أكثر التناقضات رعبًا من حولنا، تلك التي أصابت ضمائرنا ووعينا، فصدقنا أن للثعلب دينًا، وأن الرويبضة ظاهرة طبيعة فينا، فكل يوم نصدق أكثر أنهم يحبون الخير لغيرهم هو مهدور، يمثل اعتداءًا صارخًا على قدسية (زمن المصالح يا صالح) وتمردًا لا يقبل الرد على نزاهة (أنا ومن ورائي الطوفان).

ظهر الشك فينا.. ولم نعد نثق بحامينا، إلى الحد الذي نشعر أننا منزوعين من الإرادة مسيرين لأفراد يعرفون نقاط ضعفنا أكثر مما نعرف أنفسنا، فتحولت الإدارة إلى سلطة تقضم من تبقى من أنفسنا، فخرجنا من دائرة السلطة التي يعرفها الباحثون بأنها قوة مشروعة قبلها الشعب لإدارة شؤونه، ودخلنا في دائرة الهيمنة.

الهيمنة التي تنشأ من الإدارة بالأزمات، بمعنى اختلاق الأزمة لاستدامة فترات الحكم، الهيمنة التي تعزز إستراتيجية الإلهاء وتشتيت الانتباه، وتشتيت التركيز ليتركز في الأزمات التي تقررها النخب السياسية، وأصحاب المصالح.

قد ينقض أحد القراء ليقول: (ليس إلى هذا الحد!) لا يا سيدي بل لهذا الحد وأكثر، فقد أصبحنا نستحسن الرداءة، ونستسلم للمفردات العاطفية التي تتغلغل إلى اللاوعي لتبقينا على متن الرضا بقلة الحيلة.

ولمقتضيات المصلحة في هذا المقال، وجب توضيح مفهوم الهيمنة كمحرك وفلسفة ذهنية تختلف بين الكائنات، فالهيمنة في عالم الحيوان تتحقق من خلال تسلط أحد الذكور على سواه من أعضاء جماعته، مع امتيازات واضحة في مجالي الطعام والعلاقات لجنسية، فقائد مجموعة الأسود أو الذئاب أو القردة هو عمومًا أقواهم فسيولوجيًا وهو يحتفظ لنفسه بحق الأولويات في التصرف بالغذاء المتوفر، ليس على المستوى الفردي فقط، بل على المستوى الجماعي، وعليه فإن مفهوم الهيمنة في عالم الحيوان هو محرك ذهني محكوم غريزيًا، أما عند الإنسان فالمسألة تتخطى الهاجس البيولوجي وغريزة البقاء باتجاه الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وعليه فإن جوهر الهيمنة عند الإنسان اجتماعي لا بيولوجي، وهو لذلك يتبع جملة من الاستراتيجيات المتناسقة لتمتد إلى السيطرة على مجالات دقيقة لتحقيق مآرب شخصية بعيدًا عن المصلحة العامة.

وتشكل لبنات الهيمنة المؤسسية بمجموعها الهيمنة الكاملة، فقد يمارس القائمون على إدارة هذه المؤسسات أعمالهم بما يخدم مصلحتهم، ويطرحون أنفسهم عمومًا وبشكل مدرك، روحية اصطفائية تنبع من اتكائهم على ما يعتبرونه أسمي الأيديولوجيات الفكرية .

كما يقوم حامل مشروع الهيمنة باعتماد موقف الابتعاد المعنوي الإرادي عن محيطه، فهو لا يأبه باحتياجات وثقافات المجتمع المختلفة، ولا يسعى بالضرورة لترميم النسيج المجتمعي، بل يكتفي بإشعار محيطه أنه مختلف وأفضل وأرقى، ويستحق الولاء من غيره.

وما يزيد الطين بله، هو أن أصحاب مشروع الهيمنة لا يكلفون أنفسهم ولو بشيء من التطوير، والمقارنة المرجعية بغيرهم لعلهم يسحقون السيرة والمسيرة، وفوق ذلك يحللون لأنفسهم ما يحرمون على غيرهم.

كل ما سبق أدى إلى شيوع اللامبالاة السياسية، وضربت بعرض الحائط كل محاولات المؤسسات التربوية في مجال التنشئة السياسية، وأظهرت التناقضات الفكرية بين المصلحة والواجب، وكرست حالة الانفصام الوطني إلى الحد الذي أصبحت فيه مقدرات المجتمع لأصحاب المروع والوطنية للفقراء والمستضعفين.

ومقابل هذا كله نهمش وعينا غالبًا وقناعاتنا بأن غاية كل حياة مدنية هو التوصل إلى الخير العام الذي يتعالى على أصحاب الهوية النفعية (مشروع الهينة)، لكننا فقدنا الهوية الجامعة، وأصبح لكل منا هويته المسيرة لاهتماماته واختصاصاته على حساب الخير العام. وعليه جب الخروج من دائرة التقصير إلى دائرة الإكراه للتقصير، وأن تظهر كل محاولات المقاومة لتفكيك إستراتيجيات الهيمنة.

أعلم جيدًا أن الأمر ليس هينًا، وأنه تأطير الهوية الوطنية لم يعد ظاهرًا، ولكن يكفي أن نورث فكرة أننا مرغمون على التعايش مع أصحاب مشروع الهيمنة، والتصريح لهم بأنهم ليسوا خير ما أنجبت الأمة، وأننا على دراية بنوعية الخيوط التي يحيكون بها الوطنية المتينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد