تحدث الأستاذ محمد حسنين هيكل في الحلقة السابقة، عن تفسيره لردود أفعال دوائر الحكم في مصر وعموم الشعب تجاه اندلاع أحداث الحرب العالمية الثانية، وقد قمنا من جانبنا بالرد على تلك التفسيرات التي رأينا أنها تجافي الحقائق وتحابي اللا منطق.

ويستكمل الأستاذ هيكل في حلقة اليوم، ردود أفعال مصر حيال أحداث الحرب العالمية الثانية من حيث وجوب الانخراط في غمارها أو عدم التورط في حبائلها.

تفسيرات الأستاذ هيكل لمشكلة اشتراك مصر أو عدم اشتراكها في الحرب العالمية الثانية، ليست بتفسيرات حقيقية وبعيدة عن الواقع، لذلك يجب علينا الرد عليها تفصيلًا.

يقول هيكل:

«وحتى بعد نشوب الحرب وسقوط باريس، كانت مصر تحاذر التورط قدر ما هو ممكن، وتبدى استعدادها لتطبيق معاهدة سنة 1936 بالنص، وإن لم يكن بالروح، وكانت فتوى قانونية من فقيه مصر الكبير «عبد الحميد بدوي» (باشا) قد ذهبت إلى أن نصوص معاهدة سنة 1936 ـ لا تنطبق على حرب تنشب في أوربا (وهذا هو الحال عندما كانت ألمانيا وحدها أمام الحلفاء)، وإنما تنطبق على حرب يكون فيها ما يهدد الأراضي المصرية، (وذلك ينطبق على إيطاليا إذا قررت دخولها).

وكان رأى «بدوي» (باشا) أن مصر في حالة حرب أوربية تشارك فيها بريطانيا ـ غير مطالبة بأكثر من إعلان حالة الطوارئ، وبالفعل فإن السلطة البريطانية أخذت ما هو مقرر لها من مزايا حالة الطوارئ، بما في ذلك فرض الرقابة على كل كلمة مكتوبة أو مطبوعة أو منطوقة ـ في مصر.

(وبمقتضى ذلك تشكلت هيئة رقابة إنجليزية يرأسها وزير الداخلية المصري بالاسم، في حين أن تكوينها لا يدع مجالًا لشك عن موضع الأمر فيها:

  • الليوتنات كولونيل و. ويلسون مساعدًا للرقيب العام.
  • المستر جـ. هـ. دولامار رقيبًا عامًا على البريد.
  • المستر ر. ب. فيرنس رقيبًا عامًا على المطبوعات.

إلى جانب ذلك تشكلت مكاتب فرعية للرقابة في الموانئ والمطارات المصرية:

  •  في القاهرة ـ المستر س. جولدنج.
  • في الإسكندرية ـ المستر ج. ف. موس.
  • في بورسعيد ـ المستر ج. ث. ماكجوبين.
  • في السويس ـ المستر ف. شفرويت.

وبصرف النظر عن إعلان حالة الطوارئ وما يترتب عليها، فإن الملك «فاروق» ظل مترددًا بسند وتشجيع من رجال أحاطوا بالقصر وقتها، وأولهم «علي ماهر» (باشا) الذي كان رئيسًا للوزراء عندما قامت الحرب.

وضمن هذا التردد الملكي فإن وزارة «علي ماهر» (باشا) أعلنت ما سُمي وقتها، سياسة «تجنيب مصر ويلات الحرب»، ومؤدى هذه السياسة أن مصر تنفذ المطلوب منها بنصوص معاهدة سنة 1936 (وذلك تحقق بإعلان حالة الطوارئ) ـ لكنها تحتفظ لنفسها بمسافة من ميادين القتال.

وكان الشيخ «محمد مصطفى المراغي» (شيخ الأزهر) قد عزز ذلك بشعار أطلقه يقول بأن ذلك الصراع في أوربا «حرب لا ناقة لمصر فيها ولا جمل».

ومع أن تلك بدت تعبيرات عن سياسة «تعاند الإنجليز» ولا تعارضهم، فإن لندن سكتت عليها؛ لأن هذه السياسة ساعتها كانت أكثر تحقيقـًا لمصالحها، فهي تتيح استعمال مرافق مصر لصالح المجهود الحربي (وفق معاهدة سنة 1936). وفي نفس الوقت فإن عدم المشاركة في ميادين القتال بمنطق «تجنيب مصر ويلات الحرب»، يفرض على الطليان والألمان نوعًا من الحذر في نشاطهم الحربي ضد الأراضي المصرية حتى لا تتحول المشاعر والمواقف من نصف تبعية إلى تبعية بالكامل للإستراتيجية البريطانية!»

التعليق:

أولًا: نلاحظ أن الأستاذ محمد حسنين هيكل يحاول في هذه الفقرة أن يشكك في كيفية صناعة القرار السياسي الصحيح في مصر قبل 1952. وذلك بإظهار اضطراب دوائر صناعة القرار والتردد في اتخاذ القرار السياسي الصالح لمصر؛ حيث يكرر مقولة «التردد الملكي»، ولم يكتف الأستاذ هيكل في التشكيك في أعمال دوائر الحكم بل أيضًا يشكك في الفتاوى القانونية المؤيدة للرؤية التي تحمي وتقي مصر من الأخطار؛ فيقول أن فتوى بدوي باشا كانت تصلح فقط  في حالة اندلاع حرب بعيدة عن الأراضي المصرية، والهدف من تفسيرات هيكل هذه هو التقليل من إنجازات ما قبل 1952، فمن المعروف أن قرار حياد مصر وعدم وقوعها بين رحى الحرب العالمية الثانية لهو إنجاز كبير يحسب لدوائر الحكم في مصر وعلى رأسها الملك فاروق.

ولأجل التأكيد على حسنِ تصرف الملك فاروق في مسألة إنقاذ مصر من الانخراط في جحيم الحرب العالمية الثانية، فجدير بنا أن نعرض بالتفصيل ما ذكره الأستاذ حسن يوسف رئيس الديوان الملكي بالإنابة، في مذكراته والخاص بهذا الموضوع والذي حققه الدكتور محمد الجوادي  وأورده  في كتابه (في كواليس الملكية) وأيضًا في كتابه  (علي ماهر باشا)، وقد اخترنا هذا المصدر منفردَا (مذكرات حسن يوسف)، لأن الأستاذ هيكل أشاد من قبل بهذه المذكرات واعترف بصحة ما جاء بها واعتبرها من مصادره الرئيسية في كتاباته عن الملكية المصرية، وأنها متفقة مع أفكاره وأطروحاته، ولكن الحقيقة أن مذكرات الأستاذ حسن يوسف تناقض كثيرًا من رؤى هيكل، بل إنها خالية تمامًا من بعض الأحداث والرؤى التي نسبها هيكل إلى الأستاذ حسن يوسف، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ حسن يوسف:

«عرفت كما عرف الجميع، أن علي ماهر هو الذي رفع شعار تجنيب مصر ويلات الحرب، وظل هذا الانطباع قائمًا عندي إلى أن التحقت بالقصر في يونيو 1942، وكانت الحرب لا تزال مستمرة فكنت أسمع الملك فاروق يتحدث كثيرًا عن أنه هو من جنب مصر ويلات الحرب، وجاءت أحاديثي مع رئيس الديوان (أحمد حسنين) ووكيله (عبد الوهاب طلعت) وأطلعاني على الوثائق والبرقيات المحفوظة بالديوان مؤيدة لهذا المعنى، ثم أتيحت لي بعد ذلك فرصة الاطلاع على الوثائق البريطانية التي حصلت على صورة منها لمركز الوثائق والبحوث التاريخية بمؤسسة الأهرام، وبذلك تكاملت الصورة لدي فيما أقدمه، تسجيلًا للحقيقة وللتاريخ.

ولم يكد يمضي أسبوع على تشكيل الوزارة الجديدة (أي وزارة علي ماهر)، حتى بعث القائم بأعمال السفارة البريطانية بمذكرة إلى رئيس الحكومة يطلب فيها ممارسة الحق في تعزيز القوات البريطانية المتمركزة بمصر، وأن تضع مصر تحت تصرفهم جميع التسهيلات والمساعدات الواردة بالمادة  (7) من المعاهدة (معاهدة 1936).

وفي أول سبتمبر وقبل أن تعلن إنجلترا نفسها قيام حالة الحرب بينها وبين ألمانيا، بادر علي ماهر إلى إعلان الأحكام العرفية وإنشاء مصلحة للرقابة العامة ومراقبة النشر، وكانت الرقابة مشتركة بين مصر وبريطانيا وقسمت البلاد إلى أربع مناطق عسكرية وتحركت فرق الجيش المصري إلى مواقعها.

وفي 3سبتمبر 1939، قطعت مصر علاقاتها الدبلوماسية مع ألمانيا، وتم القبض على الرعايا الألمان، ووضعت أملاكهم تحت الحراسة وأغلقت قناة السويس في وجه السفن المعادية. وبالرغم من كل تلك الإجراءات فإن السفير البريطاني طالب مصر بضرورة إعلان الحرب وقال: إن فكرة الموقف الوسط بين الحرب والحياد ليست إلا فكرة وهمية، وإن موقف الحياد يخلق صعوبات في مواجهة أعمال التخريب والجاسوسية. ثم أشار إلى أن مصر تقوم بدور رائد في العالم العربي وعليها أن تكون قدوة للعراق وغيرها.

وكانت وجهة نظر علي باشا التريث كسبًا للوقت ومسايرة للرأي العام، وإلى أن يعود الرعايا المصريون الذين كانوا في ألمانيا وقت قيام الحرب، وإلى أن يتم التجاء السفن التجارية المصرية التي كانت في عرض البحر إلى مراسي آمنة، وكذلك أشار رئيس الوزراء إلى ضرورة نقل لواء من قوات فلسطين إلى مصر، كما طالب بتزويد الجيش المصري بالمدافع الحديثة وتسليح الجيش المصري المرابط (وعدده نحو عشرة آلاف) بالبنادق.

تكررت زيارة السفير البريطاني لرئاسة مجلس الوزراء يوم 6 و7 سبتمبر 1939، وأمام هذا الضغط المتواصل وافق مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة بالإسكندرية مساء 7سبتمبر على إعلان حالة الحرب ضد ألمانيا، وإنما علق موافقته على خطاب يبعث به السفير البريطاني إلى ماهر يقول فيه: «إن إجراءات إعلان الأحكام العرفية في مصر، وقطع العلاقات مع ألمانيا لم تكن كافية لمواجهة التدابير الأزمة للمحافظة على أمن البلاد وسلامة القوات البريطانية وأن المطلوب هو إعلان قيام حالة الحرب».

وفي اليوم نفسه، أوفد علي ماهر الأستاذ محمد كامل سليم سكرتير عام مجلس الوزراء لإبلاغ هذا القرار إلى السفير البريطاني، وليوضح له أن الخطاب المشار إليه يغني عن دعوة البرلمان إلى الانعقاد، إذ أنه في هذه الحالة يعتبر تنفيذًا للمعاهدة التي سبق أن أقرها البرلمان.

عرض السفير البريطاني الأمر على حكومته التي وافقت على توجيه الخطاب المشار إليه، وسارع السفير إلى مقابلة علي ماهر وشد ما كانت مفاجآته بأن الموقف قد تغير، ذلك أن علي ماهر تلقى برقية من سفير مصر في لندن  حسن نشأت (بتاريخ 7 سبتمبر) بأنه قابل مستر بتلر الوكيل الدائم بوزارة الخارجية وأوضح له المزايا التي تترتب على وقوف مصر على الحياد، إذ أن ذلك من شانه أن يسهل ورود السلاح والعتاد من أمريكا إلى الحلفاء عن طريق مصر، وقال نشأت باشا: إن مستر بتلر أبدى ارتياحه لهذه الفكرة، ووعد بعرضها على لورد هاليفاكس وزير الخارجية.

ويؤثر حسن يوسف النقل من مذكرات السفير البريطاني وبرقياته ومراسلاته وهي التي تبين بوضوح، عن أن علي ماهر بدأ التراجع عما كان وافق عليه من دخول مصر الحرب، ولندع السفير البريطاني يسجل لقاءه هذا مع علي ماهر إذ يقول في برقية رقمها 562 بتاريخ 8 سبتمبر 1939: «سلمت مذكرة إلى رئيس الوزراء في الساعة العاشرة من هذا المساء، وقد وافق على أنها متفقة تمامًا مع العبارات التي اقترحها هو في الليلة الماضية، ولم يلبث أن سلمني صورة برقية تسلمها لتوه من سفير مصر في لندن بتاريخ 7 سبتمبر بخصوص مقابلته مع مستر بتلر في وزارة الخارجية في 6 سبتمبر مع توجيه الانتباه إلى الجملة الآتية:

«اقترحت عليه شراء العتاد العسكري من الولايات المتحدة بوساطة مصر، إذ يتيسر لها القيام بهذا العمل لكونها دولة غير محاربة، وقد سر مستر بتلر باقتراحي وسوف يعرضه على مستر هاليفاكس».

ويستطرد السفير فيقول: «وقد لاحظ رئيس الوزراء أن هذا الأمر قد غير الأمور، وأن من رأي زملائه أن هذا الوضع يؤثر أساسًا على القرار الذي اتخذوه بالأمس، وأن الملك فاروق قد بعث إليه برسالة عاجلة في نفس المعنى، وقد علقت على هذا بقولي: «إنني آمل ألا ينزلق جلالة الملك إلى عمل قد لا يحمد عقباه».

وفي اليوم التالي، عندما قدم علي ماهر مذكرة من عبد الحميد بدوي باشا رئيس لجنة قضايا الحكومة مؤيدة لرأي الحكومة في التريث وعرض الأمر على البرلمان، قال ماهر باشا للسفير: «إن الملك فاروق حضر إعداد هذه المذكرة، وأضاف أن مذكرة بدوي تفرق بين الحرب الهجومية والحرب الدفاعية.»

قال السفير في برقية بتاريخ 8 سبتمبر: «أما فيما يختص بدولة رئيس الوزراء، فقد قلت إني في حيرة تامة، كيف أفسر للحكومة البريطانية  فشله في الوفاء بما عاهدني عليه كتابة وشفاهة؟ فتعليماتكم الأخيرة نسخت بوضوح كل ما سبقها، وقد يكون  سفير مصر أساء فهم الحديث مع مستر بتلر، وعلى أية حال فقد تمت المقابلة بينهما منذ يومين وأصبحت غير ذات موضوع.»

ولم تشأ الحكومة البريطانية أن  ترد على مذكرة بدوي باشا أو أن تدخل في مناقشة حول الحرب الهجومية والحرب الدفاعية. وقد أبرق لورد هياليفاكس  في 13 سبتمبر إلى سفيره في مصر ينصحه بذلك، وبأن يوقف الضغط على الحكومة المصرية لأن إعلان قيام الحرب يتطلب موافقة البرلمان، ولأن الفرصة التي أتاحها قرار مجلس الوزراء الصادر في 7 سبتمبر قد ضاعت».

ثانيًا: ادعى الأستاذ هيكل أنه عقب إعلان مصر للأحكام العرفية ، أنشأت بريطانيا  هيئة رقابة إنجليزية  يرأسها وزير مصري صوريًا، لكن الحقيقة أن الحكومة المصرية هي التي أقدمت على إنشاء مصلحة الرقابة، وكانت تشكيلًا مشتركـًا من مصريين وإنجليز بحكم المادة 7 من معاهدة 1936، ولكن عندما استفحلت الحرب العالمية الثانية، لم تستطع مصلحة الرقابة المصرية  أن تفي بأعمالها بسبب تداعيات الحرب، مما اضطرت حكومة مصر إلى التوسع في اختصاصاتها، ولم تجد من المصريين ليشغل تلك الأعمال، فتم اللجوء إلى الإنجليز الذين أصبح لهم النصيب الأكبر من المناصب الرقابية فيها، وهدف الأستاذ هيكل من هذا الزعم، هو التحقير من الأعمال المصرية، والتنبيه إلى خضوع الإدارة المصرية الذليل للإنجليز، وذلك لأجل الطعن في الحياة السياسية قبل 1952 وتبرير قيام حركة 23 يوليو 1952.

وقد عرض الأستاذ حسن يوسف رئيس الديوان الملكي بالإنابة في مذكراته، التشكيل الحقيقي لمصلحة الرقابة وأعمالها حيث يقول: «كانت مصلحة الرقابة تضم ثلاثة أقسام، قسم مراقبة النشر، وقسم مراقبة البريد، وقسم مراقبة المواصلات السلكية واللاسلكية، وقد صدر بتنظيم هذه المصلحة الأمر العسكري رقم 2 في 3 سبتمبر 1939، بعد إعلان الأحكام العرفية مع تعيين رقيب عام وتشكيل لجنة استشارية لمعاونته، وكانت المصلحة مشكلة تشكيلًا مشتركًا من مصريين وإنجليز بحكم المادة 7 من معاهدة 1936، وعلى رأس مصلحة الرقابة حسن فهمي رفعت باشا الرقيب العام ووكيل وزارة الداخلية، وكان وكيل الرقيب الأول هو الكولونيل ماكين الضابط بالجيش البريطاني، وكان أول مدير لمراقبة النشر الدكتور محمود عزمي ثم أنا (أي حسن يوسف قبل التحاقه للعمل بالديوان الملكي)، وكان وكيل مراقبة النشر هو البروفسور فيرنس أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، وقد توسع الإنجليز في الرقابة فكان لهم فيها نصيب الأسد».

وللحديث بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- محمد حسنين هيكل - مجلة وجهات نظر – مقالات شهر مايو 2002 .
2- محمد حسنين هيكل – كتاب سقوط الملكية – طبعة دار الشروق 2003 - ص 20و21.
3- حسن يوسف – القصر ودوره في السياسة المصرية 1922- 1952 – مذكرات حسن يوسف – مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام 1982.
4- دكتور محمد الجوادي – (في كوليس الملكية) مذكرات رجال الحاشية – الطبعة الأولى– الهيئة المصرية العامة للكتاب 2006.
5- دكتور محمد الجوادي – علي ماهر باشا ونهاية الليبرالية في مصر – طبعة دار الشروق- 2009.
عرض التعليقات
تحميل المزيد