثم الوطن العربي عن طريق التعريب أولًا، ثم التأليف. بعبارة أخرى، الأدب فن لكاتبه مطلق الحرية في استخدام أي شيء يشاء في صياغته، طالما كان الأمر هكذا ودائمًا سيظل. ولذلك فالنقد يحكم على عناصر جودة الرواية. لكن من حق القارئ اختيار ما يناسبه وما يتسق مع أفكاره، أن يقرأ هذه الرواية، ويرفض تلك. لكن أن تقوم رواية بناءً على المعلومات الدينية المصاغة بها، فهذا ليس فقط خطأك في التقويم، وإنما أيضًا خطأ الكاتب لأنه تعامل مع الرواية تعامل الكتاب وكتب فيها معلومات ووعظ تقريري مباشر، وهذا ليس دور الأدب ولا يليق به. الكاتب الذكي حقًّا هو الذي يخبئ فكرته تحت طيات روايته لتصل إلى القارئ عند الانتهاء من الرواية، أما وضعها هكذا بطريقة عبثية ومقحمة فهذا يسيء إلى الرواية، ويخفض مستواها الأدبي. «في قلبي أنثى عبرية» إحدى هذه الروايات. من ناحية أخرى، هناك من يقوم الرواية بناءً على التسلية ومدى ملائمة قصة الحب بداخلها مع رغبة القارئ الذي غالبًا ما يعاني من فراغ عاطفي. هذا القارئ يتخلى بمحض إرادته عن كل أشكال الفائدة والمتعة لغوية كانت أو ثقافية في الرواية القوية ويتركها، ويذهب إلى الرواية الرديئة من أجل قصة الحب هذه، وهذا المثل ينطبق أيضًا على «في قلبي أنثى عبرية»، وروايات أخرى أضعف منها، وأكثر ركاكة. ومهما حاولت نصح هذا القارئ وتوجيهه إلى الجيد فهو سيذهب حتمًا إلى الرواية العامية الضعيفة بحثًا عن قصة الحب، أو حتى رواية الفكرة الدينية المقحمة لنفس الغرض. مع مرور الوقت يستمر هذا القارئ في اختياره هذا ويعتبر أية رواية قوية «مملة» لقوة لغتها وضغطها عليه، وهي مملة من وجهة نظره؛ لأنها ليست مجرد قصة حب بسيطة، أحيانًا لا يستطيع إكمالها حقًّا. نوع آخر يفعل نفس الشيء مع الروايات الركيكة ولكن نوع الرعب، يقومها على قدر إخافتها له ويتخلى بمحض إرادته عن الروايات القوية ومتعتها الحقيقية. لهذا يتوجب عليّ إلقاء الضوء على النقد وأهميته وتوضيح معناه الحقيقي وليس الزائف المزعوم، وشرح كيف يمكن تقويم عمل أدبي.

نقد رواية في قلبي أنثى عبرية

هذه الرواية بسيطة ومسطحة، لا تحتاج إلى مجهود فعلي لتفسيرها وتحليلها؛ لأن الفكرة فيها مقحمة وليست مصاغة بذكاء. فكرة الرواية هي التعصب الديني، وازدراء غير المسلمين، والدعوة إلى الإسلام. قدمت الكاتبة الشخصيات المسلمة على أنهم ملائكة، فهل هذا واقعي؟ هل يحدث في الحقيقة؟ لا. لكي تقدم الإسلام بصورة حسنة في رواية تحدث عن إنجازات المسلمين، عن أخلاقهم، عن تاريخهم وعقائد دينهم، وافعل هذا عن طريق السرد وإظهار بواطن الشخصيات، لكن ما فعلته الكاتبة كان ساذجًا، ومجرد استسهال، وعدم احترام لعقل القارئ: جعلت المسلمين ملائكة واليهود أشرارًا لإيصال فكرتها، هكذا ببساطة.

يردد الكثير من محبي الرواية أن القصة حقيقية، وقد يكون هذا مجرد حجة تقال لمن يعترض على الحبكة الوهمية المغرقة في الخيال. فليس معنى أن تقول الكاتبة إن روايتها قصة حقيقية تصديق كل ما جاء فيها، لأن فيها من الخيال الكثير، وهو ليس منطقيًّا أو مقبولًا أيضًا. مجموعة من المصادفات والأحداث غير المنطقية في حبكة ضعيفة كتبتها الكاتبة فقط لتوصيل فكرتها، غير عابئة بأن هذه رواية ولها أسلوب فني، من أهل ريما الذين عهدوا بها إلى جارهم اليهودي، إلى اليهودية التي تساعد المقاومة الفلسطينية، إلى سماح التي وضعتها الكاتبة همزة وصل بين أحمد وندى، وليست لشخصية سماح أي أبعاد أو خصائص، إلى أحمد الذي فقد ذاكرته وتنصر ونسي ندى، ثم عاد في النهاية وعادت ذاكرته وأسلم وتزوج ندى، وتم كل شيء كما أرادت الكاتبة، إلى حسان الذي وضعته الكاتبة كديكور يحل محل أحمد وقت غيابه، ثم يعود ويتنازل له عن ندى، لا أهمية له ولا مشاعر لديه. جعلت الكاتبة جميع المسلمين ملائكة واليهود أشرارًا، ثم حدث أن أسلم اليهود في النهاية وتوفي كل المسيحيين في حادثة واحدة هكذا. ما هذا العبث! فقط أرادت الكاتبة التخلص من أي أثر لهم في نهاية الرواية، ولم تجد طريقة مناسبة فدلها عقلها على قتلهم في حادث سيارة.

الشخصيات ضعيفة وسطحية ليس بها أية تفاصيل خاصة بالشكل، أو المضمون فهي كتبت لتؤدي غرض الكاتبة وحسب لكنها ليست شخصيات تشعر أنها حقيقية عندما تقرأ عنها. كلها شخصيات ضبابية لا ملامح لها سواء الأبطال، أو الشخصيات الثانوية، ولا وصف لشكل أو ملبس، ولا يوجد عمق حقيقي لها. الجزء الخاص بالدعوة إلى الإسلام في الرواية لم يكن مقنعًا على الإطلاق. كيف تحولت ندى اليهودية المتدينة المتمسكة بعقيدتها إلى مسلمة فجأة بعد عدة دروس دينية؟ أيضًا لم أجد هذه الدروس مقنعة وكافية لتحول أحد إلى الإسلام. أما أن تقوم ندى المسلمة حديثًا بتحويل باقي الشخصيات اليهودية إلى مسلمين فهذا أمر غير منطقي، ومعبر أيضًا عن استخفاف الكاتبة بالقارئ، وعدم احترامها لعقله.

كانت اللغة جيدة وغير ركيكة، لكن الأسلوب بسيط ليس مميزًا، الأسلوب القوي في الرواية هو ببساطة عدة تراكيب لغوية يستخدمها الكاتب وبعض المفردات التي يمكن أن تضاف إلى حصيلتك اللغوية، لكن أسلوب الكاتبة كان مبسطًا جدًا. استخدمت الكاتبة أسلوب الفلاش باك بطريقة سيئة وبدائية في النصف الثاني من الرواية، وكان الفلاش باك مبعثرًا لا ترتيب له؛ مما أضعف النص ككل. المفترض أن يسرد الكاتب سردًا متماشيًا مع وقت الأحداث، ثم يعود إلى الماضي أو يذهب إلى المستقبل عن طريق الفلاش باك، ثم يخرج من الفلاش باك إلى الوقت الحالي وهكذا. لكن ما حدث في نصف الرواية الثاني كان حلقة متتابعة من الفلاش باك مبعثرة بين ماضي قريب، وبعيد، ومستقبل، وأدى هذا إلى إرباك القارئ.

في المجمل الفكرة جيدة ويحتمل أن تكون قصة حقيقية فعلًا، وكان يمكن أن يبنى عليها رواية قوية متماسكة وواقعية، لولا عدم قدرة الكاتبة على صياغة رواية قوية ذات حبكة ذكية، وأفكار منطقية، وممثلة جيدًا داخل الرواية، وشخصيات واضحة، ولذلك لجأت إلى الخيال المبالغ فيه، والأفكار المتطرفة المقحمة. الاستخفاف واضح في الرواية، ولذلك هي رواية رديئة، أين المجتمع اليهودي؟ أين الصلاة اليهودية؟ أين المفردات العبرية؟ أعتقد أن الكاتبة لم تهتم حتى بالاطلاع على الكتب والمراجع لتتزود ببعض المعلومات التي تدعم رؤيتها. لماذا إذن اسم الرواية «في قلبي أنثى عبرية»، وليس بها كلمة واحدة باللغة العبرية، أو أي إشارة إلى الثقافة اليهودية؟ هو فقط مجرد عنوان للجذب، جذب كل من يبحث عن قصص الحب من جهة، وجذب كل من يريد اكتساب ثقافة ومعلومات عن المجتمع اليهودي من جهة أخرى. لماذا إذن أشتري رواية بهذا العنوان وأبحث عن معلومات قد تفيدني إذا كان مجرد عنوان مزيف جاذب للقراء. أصبحت عناوين الكتب والروايات مجرد شرك مخبأ لاصطياد أموال القراء، ولا تدل على المغزى الحقيقي للرواية. هذه كاتبة لم تحترم عقلي وحاولت تضليلي وإقناعي بقصة تضاهي الأفلام الهندية، قدمتها على أنها قصة حقيقية، فلماذا يتوقع مني أن أحترم هذه الرواية على أية حال؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد