دراسة نقدية في كتابات هيكل عن الملكية المصرية

 

«الحلقة الثالثة»

 

 

استكمالا لحديث الحلقة السابقة، نود أن نذكرّ أن الأستاذ محمد حسنين هيكل قال سابقا أن حادث 4 فبراير عام 1942 هو السبب الأساسي لقيام حركة 23 يوليو عام 1952، مع تأكيده بأن حركة 23 يوليو كانت ضمن تداعيات الحرب العالمية الثانية. وفي هذه الحلقة يتحدث هيكل عن الدوافع والظروف التي أدت إلى حادث 4 فبراير وموقف كل من أطرافه، تحليل هيكل لحادث 4 فبراير قد جانبه الصواب ولنا فيه إعادة نظر!

 

 

يقول هيكل:

 

ولمجرد التذكرة فإن 4 فبراير 1942 هو اليوم الذي وجَّه فيه السفير البريطاني في مصر السير «مايلز لامبسون» -والذي أصبح اسمه اللورد «كيلرن» فيما بعد عندما منح اللقب مكافأة على خدماته للإمبراطورية، واختار أن ينتسب إلى المقاطعة الإسكتلندية التي جاءت منها عائلته ـ وكان نص إنذار السفير البريطاني إلى الملك «فاروق» بالنص: «إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة من مساء اليوم أن «مصطفى النحاس» باشا دُعي إلى تأليف الوزارة، فإن الملك «فاروق» يتحمل تبعات ما يحدث».

 

والوقائع الكاملة لأحداث تلك الليلة كما كتبها السير «مايلز لامبسون» بخط يده فى دفتر يومياته المودع ضمن مجموعة أوراقه فى كلية «سان أنتوني» المتخصصة في دراسات الشرق الأوسط والتابعة لجامعة أوكسفورد ـ تنشر الآن بنصوصها «لأول مرة كما أحسب» في وثيقة تالية لهذا الحديث مباشرة.

 

 

وإذا كان ذلك فإن يوم 4 فبراير 1942 يستحق أن يوضع في سياقه وفي إطاره، وبفهم متسع ورحب لحركة التاريخ وعناصرها، لأن الأمم كثيرا ما تجد نفسها في خضم صراعات لم تفكر فيها، ولم تطلبها، لكن الظروف المحيطة وبدون تخطيط أو مسئولية على أحد ـ تضعها وسط المعمعان ـ راضية أو كارهة والغالب أن وقائع يوم 4 فبراير والطريق إليها كان تجربة من هذا النوع لبلد وجد نفسه وسط الصراع العالمي رغم أنفه، وحاول أن يبحث عن أمان فيه، على عجل من أمره!

 

وكما هو بيِّن الآن فإن السير «مايلز لامبسون» بإنذاره للملك فاروق «رغم ما في الإنذار من إهانة» ـ لم يكن يمارس كراهية شخصية، كما قالت وتقول به روايات ملكية، شاعت بعدها ولا تزال لها أصداء. ولم يكن «مصطفى النحاس» باشا ـ للدقة والإنصاف ـ خائنا بالتواطؤ مع الإنجليز حين قَبِلَ رئاسة الوزارة مساء يوم 4 فبراير على أسنة الحراب البريطانية «على حد التعبير الذى استعمله أحمد ماهر «باشا» رئيس السعديين ليلتها».

 

ولم يكن الملك «فاروق» شابا فقد عقله دون مقدمات، فَحَقَّ للسفير البريطاني أن يعيده إلى صوابه ولو بالدبابات! إنما البيِّن الآن أن الحقيقة أعقد من تلك الروايات، وأبسط أيضًا؛ لأن ما وقع مساء 4 فبراير 1942 كان فى إطار حركة تاريخ حكمها تدافع عنيف بين القوى، وتداعيات أثرت بالوعي أو باللاوعي على مسار الحوادث. وكان التعقيد والبساطة في نفس الوقت هو الدرس المفيد الذي تكشفه قراءة التاريخ وتكشف معه أن الحقيقة لها أكثر من وجه، بمعنى أن ما جرى في 4 فبراير 1942 كانت له وجوه عديدة: وجه بريطاني ـ حقيقي ـ له منطقه الذي يمكن فهمه. ووجه مصري ملكي ـ حقيقي ـ له هو الآخر منطقه الذي يمكن تقديره. ووجه مصري وفدي ـ حقيقي له بدوره منطقه الذي يمكن قبوله.

 

وعليه فإن ما جرى في ذلك اليوم كان أكبر كثيرا من «زهو» السير «مايلز لامبسون» بقوته، وأكبر من «حرص» «الملك فاروق» على عرشه، وأكبر من «تلقف» «مصطفى النحاس باشا» لرئاسة الوزارة من وسط عاصفة، وفي الحقيقة فإن الحادث من أوله إلى آخره كان إشارة تختزل وتختصر صراع مقادير أكبر من إرادة الأفراد، وظرف عالمي أوسع بكثير من موقع قصر عابدين، ولعله كان مشهدا «مصريا» في «حرب عالمية».

 

التعليق:

 

قبل البدء في تعليقنا على تفسير الأستاذ محمد حسنين هيكل للأسباب والدوافع التي أدت إلى حادث 4 فبراير 1942. نلاحظ أن الأستاذ هيكل اعتمد في تفسيره لهذا الحادث على

مذكرات السفير البريطاني لامبسون، «والتي سوف ينشرها لاحقا في هذه المقالات)، ولا يذكر أي شيء عن الوثائق البريطانية وخاصة المراسلات الرسمية بين السفير البريطاني لامبسون والحكومة البريطانىة .. لماذا؟ وللإجابة عن هذا التساؤل نقول: إن الأستاذ هيكل يعرف جيدا أن هناك تعارضًا واضحًا بين المراسلات الرسمية وما ذكره لامبسون في مذكراته، كما  أن السفير البريطانى كثيرا ما كان يتحامل على الملك فاروق ويصفه بصفات غير لائقة في مذكراته الشخصية والتي كتب معظمها بعد خروجه من مصر، لأن الملك فاروق كان السبب في إنهاء خدمته كسفير لبريطانيا العظمى في مصر وتعيينه في منصب آخر بحنوب شرق آسيا.

وكان اللورد كليرن هو سفير بريطانيا في المملكة المصرية، وصل مصر يوم 7 يناير عام 1934 بسم السير مايلز لامبسون مندوبا ساميًا لبلاده، وبعد توقيع معاهدة 1936  «تسمى معاهدة الصداقة والتحالف ووقعها النحاس باشا رئيس حزب الوفد وبموجبها أصبحت مصر عضوًا في عصبة الأمم) أصبح سفيرًا، وكان يجب أن ينقل مصر ليبدأ عهدًا جديدًا في العلاقات المصرية البريطانية، ولكن كليرن استمر بعقلية المندوب السامي وكان يعارض أي حكومة ليس له يد في تعيينها.

ويشير الأستاذ حسن يوسف رئيس الديوان الملكي بالإنابة «قبل 1952» في مذكراته الصادرة عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام عام 1982، على مدى تدخل السفير البريطاني في شؤون مصر الداخلية، ورأى الأستاذ حسن يوسف موقفا من تدخل السفير البريطاني لإقالة حكومة محمود فهمي النقراشي الأولى بقوله: لم تكن حوادث الجامعة أو استقالة وزراء حزب الكتلة «حزب الكتلة الوفدية حزب من أحزاب ما قبل 1952 برئاسة مكرم عبيد باشا، وقد انشق مكرم عبيد باشا مع بعض أنصاره من حزب الوفد عام 1943 وأنشأ حينها حزب الكتلة الوفدية الذى شارك في أكثر من حكومة» هي التي أدت إلى إخراج النقراشي باشا من الحكم، بل كانت هناك ضغوط خارجية قوية، فقد كان السفير البريطاني وهو بطل 4 فبراير متبرما بأي وزارة لا يشترك فيها الوفد، وساءت العلاقة بين السفير البريطاني والنقراشي باشا عقب حادث اغتيال أمين عثمان باشا يوم 5 يناير 1946  «عين أمين عثمان وزيرا للمالية في حكومة الوفد عام 1943 بدلا من مكرم عبيد باشا الذي انشق عن الوفد في ذلك العام، وكان أمين عثمان مقرب من النحاس باشا رئيس حزب الوفد»، وبعد تشييع الجنازة أبدى السفير لرئيس الديوان شكواه من اختلال الأمن وطلب مقابلة الملك للتحدث إليه في شان الوزارة القائمة ، فأستمهله رئيس الديوان حتى تنتهى زيارة الملك عبدالعزيز « المغفور له الملك عبدالعزيز أل سعود ملك المملكة العربية السعودية » لمصر .

وفى التاسع والعشرين من يناير تمت المقابلة وتحدث السفير إلى الملك في هذا المعنى وأشار إلى أن من الخير تغيير الوزارة فطلب الملك منه تأييد حديثه كتابة.. وفى اليوم التالى بعث السفير بخطاب «سرى وشخصى» إلى رئيس الديوان يقول فيه : إن التعاون مع النقراشى أصبح مستحيلا  ، وبعث الديوان بصورة من هذا الخطاب إلى سفير مصر في لندن عبدالفتاح عمرو « عبدالفتاح باشا عمر سفير مصر بلندن عقب أنتهاء الحرب العالمية الثانية حتى إنقلاب يوليو بأستثناء فترة إلغاء معاهدة 1936 الذى عين فيها مستشار الديوان المللكى للشئون الخارجية – وهو أيضا بطل العالم في لعبة الأسكواش ) للتدليل على مدى ما ذهب إليه السفير البريطانى لامبسون في التدخل في شئون مصر الداخلية ومجافاته للأصول الدبلوماسية .. وبدوره أطلع عبدالفتاح عمرو الحكومة البريطانية على صورة الخطاب  ، ولعل هذا كان من دواعى التعجيل بنقل لورد كيلرن من مصر نهائيا حيث أستدعته حكومته ثم عينته مندوبا ساميا في جنوب شرق أسيا وغادر القاهرة 13 فبراير 1946   .. هذا الحديث من الأستاذ حسن يوسف رئيس الديوان الملكى بالأنانة لهو دليل على وجود جفاء في العلاقات بين السفير البريطانى لامبسون والملك فاروق . وهذا الجفاء هو قرينة على تحامل السفير البريطانى على الملك فاروق وزعمه لاحدات لم تقع لينسبها إليه  … وهذا الأمر ينكره الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتاباته عن الملكية المصرية …

 

وجدير بنا أن نذكر هنا : أن الأستاذ محمد حسنين هيكل يقول في مقدمة كتاباته عن الملكية المصرية والتى حققناها في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالات ،  أنه يستند في كتاباته إضافة لمذكرات السير مايلز لامبسون  إلى مذكرات الأستاذ حسن يوسف رئيس الديوان الملكى بالأنابة ،  ولكن بالبحث وجدنا أن الأستاذ هيكل يستبعد كثير من نصوص مذكرات الأستاذ حسن يوسف والتى تخالف رؤيته ،  كما يدعى أيضا  أنه يستند إلى أحداثا ورؤى ينسبها إلى الأستاذ حسن يوسف ، ولكن الأخير لم يذكرها أبدا في مذكراته ..

 

 

ورغم عدم إنكار الأستاذ محمد حسنين هيكل للتهم التي تم إلصاقها بأطراف حادث 4 فبراير 1942، إلا أنه يرجع في خلاصة تحليله لأسباب هذ الحادث في هذه الفقرة إلى صراع مقادير، بمعنى أنه قضاء وقدر. فهو حادث ليس له أسباب بشرية وإنما هو تدبير إلهي، وإذا كان حادث 4 فبراير حادث قدري لا ذنب لأحد فيه، فلماذا إذن يكون هو السبب الرئيسي لانقلاب 23 يوليو 1952 كما يدعى هيكل؟ فهل الانقلابات تقوم على أحداث قدرية؟

 

والأستاذ هيكل كما قلنا لا يبرئ أطراف حادث 4 فبراير من التهم التي ألحقت بهم، بل يدينهم بشكل ضمني، فنلاحظ هنا أنه اتهم النحاس باشا رئيس حزب الوفد لقبوله تشكيل الحكومة بالخائن والعميل وأنه جاء للحكم على ظهر الدبابات البريطانية. كما اتهم الملك فاروق بالصبي والمستهتر والقابض على العرش مهما تكن النتائج. كما اتهم أيضًا السفير البريطاني بالغرور والغطرسة وأنه دائما ما يهين الملك فاروق والسياسيين المصريين وبالتالي يهين مصر والشعب المصري.

 

وبالرغم من ذلك الاتهام الضمني في هذه الفقرة، فإن الأستاذ هيكل في بقية مقالاته والتي سوف نعرضها في صورة حلقات، يتهم ويدين وبشدة وبصراحة فجة كل أطراف هذا الحادث بالتسبب في حدوثه بدون إثبات أو أدلة مقنعة، وخاصة الملك فاروق والنحاس باشا ويكيل لهم أشنع التهم ويصفهم بأبشع الألفاظ ويبرر العدوان عليهم .. إذن الأستاذ هيكل يتراجع عن كلامه السابق وينسب حادث 4 فبراير إلى أخطاء غير مبررة لأطرافه، ويحملهم مسؤوليته وتبعاته. وبناء على هذا الكلام نلاحظ أن التناقض واضح وصفة ملازمة لتحليلات الأستاذ هيكل لحادث 4 فبراير وغيرة من الأحداث الأخرى.

وذلك ماسوف نتحدث عنه في الحلقات القادمة، إن شاء الله.

وللحديث بقية

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

محمد حسنين هيكل – مقالات مجلة وجهات نظر – مقالات شهر أبريل 2002 – المقالة الرابعة.
محمد حسنين هيكل – كتاب سقوط نظام – طبعة دار الشروق 2003 – القاهرة – ص 13 و 14 و 15.
حسن يوسف – القصر ودوره في السياسة المصرية 1922- 1952: مذكرات حسن يوسف، مركز الدراسات السياسية والأستراتيجية بالأهرام، 1982.
محسن محمد – سنة من عمر مصر – دار المعارف – القاهرة – 1982
عرض التعليقات
تحميل المزيد