مقدمة

كانت الجدلية the dialectic من أذكى وأهم اسهامات الفيلسوف الألماني جورج هيجل، وقد تكون الفكرة الفلسفية الأهم من كل أفكار وأطروحات الفلاسفة من قبله ومن بعده، وتوضح عبقريته الفذة على جميع من سواه! ذلك أنها وُجدت على أرض الواقع الحياتي منذ القدم، ولكن الفضل ينسب إليه باكتشافها! فما هي جدلية هيجل؟

ما هي الجدلية؟

إن جدلية هيجل هي الآلية أو العملية التي تُستخدم للوصول إلى حقيقةٍ أو نتيجة نهائية تؤدي إلى تغيير وضع ما أو تطويره إلى الأفضل. ويمكن الوصول إلى هذه النتيجة، حسب هيجل، من خلال الصراع بين قوة أو فكرة معينة ناقصة أسماها الطرح thesis، مع ما يناقضها من فكرة أخرى ناقصة وهي الطرح المضاد antithesis، وأثناء الصراع تتضح السلبيات في الطرفين ويتم التخلص منهما وتدمج الإيجابيات لتكون التركيب synthesis وهو النتيجة الأفضل. وهذا التركيب سيكون طرح جديد ناقص وله طرح مضاد ويتصارع هذان الطرحان من جديد وهكذا حتى الوصول إلى الحقيقة المطلقة!

وهذا مثال من الحياة اليومية على جدلية هيجل. لو قررت حكومة ما منع أكل لحوم الحيوانات لأنه استغلال لكائنات أخرى، وأن أكل اللحوم غير صحي ويضر البيئة، وهذا المنع هو الطرح ولكن الفكرة ناقصة، لذبك يتولد الطرح المضاد. فما هو الطرح المضاد antithesis؟ إنه استمرار الناس في أكل اللحوم لأنهم يعتبرون أكلها صحي وضروري، وهذا أيضًا طرح له عيوبه، فيأتي الحل أو التركيب synthesis بجمع محاسن الفكرتين بتقنين أكل اللحوم وشرائه من مصادر تراعي المعاملة الأخلاقية للحيوانات والبيئة. وهذا التركيب أو النتيجة سيكون الطرح الجديد وسيكون له طرح مضاد جديد لجدلية أخرى وهكذا حتى الوصول إلى الفكرة الأفضل.

تطبيقات الجدلية.. عبقرية هيجل!

1- تقسيم فرويد للنفس البشرية

حتى إن تقسيم النفس البشرية بواسطة عالم النفس الشهير ورائد مدرسة التحليل النفسي المعاصر سيغموند فرويد (1856-1939) تطابقت تمامًا مع جدلية هيجل. فقد قسّم فرويد النفس علميًا ونفسيًا إلى الأنا ego والأنا العليا super ego والـ هي id. وحسب جدلية هيجل فإن الأنا العليا والتي تمثل الأخلاق والإيثار والمجتمع والضمير، هي الطرح Thesis، أما الطرح المضاد له antithesis فهو الـ هي id، المهووسة بالملذات والأنانية والتي تطلب دائمًا تلبية الرغبات مهما كانت مرفوضة من قبل الدين والأخلاق والمجتمع. أما التركيب synthesis فهو الذات الدنيا ego وهي العامل «البراغماتي» أي النفعي والعقلاني الذي يتبع مبدأ الواقعية، والتي تحاول إرضاء رغباتها مع الالتزام بقيم المجتمع والدين وتحاول الموازنة بين الأضداد، أي الصراع بين الأنا العليا والـهي!

2- المشكلة.. ردة الفعل ثم الحل

وشكل آخر من أشكل جدلية هيجل لإحداث تغيير عادة ما يكون مطلوبًا لخدمة نخبة السلطة والثروة، هو افتعال مشكلة problem أو أزمة أو استغلال مشكلة قائمة وتكون بمثابة الطرح أي thesis، وبالتأكيد ستثير هذه المشكلة ردة فعل reaction مرعبة للناس، ويكون الذين يريدون التغيير، وغالبًا ما يكون السيطرة على شعوبهم في الداخل وعلى الشعوب الأخرى، قد أعدوا الحل solution المناسب لخدمتهم بشكل جيد. وأفضل مثال على هذا النوع من جدلية هيجل هو هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 التي «فبركها» الموساد الإسرائيلي بالتعاون مع CIA زاعمين مسؤولية تنظيمات إسلامية عنها، وهذه هي المشكلة. أما ردة الفعل المخطط لها فقد حصلت حيث طلب الشعب الأمريكي حمايته من الإرهاب بأي ثمن، خصوصًا وأن الضحايا كانوا من المدنيين.

وجاء الحل المدروس والمُرتب مسبقًا وقيدوا حرية الامريكان بإصدار قانون الوطني Patriot Act والذي بموجبه يحق لرجال الأمن مراقبة أنفاس الأمريكان وتفتيش بيوتهم بحضورهم او غيابهم، ثم خلق المبرر لنهب ثروات الشعوب الأخرى!! وهكذا وضعوا الشعب الأمريكي تحت المراقبة. ثم قاموا باحتلال كل من أفغانستان لتأمين استمرار زراعة المخدرات التي استطاعت «طالبان» وقفها بالكامل، إضافة إلى تأمين مادة «الليثيوم» الهامة لصناعة البطاريات والأجهزة الذكية. كما احتلوا العراق من أجل النفط! وهكذا نجحوا في تطبيق الحل بتقييد حرية شعبهم ونهب ثروات الشعوب الأخرى!

3- جدلية السيد والعبد

وتجلت عبقرية هيجل أيضًا في جدلية السيد والعبد Master/Slave Dialectic وهي من أهم القواعد التي تسير عليها الحياة شئنا أم أبينا. فالغالبية الساحقة من البشر عبيد لأسياد، لا يهنأ هؤلاء الأسياد بعيش حتى يشعروا بسيادتهم على عبيد من أبناء جنسهم من البشر، وربما ترجع هذه الرغبة الجامحة للطغيان لعقد نفسية! فلا يشعر الانسان بوجوده ككيان حر ومستقل وذا سيادة –حسب هيجل ويدعمه الواقع بلا شك– إلا باستعلائه على من هو في منزلته من الوعي والادراك، وليس على من هو أقل منزلة ووعيًا منه، ويسمي هيجل الاستعلاء والمكابرة الاعتراف Recognition، أي اعتراف الشخص الواعي بآخر ذو وعي مثله بانه أعلى منه منزلة وسيادة وحرية! وهذه هي جدلية السيد والعبد. ورغم التطور السياسي الديموقراطي الهائل بعد الثورتين الأمريكية والفرنسية، ومن ثم حاجة «الأسياد» للـ «عبيد» في الإنتاج حيث تعادلت الكفتان بين صاحب المال (السيد) الذي احتاج لصاحب الخبرة في الإنتاج (العبد)، إلا أن السيد رفض هذا التوازن فيما بعد، فاستعان بالشرطة والجيش والاستخبارات لإخضاع «العبيد» كما نرى في كل مكان اليوم، وكما رأينا في ساحة تيانانمن في بكين إلى نيو أورلينز في أمريكا والأمثلة كثيرة!!

أثبتت جدلية هيجل عبقرية هذا الفيلسوف في اكتشافها، بالرغم من سوداوية آلية المشكلة وردة الفعل والحل!

قصر نظر هيجل

أما قصر نظر هيجل فيتمثل في توقعه لمستقبل العالم عن طريق قراءة التاريخ. فقد أكد هيجل أن: «تاريخ العالم ليس إلا تقدم الوعي بالحرية.» واستشهد بحركة الإصلاح البروتستانتي، التي قادها القس الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر، ضد فساد الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا ليو العاشر الذي كان يبيع صكوك الغفران، وتحتكر كنيسته الأناجيل فلا يقرأها العامة، وبعد حركة لوثر الإصلاحية، تحرر المسيحيون وأخذوا يفهمون دينهم دون وسيط! وكذلك استشهد هيجل بالثورتين الأمريكية والفرنسية وظن أن الوعي بالحرية قد قطع مشوارًا طويلًا، وكان ينتظر بثقة نهاية التاريخ عندما تسود الحرية المطلقة absolute freedom القادمة لا محالة كل المجتمعات الإنسانية حيث يستطيع الانسان التعبير عن كل طاقته الكامنة بلا خوف! إلا أن هذا التفاؤل «الهيجلي» ليس في محله، فالعالم اليوم بقيادة نخبة السلطة والمال يتجه بسرعة قياسية نحو الاستبداد وانتهاك حقوق الانسان. فهناك تلاعب على المكشوف بقواعد «الديموقراطية» لتحويل الجمهوريات إلى ملكيات مقنعة، والتضييق على الناس في معيشتهم، والشر القادم هو تطبيق الدارونية الاجتماعية حيث لا حرية بل لا حياة إلا للأغنياء والأقوياء وراثيًا!

وتأكد هيجل أن مسار التاريخ هو مسار العقل، وإن كل ما هو واقعي عقلاني، يعني أن كل ما حدث وسيحدث من قتل وتدمير في العالم هو عقلاني ومنطقي حسب زعم هيجل، ذلك أن له نتائج عقلانية. فهو يرى أن ما حدث من كوارث وقتل إبان الثورة الفرنسية كان عقلانيًا ومنطقيًا، فلولا هذه الكوارث لما حصل التنوير هناك! وحتى التدمير للبنى التحتية والفوقية ومقتل عشرات الملايين في الحربين العالميتين يروق لهيجل، مع أن احدى جهات الحرب أسست لديكتاتورية ستالين ومن بعده! فهل يرى عقل البشر أن القتل والتدمير والتعذيب والسجن من مؤشرات الحرية التي بشرنا بها هيجل (أفندي)؟ ولم يدرك هيجل أنه لو حصلت حرب عالمية نووية –وليست مستبعدة في ظل حكم المختلين عقليًّا– فلا يعود هناك عالم ولا تاريخ ولا عقل! العقل –كما أكد شوبنهاور خصم بل عدو هيجل اللدود– ليس له اليد العليا على تصرفات البشر، بل إن النفس (الأمارة بالسوء) او «الإرادة العمياء المدمرة» كما سمّاها شوبنهاور هي الموجّه الحقيقي في معظم الأحيان للبشر!! فاستقرار العالم يقوم على التوازن النفسي للبشر الذي ربما جهله هيجل!

هيجل صاحب الجدليات لا شك عبقري، ولكن عندما نظّر لمسيرة التاريخ وتفاءل به ربما جانبه الصواب، بل إن الصواب حالف خصمه شوبنهاور الذي قال بأن كل التغيرات في العالم تسير نحو الأسوأ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد