تحدثنا في الحلقات السابقة، بأن الأستاذ محمد حسنين هيكل أرجع في كتابه سقوط نظام الصادر عن مؤسسة دار الشروق للنشر عام 2003، أن السبب الأساسي لحركة 23 يوليو 1952، هو حادث 4 فبراير عام 1942. وقد دعم هيكل نظريته هذه بعدة وقائع اتضح بعد البحث عنها أنها غير صحيحة ولم تحدث أبدا، ولم يكتف الأستاذ هيكل بذكر بعض الوقائع غير الحقيقية، بل تمادى في عرض أحداث غاية في الغرابة وعدم المعقولية.

 

واستمرارا لهذا النهج يدهشنا اليوم الأستاذ هيكل بسرد حادثة شيقة ولكنها ساذجة لاتنطلي على عقل طفل وأظنها من نتاج خيالاته. وهي رواية من نوعية الأكشن التي يتميز هيكل في بناء أحداثها، عن قصة أسر ضابط إيطالي كبير أثناء الحرب العالمية الثانية تغلغل بقواته داخل الحدود الغربية لمصر، وعثر معه على خطط حربية بريطانية ادعى هيكل أنها مسربة إلى قوات المحور بواسطة مسؤولين مصريين.

 

أقصوصة هيكل هذه سقطت في عدة أخطاء فادحة، ليست بسبب عدم منطقية أحداثها فقط، بل لأنها ينقصها الكثير من عناصر الحبكة التاريخية الواقعية والحقائق العلمية المؤثقة.

 

دراما هيكل، أثارت فينا الكثير من المآخذ والعديد من المطاعن على أحداثها الغريبة والتي سوف نعرضها تباعا اليوم.

 

 

 

يقول هيكل في كتابه (سقوط نظام) الصادر عن مؤسسة دار الشروق للنشر عام 2003، صفحة 32 وصفحة 33 وصفحة 34.

 

«وفجأة طرأت مضاعفات، ذلك أن القوات البريطانية التي تحارب في الصحراء الغربية (في أراضي مصر وأراضي ليبيا) تمكنت من أسر ضابط إيطالي كبير يتولى قيادة فرقة ميكانيكية تقدمت داخل الحدود المصرية، واسمه الجنرال «بيسكا توري»، وروى رئيس البعثة العسكرية البريطانية في مصر الجنرال «ستون» في تقرير له أنه عندما حكى للملك «فاروق» أن الجنرال «بيسكا توري» حين وقع في الأسر، كانت وراءه قافلة سيارات تحمل إحداها أربع جميلات إيطاليات ـ فإن تعليق ملك مصر لم يزد على اقتراح قاله وهو يضحك: «إن العدل بين مصر (التي تجري المعارك على أرضها)، وبين القوات البريطانية (التي تقاتل في هذه المعارك) يفرض تقسيم الغنيمة، «الجنرال لكم ـ والبنات لنا». ولم يكن الملك مدركا للجانب الأخطر في أسر الجنرال الإيطالي، ذلك أن تفتيش سيارة «بيسكا توري» أدى للعثور فيها على وثائق لها حساسية خاصة؛ ضمنها صورة بالنص لخطة بريطانية وضعت للدفاع عن منطقة «سيوة»، والقوس الواصل بينها وبين «طبرق»، وتلك هي النقطة الأضعف في الدفاعات البريطانية؛ لأنها النقطة التي يمكن منها تطويق الجبهة الشمالية الساحلية، كما أنها النقطة التي يمكن منها الوصول إلى عمق الصعيد المصري، وفصل الشمال وفيه دلتا النيل عن الجنوب ـ من أسوان إلى بعيد في السودان.

 

 

وكان وضع هذه الخطة البريطانية قد اقتضى تعاونا مع «وزارة الدفاع الوطني» المصرية بحكم استعدادات مطلوبة بين سيوة والصعيد يحتاج تنفيذها إلى تعاون السلطات المصرية المختصة. وفي ذلك الوقت كان «علي ماهر» (باشا) مازال في رئاسة الوزارة، ووزير الدفاع الوطني معه «صالح حرب» (باشا)، ورئيس الأركان «عزيز على المصري» (باشا)، والإنذار الأحمر بالخطر أن الثلاثة من المصنفين رجالا للقصر الملكي.

 

وبعد تحقيق في القضية تولاه الجنرال السير «ميتلاند ويلسون» تبين للسلطات البريطانية أن أوراق الخطة التي عثر عليها في سيارة الجنرال «بيسكا توري» هي صورة تسلمها وزير الدفاع الوطني المصري بيده من القائد العام للقوات البريطانية في مصر أثناء التنسيق بين الطرفين لتأكيد خطة الدفاع عن قوس سيوة ـ طبرق. وقد تعهد الوزير «صالح حرب» (باشا) بأن هذه الخطة سوف تحفظ في خزينته ريثما يتم تنفيذ ما يلزمها من مهام وإجراءات، لكنه تبين من تحقيق الجنرال السير «ميتلاند ويلسون» أن «صالح حرب» (باشا) أمر بنسخ مجموعة صور للخطة: نسخة أرسلها إلى رئيس الوزراء (علي ماهر)، ونسخة لرئيس الأركان (عزيز المصري)، ثم إن نسخة رئيس الوزراء (علي ماهر) أرسلت صورة منها إلى القصر الملكي لعلم الملك «فاروق» (وكان ذلك طبيعيا وضروريا).

 

وكتب الجنرال السير «ميتلاند ويلسون» تقريره السري عن نتيجة التحقيق، وأشار إلى أنه لم يستطع التوصل إلى نتيجة قاطعة؛ لأن المسؤولين المصريين الذين سألهم عمدوا إلى توجيه الاتهام نحو موظف محفوظات في وزارة الحربية المصرية (قُبض عليه فعلا)، ثم عادت السلطات المصرية للتلميح باحتمال أن تكون نسخة من الخطة قد سُرقت من جهة بريطانية وصلت إليها الأوراق بحكم اختصاصها».

 

ولم تكن القيادة البريطانية مستعدة لقبول هذه التفسيرات وسندها اعتباران:

 

أولهما: أن الخطة عليها تعديل تم بناء على طلب «عزيز المصري» (باشا)، وذلك التعديل مرصود على الخريطة التي عثر عليها ضمن أوراق الجنرال «بيسكا توري».

 

وثانيهما: أن وزير الدفاع الوطني المصري «صالح حرب» (باشا) ذكر للجنرال «ميتلاند ويلسون» في البداية أنه لم يرسل نسخة من الخطة إلى أي جهة خارج وزارته، لكنه عاد بعد ذلك وغير أقواله فإذا النسخ التي جرى توزيعها كثيرة ومتناثرة.

 

ويلفت النظر خلال التحقيق الذى أجراه الجنرال السير «ميتلاند ويلسون» أن السؤال المضمر وراء كل علامة استفهام كان: «هل للملك فاروق دور في الموضوع؟»، وكان أشد ما ضايق السلطات البريطانية في تطور التحقيق أنه عندما طرح السؤال الحرج على استحياء ـ أن القصر الملكي رد بطلب إجراء تحقيق قانونى عن «تسرب خطة الدفاع عن سيوة»، عهد به إلى النائب العام المصري «عبد الرحمن الطوير» (باشا).

 

وكان ذلك آخر ما تريده السلطات البريطانية التي هالها أن يكون هناك تحقيق يجريه النائب العام المصري وتكون تلك أسرع وسيلة لإذاعة أسرارها ـ (مع ملاحظة أن الخطة الأصلية تم تغييرها قبل نشوب القتال)».

 

 

 

التعليق

 

بداية وقبل أن نخوض في تفاصيل معقولية أو عدم معقولية رواية هيكل السابقة، نود أن نسلط الضوء التاريخي على هذه الأقصوصة.

 

يزعم الأستاذ هيكل أن حادثة أسر الضابط الإيطالي حدثت أثناء تولي حكومة علي ماهر باشا لمهامها، وحكومة علي ماهر الثانية تشكلت في يوم 18 أغسطس 1939 واستمرت حتى يوم 27 يونيو 1940. وفي هذه الفترة لم يثبت تاريخيا حدوث أي خروقات للحدود الغربية لمصر من جانب القوات الإيطالية التي كانت تحتل ليبيا، فإيطاليا أعلنت دخولها الحرب بجوار ألمانيا في 10 يونيو 1940، إذن من يوم 10 يونيو يوم اشتراك إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، حتى يوم 27 يونيو يوم استقالة حكومة علي ماهر، أي (17 يوما فقط) وفي تلك الأيام لم تخبرنا كتب التاريخ بحدوث أي اختراقات أو تسلل لقوات إيطالية لحدود مصر الغربية. فلم يزعم أحد من مؤرخي تلك الفترة بوقوع حادث لاسر ضابط كبير أو صغير من القوات الإيطالية داخل الحدود المصرية قبل إعلان إيطاليا الهجوم على مصر في 9 سبتمبر عام 1940.

 

أما المآخذ التي لاحظناها على أحداث أقصوصة هيكل ومنها:

 

  • ما زعمه هيكل بأنه تم تحرير تقرير بواسطة الجنرال ستون (يدعي هيكل أن الجنرال ستون هو قائد البعثة العسكرية البريطانية بمصر وهذا ليس صحيحا) حول واقعة أسر الجنرال الإيطالى بيسكا توري، وتعليق الملك فاروق على تلك الواقعة، والسؤال هنا، إلى من تم رفع هذا التقرير (تقرير الجنرال ستون كما يدعي هيكل)؟ هل تم رفع التقرير للقادة السياسيين أم للمخابرات الحربية البريطانية؟ أم إلى غيرهما؟ وهنا لم يدل الأستاذ هيكل بأي معلومة عن الجهة التي تم إليها رفع تقرير الجنرال ستون المزعوم، وهذا الأمر يدعونا إلى القول أن هذه المعلومات مجهولة، أي ليست لها أي سند، وبالتالى فهي معلومات ضعيفة وهي تندرج تحت صفة العدمية، أي معدومة القيمة والفائدة التاريخية.

 

  • إذا افترضنا وسايرنا الأستاذ هيكل في قصته المزعومة، فهل يعقل أن الملك فاروق يعلق على تلك الأقصوصة بهذا التعليق الفج، بقوله (الجنرال لكم والبنات لنا) وهو ملك مصر ورئيس البلاد والمعروف عنه التمسك بالبرتوكول الملكي الصارم، وخاصة تجاه الأجانب وبالذات العسكريين منهم.

 

 

  • لم يخبرنا هيكل عن الجانب الأهم من قصته، وهي ما مصدر معلوماته عن قصته هذه؟ هل جاء بمعلوماته من وثائق الخارجية البريطانية، أم من جهة أخرى؟ وعدم ذكر هيكل لمصادر معلوماته عن قصته، يخرجها من وثائق وحقائق التاريخ إلى العبث بالتاريخ.

 

  • يزعم هيكل أن السلطات البريطانية أجرت تحقيقا سريا في هذه الواقعة تولاه الجنرال ميتلاند ويلسون، ولكن التحقيق لم يصل إلى شيء حقيقي، وبالتالي لم يتم اتهام أحد، والسؤال هنا، فمن المعروف أن التحقيقات العسكرية السرية غالبا ما يحتفظ بها في أرشيف أجهزة المخابرات البريطانية، وحتى اليوم لم تسمح بريطانيا بالكشف عن الكثير من الأحداث الخاصة بالحرب العالمية الثانية، ومنها التحقيقات السرية والتي تحتفظ بها دوائر المخابرات البريطانية، فكيف عرف هيكل بأمر هذا التحقيق السري؟ والغريب في الأمر أن الأستاذ هيكل اتهم أيضا الملك فاروق بالضلوع في هذه الواقعة. ثم انقلب سريعا ورد على هذا الاتهام، بأن القصر الملكي أمر بفتح تحقيق في هذا الموضوع، يتولاه النائب العام في ذلك الوقت عبدالرحمن الطوير، ثم ما لبث هيكل والتف على كل ذلك، مبررا رفض السلطات البريطانية بإجراء تحقيق يتولاه النائب العام، خشية من تسريب أسرار عسكرية بريطانية لدول المحور، بالرغم من معرفة هيكل جيدا بتولي النائب العام عبدالرحمن الطوير التحقيق (بالاشتراك مع مجلس عسكري يتم تشكيله من بعض ضباط الجيش المصري) في قضايا هروب وتسلل كثيرة لضباط مصريين وأجانب تجاه قوات المحور، وبموافقة السلطات البريطانية، التي لم تخش تسريب أي معلومات سرية أو غير سرية لدول المحور، كالتحقيق في قضية هروب الفريق عزيز المصري واثنين من الطيارين الشبان عام 1941، وأيضا قضية هروب الضابط أحمد سعودي الذي قتل بالخطأ أثناء هروبه بطائرة بريطانية قاصدا اللجوء للقوات الألمانية التي كانت تتمركز بالقرب من مرسى مطروح شمال الصحراء الغربية.

طبعا أقصوصة هيكل هذه ساذجة، وصاغها في صورة سؤال وجواب حتى يصل بعقولنا إلى سراب. والهدف منها هو الطعن بغير دليل، في حقبة ما قبل انقلاب 23 يوليو 1952.

 

  • وقع الأستاذ هيكل في أخطاء تاريخية أثناء سرده لأقصوصته المزعومة، ما كان لأحد بحجم ومكانة الأستاذ هيكل أن يقع فيها، فقد ذكر هيكل أن الجنرال ستون هو قائد البعثة البريطانية بمصر وهذا ليس صحيحا، فالجنرال ستون هو قائد القوات البريطانية في مصر، أما رئيس البعثة العسكرية البريطانية بمصر في ذلك الوقت هو الجنرال ماكريدي، والبعثة العسكرية البريطانية بمصر، هي بعثة تم الاتفاق عليها في معاهدة 1936، لكي تدرب الجيش المصري، وقد وصلت هذه البعثة إلى مصر، في الثالث عشر من يناير عام 1937 برئاسة الجنرال كورنول وهو من أبرز العسكريين الإنجليز، ثم تولى بعده الجنرال ماكريدي رئاسة البعثة، لكن العجيب في الأمر أن مهمة البعثة العسكرية البريطانية هي تدريب الجيش المصري فقط. وبالتالي يدخل أفراد هذه البعثة مجازا ضمن أفراد الجيش المصري، لدرجة أن مرتباتهم تصرف من خزينة الحكومة المصرية بالرغم من ولائهم التام لوطنهم بريطانيا، حيث أغلب تقارير البعثة وأعمالها ترفع عادة للسلطات البريطانية والقليل منها ترفع للحكومة المصرية. والسؤال الذي يلح علينا هنا وهو: ما هي علاقة البعثة العسكرية البريطانية الخاصة بتدريب الجيش المصري وأعمال التحقيق الخاصة بالقوات البريطانية؟

 

أيضا هناك شيء على غير العادة في أقصوصة هيكل، وهو خاص بالجنرال ميتلاند ويلسون، الذي يشغل منصب القائد العام للقوات البريطانية في مصر والسودان. فهل يعقل أن يقوم القائد العام بنفسه بأعمال التحقيقات ويترك مسؤولياته الضخمة كقائد ميداني لقوات بحجم القوات البريطانية بمصر والسودان في وقت التوتر الدولي؟ قد يقول قائل أن العرف العسكري يحتم على الشخص الذي يكلف بأجراء تحقيق مع وزراء وقادة تحوز رتبا عسكرية كبيرة، فيجب أن يكون هذا المحقق ذو رتبة عسكرية موازية لرتب المتهمين أو رتبة أعلى منها، لذلك فقد كان الجنرال ويلسون والجنرال ويفل أعلى قائدين من حيث المنصب العسكري من بين قيادات القوات البريطانية في مصر، ومن جانبنا يمكن الرد على ذلك بأنه يوجد في القوات البريطانية العاملة في مصر أكثر من قائد يحوز رتبة الجنرال (فريق أول) وهي أعلى رتبة للقادة الإنجليز العاملين في القوات البريطانية بمصر في ذلك الوقت، وكان من السهل إسناد مهمة التحقيق لأحدهم في هذه القضية التي يدعيها هيكل، فإما أن يكلف بهذا التحقيق القائد العام للقوات، أعتقد أن هذا الأمر مبالغ فيه من الأستاذ هيكل لدرجة الشطط، حتى تنال قصته المزعومة درجة الإبهار والاندهاش.

 

  • والأهم من كل ما سبق، لم يشر الأستاذ هيكل من قريب أو من بعيد للموقف القانونى للحكومة المصرية وردة فعل رئيسها علي ماهر، من أمتثال أو عدم أمتثال وزراء وقادة عسكريين في حكومته وربما هو شخصيا في تحقيق تجريه السلطات البريطانية في حق الحكومة المصرية وهل يجوز ذلك في ظل القانون الدولى والمعاهدات الدولية مثل معاهدة 1936.

لذلك نرى من جانبنا أن الأستاذ هيكل قد تحاشى في قصته هذه كل ما هو قانونى وتعمد أن يسير في أتجاه أخر بحيث تكون قصته بعيدة كل البعد من أي منطق أو عقلانية، لأنه يكتب في الغالب للجهلاء وليس للعقلاء.

 

 

ولكن الغريب حقا في رواية هيكل، وخاصة موضوع العثور على خطة حربية بريطانية مع الأسير المزعوم، أنه ربطها بتصرفات سياسة وعسكرية متعاونة لحكومة علي ماهر باشا مع السلطات البريطانية، بالرغم أن الأستاذ هيكل في حلقات سابقة أتهم حكومة علي ماهر الثانية (18 أغسطس 1939)، بأنها كانت في حالة عداء مع الإنجليز وأنها كانت موالية لدول المحور.

والسؤال هنا موجه (مجازا) للأستاذ هيكل رحمة الله عليه، فكيف يسمح الأنجليز لانفسهم بمناقشة خططهم الحربية مع حكومة أو أشخاص تتهمهم بمولاة أعدائهم؟

وهنا يحق لنا أن نعرض العلاقة بين حكومة علي ماهر، وخاصة وزير الدفاع الوطني صالح حرب، ورئيس أركان حرب الجيش المصري عزيز المصري، وأيضا عبدالرحمن عزام وزيرالأوقاف (تولى حقيبة الأوقاف حتى ديسمبر 1939 ثم بعدها تولى حقيبة الشئون الأجتماعية حتى نهاية فترة وزارة علي ماهر الثانية) وقائد الجيش المرابط وبين السلطات البريطانية في مصر، لكى نقف على حقيقة مزاعم الكاتب محمد حسنين هيكل في قصته سالفة الذكر.

 

والحقيقة فإن السلطات البريطانية في مصر كانت تتخوف من التعامل مع حكومة علي ماهر، وتعتبرها حكومة غير متعاونة، وخاصة الأشخاص المنوط بهم أداء الأعمال ذات الأتصال بالمهام العسكرية. ولعل فيما ذكره الدكتور محمد حسين هيكل (الأديب والسياسي ورئيس حزب الأحرار الدستوريين ورئيس مجلس الشيوخ قبل 23 يوليو من عام 1952)، في مذكراته عن السياسة المصرية والتي نشرها تحت عنوان مذكرات في السياسة المصرية، ما يوضح الأسباب التي دفعت الإنجليز إلى التخوف، من وزير الدفاع الوطني صالح حرب وعزيز المصري رئيس الأركان وعبدالرحمن عزام وزير الشئون الأجتماعية وقائد الجيش المرابط

 

يقول الدكتور هيكل: «وكانت الوزارة عينت الفريق عزيز المصري (باشا)، رئيسًا لأركان حرب الجيش المصري، وعزيز باشا رجل تعلم الفنون العسكرية الألمانية. ولم يخف في يوم من الأيام إعجابه بألمانيا، وموجة الإعجاب بانتصار الألمان المتواصل ترتفع في مصر، وعزيز باشا هو رئيس أركان حرب الجيش المصري، والوزارة المصرية تأبى أن تعلن الحرب على ألمانيا، والإنجليز الرسميون وغير الرسميين في مصر يشعرون في أعماق نفوسهم بهول ما يصيب أبناء وطنهم في ميادين القتال، ويرون بأعينهم هذا الذي يقع في مصر، ويسمعون أن عبد الرحمن عزام بك وزير الشئون الأجتماعية، وصالح حرب باشا وزير الدفاع الوطني يتحدثان في كل مجلس عن انتصارات الألمان وهزائم الإنجليز، فلا عجب أن تمتلئ نفوس السفير البريطاني، وأعوانه في السفارة، والمشيرين عليه من الإنجليز المقيمين في مصر بالغضب، وان تثير حفيظتهم على هذه الوزارة التي رفضت مجاراتهم في إعلان الحرب وأصرت على هذا الرفض، وأن يروا فيما تقدمه من المعونة لإنجلترا في حدود المعاهدة نوعًا من النزول على الحكم لا يرضاه من ضعضعت الهزيمة نفسه فلم يعد قادرًا على كبح غضبه أو إخفاء حفيظته».

 

وفي رسالة من السفير البريطانى بالقاهرة مايلزلامبسون، إلى وزير خارجيته هاليفاكس، بتاريخ الثاني من أكتوبر 1939 (وصلت يوم السادس من نفس الشهر)، عن طريق الحقيبة الدبلوماسية جاء ما يلي

لدي شعور بأن الحكومة الحالية، هي نبت ضار وأن استمرارها في الحكم، سيؤدي إلى تزايد إضعاف نفوذنا في مصر. لكن ينبغي أن أعترف، أن هذا الرأي في الوقت الحالي قائم على الحدس والتقولات، أكثر منه على حقائق يمكن الإشارة إليها.

 

ومما سبق يتضح، أنه كان يوجد توتر وريبة بل وخلاف ملحوظ، في العلاقة بين حكومة علي ماهر والسلطات البريطانية، من الناحية السياسية، ولكن ذلك الخلاف يزداد حدته بدرجة كبيرة، وخاصة في المسائل التي تتصل بالأعمال ذات الطبيعة العسكرية.

 

وعلى هذا، فقد أتهمت السلطات البريطانية، كلا من عزيز المصري وعزام وصالح حرب، بأنهم يحاولون على الجانب العسكري، أن يديروا إدارة الحرب المصرية، بطريقة تقضي على نفوذ البعثة العسكرية البريطانية.

 

ثم ما لبث، أن أنهالت الأتهامات البريطانية بشدة ضد رئيس أركان حرب الجيش المصري. الفريق عزيز المصري شخصيا.

 

و هناك وثيقة هامة، من وثائق وزارة الخارجية البريطانية، مرسلة من مايلزلامبسون (السفير البريطانى) بالشفرة في 28 ديسمبر 1939، كلها طعن وتجريح في عزيز المصري، وإشارة إلى عدم كفاءته وجهله!

تقول وثيقة السفير: برقيتي السابقة. وما يتبع هو صورة من تقرير أعده الجنرال ماكريدي عن عزيز المصري، والتي سلمت نسخة منها لرئيس الوزراء (علي ماهر) هذا الصباح.

 

تقول الوثيقة عن عزيز المصري: يبدو (عزيز) جاهلاً تمامًا بالتنظيمات الحديثة للجيش (التاكتيك). إن خبرته كما يستطيع الإنسان أن يلم بها محدودة وهي خبرة ترجع إلى خمس وعشرين سنة عن حروب محدودة، وحرب الصحراء.

 

ويقول التقرير الذي كتبه ماكريدي عن عزيز المصري: وفي المؤتمرات والتدريبات التي يقودها شخصيًّا (وهو ما سمعت عنه البعثة أخيرًا) يبدو جهله! وأنه جعلني (جعل ماكريدي) موضع السخرية في الجيش. أن التعليمات التي تعطيها البعثة يتجاهلها، ووجهات نظره وآرائه على خلاف مع أسلوب البعثة في التعليم ومع التدريب العسكري الحديث. ونتيجة لذلك لا يعرف الضباط «أين هم».

 

يقول تقرير ماكريدي أيضًا: أن (عزيز) لم يسأل أبدًا نصيحة البعثة على أي موضوع هام، وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد أنه لا ينوي أن يفعل ذلك.

 

وعلى هذا النحو، بدأت السلطات البريطانية في الضغط على حكومة علي ماهر لاستبعاد عزيز المصري.

 

وفي الوثائق البريطانية الخاصة بوزارة الخارجية، وجدت الوثيقة رقم F.371.23377 بتاريخ 29 ديسمبر 1939 تحمل عنوان: طرد عزيز المصري رئيس هيئة أركان الحرب – برقية من لامبسون رقم 513 Dismissal of Aziz El Masri, Egyptian Chief of staff تحمل الوثيقة درجة (هامة) (Important) وتقول البرقية:

أن هناك تقارير جاءت متضمنة أن طرد عزيز المصري قد أثير مع رئيس وزراء مصر، الذي أبدى دهشته لأنه كان يعتقد أننا ننظر للمصري على أنه مناسب بقاؤه، ووعد ببحث المسألة مع وزير الدفاع ومجلس الوزراء. ويقرر لامبسون أن هناك ضرورة للضغط على رئيس الوزراء المصري لطرد عزيز المصري، حتى يمكن إدخال تحسينات معينة مقترحة في الجيش، فيها زيادة عدد البعثة العسكرية.

 

وتقول وثيقة وزارة الخارجية البريطانية: «أن هذه المسألة (مسألة طرد عزيز المصري) قد طرحت بأسرع مما كان متوقعًا، أن تقصير عزيز المصري قد نوقش بشيء من التفصيل في رسالة سير مايلز لامبسون J 4142 أو في جوابنا لكي تكون الأمور واضحة. إن إهانة أو عدم الثقة بالبعثة البريطانية أمر لا يمكن احتماله سواء في ظروف السلم أو الحرب».

 

ومضت الوثيقة تقول: «أن علي ماهر يحاول أن يلعب لعبة مزدوجة (double dealing)، وأن السفير قد قدم طلبه وهو يقضي بأنه من أعظم الأمور اهتمامًا لنا، أن نتأكد أن علي ماهر لا تكون لديه فرصة أن يتحلل من تعهده الذي عاهد عليه مستر باتمان (الوزير المفوض في السفارة البريطانية بالقاهرة)، والذي تضمن أن عزيز المصري إذا سبب مصاعب مع البعثة العسكرية البريطانية أو مع القوات البريطانية فإنه سيستبعد».

 

 

واستجاب علي ماهر للضغط البريطانى، فأصدر قراره في فبراير 1940 بمنح عزيز المصري أجازة ثلاثة أشهر ونصف، أحيل بعدها للتقاعد.

 

ولم تلبث حكومة علي ماهر بعد بضعة شهور من استبعاد عزيز المصري، من أن تقدم استقالتها في 27 يونيو 1940، متأثرة في رحيلها بالضغوط البريطانية.

 

وللحقيقة فإن حكومة علي ماهر، قاومت تدخلات السلطات البريطانية في أعمالها بقدر استطاعتها، وعملت تلك الحكومة بما يملى عليها الضمير الوطني، ويكفي أنها أنجزت واحدة من أعظم أنجازات العصر الملكي، وسوف يذكرها التاريخ دائما بالفخر. وهي تجنيب مصر ويلات الحرب العالمية الثانية وذلك بالتعاون مع الملك فاروق.

 

ومن هنا يتضح أن السلطات البريطانية في مصر، كانت تتخوف من حكومة علي ماهر وخاصة وزير الدفاع الوطني صالح حرب، بسبب أن حرب يعتز بثقافته الحربية الألمانية، وأيضا من وزير الأوقاف عبدالرحمن عزام، لأن عزام أسند إليه قيادة القوات المرابطة، وهي قوات مشكلة من متطوعين، وتكون مهامها في زمن الحرب أن تعاون الجيش العامل خلف الجبهة، وأن تمده عند الحاجة بما يلزمة من قوات أحتياطية. وإن قيادة عزام لهذه القوات لهو شيء يقلق السلطات البريطانية وخاصة أن عزام له ميول محورية. كما تخشى السلطات البريطانية بشدة من عزيز المصري رئيس أركان حرب الجيش المصري، بسبب خططه الجريئة لتحديث الجيش المصري وصدامه مع البعثة العسكرية الأنجليزية الخاصة بتدريب الجيش المصري. لذلك كان من الصعب أن تتناقش السلطات البريطانية مع هؤلاء في أي خطط حربية خاصة بالدفاع عن مصر! ولكن معاهدة 1936 تجبر السلطات البريطانية بتبادل الأراء ومناقشة الاقتراحات الخاصة بالخطط الحربية، التي سيتم تنفيذها على الأراضي المصرية مع المعنيين بالحكومة المصرية.

 

وبسبب هذا المأزق، فقد أهتدى تفكير القادة الأنجليز بمناقشة خطط حربية وهمية مع المسؤولين المصريين، وذلك قبل بداية الحرب في مصر (الهجوم الإيطالي على مصر كان في يوم 9 سبتمبر 1940)، وعندما أوشكت تلك الحرب على الأندلاع، أشاعت السلطات البريطانية أن الحكومة المصرية لا تقف من أنجلترا موقف الحليفة طبقا لمعاهدة 1936. كما أشاعت ضعف أداء الفريق عزيز المصري رئيس أركان الجيش، ومولاة كل من وزير الدفاع الوطني صالح حرب ووزير الأوقاف وقائد الجيش المرابط عبدالرحمن عزام لدول المحور. واستخدمت السلطات البريطانية في ذلك أساليب عديدة، ومنها فبركة بعض القصص والحكايات عن تقاعس وأهمال المسئولين المصريين في المهام الأستراتيجية المشتركة، والتي تلقفتها الصحف حينذاك وخاصة الموالية للأنجليز، وبدورها نشرت هذه الصحف العديد من هذه القصص المصطنعة والوهمية من أمثال أقصوصة هيكل، لكي تتهم المسؤولين المصريين بتسريب وثائق عسكرية لدول المحور على عكس الحقيقة. وذلك من أجل الضغط على حكومة علي ماهر، باستبعاد كلا من وزير الدفاع الوطني صالح حرب ووزير الأوقاف وقائد الجيش المرابط عبد الرحمن عزام ورئيس أركان حرب الجيش عزيز المصري أو الأطاحة بحكومة علي ماهر بكاملها.

 

وعند ذلك انتهز الأستاذ محمد حسنين هيكل تلك الحكايات، وألتقط قصة خيالية من ضمن القصص التي كانت تشاع في ذلك الوقت بواسطة الإنجليز وعملائهم في الصحف والمجلات، وصاغ منها حكاية ساذجة على أنها قصة حقيقية تحكي، عن تورط بعض المسؤولين في حكومة علي ماهر باشا بتسريب وثائق عسكرية إنجليزية بإهمال أو عن عمد لدول المحور، وذلك بهدف تشويه حقائق التاريخ، ولكي ينال هيكل وبسوء من الحقبة الملكية ورجال العصر الملكي، وإدانة أداء حكومات ما قبل انقلاب 23 يوليو 1952 ووصفه بالضعف والتدني والتجني، ووصم إنجازات الملكية المصرية بعلل السفاهة والتفاهة والبلاهة.

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

- محمد حسنين هيكل – كتاب سقوط نظام – إصدار مؤسسة دار الشروق للنشر عام 2003 – ص 32، ص 33، ص 34
2- د / محمد حسين هيكل – مذكرات في السياسة المصرية – الجزء الأول – مكتبة النهضة المصرية 1951.
3- د / محمد صابرعرب – حادث 4 فبراير 1942 والحياة السياسية المصرية – دار المعارف – القاهرة عام 1985.
4- د / عبدالعظيم رمضان – مصر والحرب العالمية الثانية – معركة تجنيب مصر ويلات الحرب – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997.
5- د / محمد الجوادى – علي ماهر باشا ونهاية الليبرالية في مصر – مؤسسة دار الشروق للنشر عام 2009.
6- د / محمد عبدالرحمن برج - عزيز المصري والحركة الوطنية المصرية – مركز الدراسات السياسية والأستراتيجية بالأهرام عام 1980.
عرض التعليقات
تحميل المزيد