تحدثنا في الحلقة السابقة عن محاولة الأستاذ محمد حسنين هيكل في أن يشكك في قدرة دوائر الحكم الملكي المصرى  في صناعة القرار السياسى السليم، وخاصة في مسألة حياد مصر في الحرب العالمية الثانية  متهما إياها بالتردد والاضطراب، وغاية هيكل من هذا الاتهام هو الطعن في الحياة السياسية المصرية  قبل مجيء ضباط يوليو عام 1952م.

وفى حلقة اليوم يواصل هيكل الطعن في الحياة السياسية المصرية،  بل يخوض في دواخل الحياة الاجتماعية والشخصية لعدد من رجال الشان العام الملكي المصري.

رؤية هيكل للحياة الشخصية لرجال العصر الملكي المصري تنم عن سلوك غير سليم سارعلى دربه الصحفي محمد حسنين هيكل، ونستشف  منه  كثير من اللعنات في حق رجال ذلك العصر، مما يدفعنا للوقوف كثيرا للتأمل في تلك الإهانات.

يقول هيكل :

فى هذه الأجواء بقيت الأمور في مصر هادئة طوال السنة الأولى من الحرب العالمية ـ إلى درجة أن القائد العام للقوات البريطانية، وهو الجنرال (الماريشال) “أرشيبالد ويفل” ـ كان يخرج من بيته وسط حدائق الزهرية في الزمالك بملابس مدنية كل صباح، ويتمشى إلى نادى الجزيرة قاصدا حمام السباحة فيه (الليدو)، ويعوم نصف ساعة ثم يعود فيدخل غرفة الملابس حيث يكون الجاويش المكلف بخدمته الشخصية قد أعد له بذلته العسكرية فيرتديها، ويتجه إلى مائدة على حافة حمام السباحة يتناول إفطاره فى نظام لا ينقطع، إلا إذا نزل الوحى عليه وكتب شعرا.

[وكان الماريشال ـ الذى فقد إحدى عينيه فى الحرب العالمية الأولى، واستعاض عنها ببديل من زجاج ـ شاعرا، وكان أيضا عاشقا، وقد كتب نصف ديوان من الشعر على شكل رسائل غرام لزوجة وزير مصري له شأن فى ذلك الوقت. وكانت السيدة جميلة بالفعل، ومع أن في مجموعة أوراقي نصوص قصيدتين مما كتب الماريشال، فلست واثقا أن السيدة المذكورة بادلته غرامه، والظن أنها تظاهرت بقبول قصائده باعتبار ذلك نوعا من “الواجب الوطني” فى زمن الحرب].

وبرغم أن الحكومة البريطانية تقبلت المعاندة التى لقيتها من السلطات فى مصر (القصر والحكومة) ـ وفيها “تجنيب مصر ويلات الحرب” وأنها “حرب لا ناقة لمصر فيها ولا جمل” ـ بهدوء أعصاب، فإن أجهزة الإمبراطورية، وفيها الأمن والمخابرات العسكرية، كانت تشك فى بعض رجال القصر، وكذلك في عدد من الوزراء، لكن مثل هذا الشك لزم الحذر، حتى لا يثير أزمات لا داعى لها.

وفي ذلك الوقت، فإن الشك حاول أن يتحفظ، وأن يعبر بهدوء عن هواجسه، ومن ذلك مثلا أن السفارة البريطانية طلبت إخراج “فيروتشى” بك، وهو إيطالى كان يعمل مديرا لـ “الجاراچات الملكية” على عهد الملك “فؤاد”، ثم جاء الملك “فاروق” وعينه كبيرا لمهندسي القصر، وأبدى السير “مايلزلامبسون” السفير البريطاني، ملاحظة عنه في إحدى مقابلاته مع الملك قائلا: “إن فيروتشى ليس فقط مهندسا فاشلا، وإيطاليا مشكوكا فى ولائه، بل إنه رجل سيئ الخلق، إلى درجة أن اختصاصه الحقيقي في القصر، كان “متعهد تقديم إيطاليات جميلات يبعن الهوى بثمن وليس أكثر”. وسأله الملك فاروق: “لمن كان يقدم جميلاته”؟ ـ وابتسم السفير البريطانى ابتسامة لها معنى وسأل الملك: “هل تريدنى أن أقول بصراحة؟” من جانبي أفضل أن لا أقول”! ـ لكن “فاروق” لم يسكت، وإنما أضاف: “تقصد أن تقول إنه كان يقدم بغايا إيطاليات لوالدي ـ أليس كذلك؟” وأضاف الملك بهدوء أعصاب ـ أو كذلك بدا: “إن هذا غير صحيح و”سعادتك” تعرف كيف تنتشر الشائعات!”

وفى دفتر يومياته يسجل السير “مايلزلامبسون” أنه بعد هذا الحوار، طلب كبير الأمناء في البلاط المصري “سعيد ذو الفقار” (باشا) مقابلته ليبلغه “أن الملك يشعر بإهانة من الطريقة التى تحدث بها السفير بالأمس و”بالتصريح” عن “فيروتشى” (بك)، و”بالتلميح” عن الملك “فؤاد”، وكان رد السير “مايلزلامبسون” على كبير الأمناء، نصيحة منه إلى “فاروق” بأن يكبر على هذا المستوى من “لعب العيال”!

التعليق

بداية  إننى في غاية الاندهاش والتعجب؛ بأن يكتب مثل هذه الكلمات كاتب كبير بحجم الأستاذ هيكل! فلما قرأتها أول مرة لم أستطع أن أصدق أن هذا الكلام يصدر عن هيكل، ففي كل كلمة من هذه الكلمات تختفي نوايا ومقاصد سيئة، بل تظهر بوضوح بين الأسطر علامات التشفي والشماتة تجاه أشخاص الحقبة الملكية وواقعها.

إن حديث هيكل هذا يثير فينا مشاعر الاستهجان والاستنكار، ليس فقط بسبب عباراته المشينة، ولكن أيضا بسبب الكذب البواح، والاستخفاف بعقول القراء، علاوة على تزييفه لحقائق التاريخ الذى يعد الهدف الأسمى لكتاباته.

ولاجل إزالة الستار عن حقيقة مقاصد ونوايا الأستاذ هيكل تجاه السلوك السياسي والاجتماعي للملكية المصرية، فيجب علينا أن نقوم بالتحليل المنطقي لحديثه في هذه الفقرة تحليلا كاشفا.

أولا: يوضح الأستاذ هيكل في بداية هذه الفقرة أجواء الهدوء الذي كان يحيط بمصر أثناء العام الأول من الحرب العالمية الثانية، واستدل الأستاذ هيكل على هذا الهدوء بالتصرفات الطبيعية للقائد العام للقوات البريطانية في مصر الجنرال (ويفل)، وحرصه على ممارسة طقوسه اليومية بانتظام تام، لكن الحقيقة غير ذلك؛ فمنذ اندلاع أحداث الحرب العالمية الثانية، والقلق انتاب السياسيين المصريين والعسكريين الإنجليز على السواء؛ لأسباب كثيرة أهمها حالة الحرب التي أصابت المجتمع الدولي وتداعياتها على كل دول العالم، وخاصة الغارات المعادية على الأراضى المصرية وكيفية مواجهتها.

أما بالنسبة للتصرفات الهادئة والمعتادة لقائد القوات البريطانية الجنرال (ويفل) فهي تصرفات عادية جدا يمتاز بها كل الأوروبيين ومواطني الدول المتقدمة، سواء كانت دولهم في حالة حرب أم في أجواء السلم، لكن الأستاذ هيكل بتفسيره هذا أراد به أن يمهد لفكرته الأساسية، وهو انقلاب الهدوء البريطاني إلى الانفعال العنيف في بدايات عام 1942م، والقيام بارتكاب حادث 4 فبراير1942م. بسبب  التهديد المباشر للأراضي المصرية من قبل دول المحور من جهة الغرب.

ثانيا: يزعم الأستاذ هيكل أن الجنرال (ويفل) القائد العام للقوات البريطانية، ذا التاريخ العسكري، والمصاب في إحدى عينيه؛ من جراء معاركه الحربية، أثناء اشتراكه في الحرب العالمية الأولى، أن له علاقة حميمية مع زوجة أحد الوزراء المصريين، لدرجة استغراقه في كتابة قصائد العشق والهوى لها، ولكن الأستاذ هيكل، لم يسم تلك الزوجة، ولم يعينها تعيينا واضحا، ولا أدري السبب، قد يكون السبب في نظر الأستاذ هيكل هو الخوف على سمعتها اليوم أمام أحفادها إذا كانت على قيد الحياة، أو قد يكون السبب في نظر الأستاذ هيكل أيضا هو خجله من الخوض في أعراض الآخرين، ويكتفي فقط بالإشارة، بدون شرارة.

غير أن المرجح هو  أن الأستاذ هيكل يهدف بهذا الكلام إلى الطعن في أخلاق وسلوك النخبة الحاكمة المصرية، وإيصال رسالة توضح تدني السلوك غير السوي لطبقة الوزراء في عهد الملكية، ولكن بغير دليل يقيني، أو حتى أمارة ظنية. أو حتى سند ضعيف. فأين السند في أقوال هيكل هذه؟ أشاهد هو تلك العلاقة بنفسه أم أن أحد الأشخاص روى له تلك القصة؟ حتى أبيات الشعر التى يحتفظ بها هيكل، والتى يزعم أنها من قرض الجنرال (ويفل) لملهمته زوجة الوزير المصري، لماذا لم يعرضها في كتاباته هذه؟ وأهي أبيات باللغة الإنجليزية أم باللغة العربية، إذا كانت موجودة لديه حقا؟ وإنى لعلى يقين أن هذه القصة بكاملها من خيال هيكل؛ والهدف منها ـ كما قلنا ـ هو الإساءة لمجتمع ما قبل عام 1952م، واتهامه بالعمالة والعلاقة غير الشريفة بالإنجليز، بدليل مقولته في قصته المصطنعة: “( فلست واثقا أن السيدة المذكورة بادلته غرامه، والظن أنها تظاهرت بقبول قصائده باعتبار ذلك نوعا من الواجب الوطنى في زمن الحرب)”!

ونلاحظ هنا أن الأستاذ هيكل لم يكتف بإهانة العصر الملكي في هذه الفقرة فقط، بل إنه يريد إسقاط  تلك القصة على عصر آخر من عصور الخصام مع هيكل، وهو عصرالرئيس السادات في علاقته مع إسرائيل، بعد اتفاقية كامب ديفيد وتلميحه على القائد الإسرائيلي موشي ديان.

ثالثا: ينسج هيكل قصة أخرى غاية في السذاجة من حيث الشكل والمضمون وذات هدف غاية في الخبث، وهي قصة إبعاد وعزل المهندس الإيطالي فيروتشي مدير صيانة القصور الملكية من وظيفته في القصر الملكى بناء على رغبة الإنجليز،  بتهمة الشك في التجسس لصالح دول المحور. والغريب أن التبريرات التى ادعى بها هيكل على لسان السفير البريطاني لامبسون لا تدخل في عقل طفل، فهل يعقل أن سفير دولة، حتى ولو كانت عظمى يتحدث مع ملك بهذه الطريقة الفجة؟ وأين البروتوكولات والمعاملات الرسمية؟  فالمعروف أن الدول الكبرى، وخاصة ذات الحكم الملكي الدستوري تتمسك بالرسميات، وبالذات مع الملوك، حتى في المناسبات العادية. وبمقارنة هذا الكلام بالبرقيات التي كان يرسلها السفير البريطاني لامبسون لحكومته نلاحظ أنه عندما كان يتحدث عن الملك فاروق فإنه ينعته دائما بلفظ صاحب الجلالة أو جلالة الملك فاروق. أما أن يتحدث باسم الملك مجردا من صفته الملكية فهذا قول مصطنع.

ولم يكتف هيكل في قصته الخيالية من الادعاء بخرق السفير البريطاني  للتقاليد الدبلوماسية في طريقة حديثه مع الملك فاروق، ولكنه زعم أيضا بتعمد ذلك السفير بالخروج عن الأخلاق والآداب في التعاملات الدولية، واتهامه للملك فؤاد الأول والد الملك فاروق بممارسة الفاحشة والفجورعن طريق الإيطالي فيروتشى الذي كان يجلب له النسوة والفتيات. وذلك بقصد إهانه الملك فاروق والحط من أخلاقيات رجال العصر الملكي.

زعم هيكل بقصة خروج السفير البريطاني لامبسون عن الآداب في المعاملات الدبلوماسية تتنافى مع الأخلاق القويمة، التي يقدسها الإنجليز أنفسهم، وبخاصة من نشأوا كالسير مايلزلامبسون في عهد الملكة فيكتوريا الذي عرف بشدة الصلابة في التمسك بتلك الأخلاق.

والغريب من قصة هيكل هذه أنه استند في نهاية فقراتها على يوميات السفير البريطاني في معنى نصوصها، وليس بذكر نصوصها حرفيا فيقول:

” (وفى دفتر يومياته يسجل السير “مايلزلامبسون” أنه بعد هذا الحوار، طلب كبير الأمناء في البلاط المصري “سعيد ذو الفقار” (باشا) مقابلته ليبلغه “أن الملك يشعر بإهانة من الطريقة التى تحدث بها السفير بالأمس و”بالتصريح” عن “فيروتشى” (بك)، و”بالتلميح” عن الملك “فؤاد”، وكان رد السير “مايلزلامبسون” على كبير الأمناء، نصيحة منه إلى “فاروق” بأن يكبر على هذا المستوى من “لعب العيال”! ) ” ففى هذه  الفقرة فقط من قصة هيكل المزعومة يتضح أن الأستاذ هيكل استند إلى معنى نص مذكرات السفير البريطاني لامبسون، ولم يستند إلى النص  الحرفي لتلك المذكرات، مما يدل بيقين على أن هذه القصة وغيرها من القصص حول العهد الملكى من اصطناع خيال هيكل.

وللحديث بقية إن شاء الله ..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد