بعد هذه السنوات العجاف الخداعات على أمتنا الإسلامية وعلى شعبنا الثائر في سوريا، كان من المهم أن نعود إلى الوراء قليلا أن نعانق بعضًا من الذكريات رغم لوعة الألم والشجن رغم خيبة الظن والأمل في الكثيرين ممن ظننا أنهم العماد والسند، في زحام الركام وفوضى المتخاذلين والخونة نعود لكي نستجمع بعض الصور المشرقة ونستذكر بعض الذين احتضنوا الثورة السورية بكل الحب والقوة، ودافعوا عنها بالكفاح والسلاح صادقين ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلًا .

عبد القادر الصالح أو كما يحلوا للسوريين تلقيبه بحجي مارع وليد مدينة مارع شمال حلب الرجل الذي احتضن الثورة السلمية في سوريا منذ بدايتها فكان ثوريًّا وقائدًا وملهمًا وهاتفًا بإسقاط النظام الذي أخذ من سوريا الوطن حريتها وكرامتها ومن شبابها أرواحهم الطاهرة الزكية، حجي مارع لم يكن من أصحاب الشهادات والدراسات العليا ولا من محترفي الشعارات والخطابات ولا من أمراء الحروب ولكنه كان مثالًا للصدق والنقاء والبذل والعطاء.

 

 

عبد القادر الصالح هو الصورة المشرقة لسوريا والحقيقة الناصعة للشعب السوري ففي كل الخرجات الإعلامية التي ظهر فيها حجي مارع لم تكن الابتسامة لتفارق محياه، سعى إلى توحيد الكلمة والصف ولم شمل جميع الفصائل المعارضة وكان محل اتفاق وثقة الجميع وكثيرًا ما استطاع حل المشاكل والخلافات التي تقاتل ضد النظام السوري، لقد كان محبوبًا من الجميع، ولهذا كان يمثل خطرًا يجب القضاء عليه فرصد له النظام 200 ألف دولار لمن يعتقله أو يقتله وتعرض للعديد من محاولات الاغتيال.

لم يكن الشهيد حجي مارع من أصحاب المشاريع الخاصة والمتاجرين بالثورة ولكنه كان يؤمن إيمانًا جازمًا أنها ثورة من أجل الحرية وحق السوريين في العدالة الاجتماعية والعيش الكريم ورغم ميوله الإسلامية إلا أنه يرى أن الشعب السوري هو الوحيد الذي يقرر نظام حكمه وطريقة عيشه “أنا رجل بسيط وهذا واقع لا تواضع، كنت قبل الثورة أعمل في التجارة ولدي دخل جيد، ولكنني كنت أرى أن راحة الناس لا تتوفر سوى لمن يملك المال، وأن القهر والظلم يشمل الجميع فلم نتمتع يوما بحرية التعبير والرأي أو حتى ممارسة الشعائر الدينية بارتياح، صحيح أني أتمنى أن تكون سوريا دولة إسلامية ولكن هذا الأمر لن يفرض أبدًا بقوة السلاح”.

أدرك الشهيد عبد القادر الصالح منذ الشهور الأولى للثورة أنها ثورة يتيمة ولا تحظى بدعم دولي ولا إقليمي فكان كثير التركيز على الاعتماد على الذات والتوكل على الله وحده في نصرة القضية، كما أن الشهيد عرف بحنكته العسكرية وحكمته في القيادة فتولى القيادة العسكرية للواء التوحيد وحقق معه العديد من الانتصارات في حلب وريفها، كما أن اللواء شارك في أغلب المعارك التي كانت تدور رحاها في المناطق المحاذية لمدينة حلب، وكان أيضًا من أوائل الفصائل التي شاركت في معركة القصير لهذا كانت جميع المعارك في سوريا تعني الشهيد عبد القادر الصالح ولواء التوحيد.

وحول ملابسات استشهاده يروي صديق طفولة حجي مارع الدكتور عصام ناصر أن إصابته كانت في مدرسة المشاة وتم كشف موقعه رحمه الله عن طريق أحد الجواسيس الإعلاميين الذين كانوا يرافقون قيادات لواء التوحيد لتغطية نشاطاتهم، وقد سبق أن استهدف الشهيد حجي مارع بذات الطريقة في لقاء إعلامي مع طاقم قناة سكاي نيوز عربي ونجا منها، ولكن المحاولة الأخيرة أدت إلى إصابته بجروح بالغة أدت إلى استشهاده في مستشفى غازي عنتاب بتركيا، الشهيد عبد القادر صالح قدم روحه فداءً لعيون هذا الشعب وكرمًا لهذا الوطن وكان يعرف أنه في درب الشهادة يمضي حتى أنه في آخر زيارة له لبيته العائلي حفر قبره بنفسه وأوصى بدفنه فيه.

إنني إذ أكتب هذه السطور فإنني أقف بجلال وفخر أمام روح هذا الشهيد البطل الذي دخل التاريخ من بابه الواسع وسطر له في نظال وكفاح الشعوب صفحات ناصعة، الشهيد حجي مارع رجل وفارس في زمن قل فيه الرجال، استطاع أن يكون نجمًا مضيئًا في كبد ليل دامس يغشى الأمة، الصالح عبد القادر صالح من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد