تحدثنا في الحلقات السابقة أن الأستاذ محمد حسنين هيكل أرجع السبب الرئيس لقيام حركة 23 يوليو 1952، إلى حادث 4 فبراير عام 1942، مذكرًا بعدد من الوقائع والتي من شأنها أن تؤدي إلى هذا الحادث، ومستشهدًا أيضًا ببعض توابع وتداعيات هذا الحادث وصلتها بحركة 23 يوليو، مما يوحي بصحة تلك العلاقة بينهما، ولكن اتضح بعد البحث أن هذه الوقائع ليس لها أدنى صلة بين حادث 4 فبراير وحركة 23 يوليو 1952.

واستمرارًا لهذا النهج، يطلعنا الأستاذ هيكل على بعض من الأحداث، والتي يزعم أنها أدت إلى وقوع حادث 4 فبراير عام 1942، مثل محاولة هروب عزيز المصري باشا رئيس أركان الجيش المصري السابق واثنين من الطيارين الشبان إلى العراق يوم 16 مايو عام 1941، واتهام السفير البريطاني للملك فاروق بأنه وراء تلك المحاولة.

ومن جانبنا نرى أن هذه الوقائع ليس لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بحادث 4 فبراير، وأنها نتاج طبيعي لتأثير الحوادث الدولية والأحداث المحلية، وذلك ما سوف نوضحه في السطور التالية.

يقول هيكل

في كتابه (سقوط نظام) إصدار دار الشروق عام 2003، (صفحة 34 وصفحة 35):

«وزادت في تلك الأوقات واقعة أكثر إزعاجًا، ذلك أن «عزيز المصري» (باشا) الذي خرج من منصبه مع إخراج وزارة «علي ماهر» (باشا) ـ قام بمغامرة بالغة الغرابة، ذلك أنه بمساعدة اثنين من الطيارين (منهم حسين ذو الفقار صبري) خطفوا طائرة عسكرية مصرية، وانطلقوا بها فجرًا من مطار ألماظة، لكن الطائرة سقطت بعد قليل من إقلاعها، ووجهت إلى الخاطفين الثلاثة تهمة الخيانة. وعندما بدأ التحقيق مع «عزيز المصري» (باشا) كان دفاعه أنه «قام بما قام به بتكليف من المخابرات البريطانية، حمله إليه ضابط برتبة بريجادير (لا يتذكر اسمه بالكامل) أبلغه ـ وأثبت له ـ أنه مكلف من القيادة العسكرية البريطانية برسالة مقتضاها أن يطير عزيز سرًا إلى بغداد ويقنع رئيس الحكومة الانقلابية التي قامت فيها وهو «رشيد عالي الكيلاني» ـ بأن الأفضل له ولضباطه أن يحتفظوا بولاء العراق التقليدي لبريطانيا، وأن لا يلتفتوا إلى محاولات ألمانية تشدهم ناحية المحور».

وحين نقل رئيس الوزراء «حسين سري» (باشا) هذه الرواية من تفاصيل التحقيق مع «عزيز المصري» إلى السفير البريطاني «مايلز لامبسون»، فقد السفير أعصابه وخبط على المكتب يقول: «إن ذلك كلام لا يصدقه عقل، وإن صاحبه إما مجنون أو إنه يعتقد أن الآخرين مجانين»!

ومرة ثانية تساءل «مايلز لامبسون» موجهًا كلامه لرئيس الوزراء: «أليس من حقي الشك في أن هذه القصة الملفقة ستار لآخرين وراءها، وأنكم تحاولون تغطية «شيء ما» بتمويه التحقيق مع «عزيز المصري»؟!».

ويمكن القول إن شبح الدبابات البريطانية المتجهة لحصار قصر عابدين (وردع الملك فاروق) بدا في الواقع كرد فعل على رسالة «تأنيب» تلقاها السفير البريطاني السير «مايلز لامبسون» من السير «ألكسندر كادوجان» الوكيل الأول بوزارة الخارجية، وهو القائم على التنسيق بين الدبلوماسية والسياسة، أي بين وزارة الخارجية ورئاسة الوزارة، وفي هذه الرسالة يقول السير «ألكسندر كادوجان» موجهًا كلامه للسير «مايلز لامبسون» بما نصه: «إنني مندهش أنك مسئول عن مصر منذ سبع سنوات، ومع ذلك نرى في مصر ما نراه الآن، وهو ما يعني أن قبضة بريطانيا غير محكمة في أمر يتصل بمصالحها الحيوية وأمنها في الشرق الأوسط ومجهودها الحربي جنوب البحر الأبيض».

ثم يضيف «كادوجان» «إن بعض ما يجري في مصر بلغ درجة الخيانة، ومع ذلك فإن حزمنا يبدو رخوًا».

ومعنى ذلك أنه حين قدم السير «مايلز لامبسون» إنذاره إلى الملك فاروق يوم 4 فبراير، فإن الرجل ـ إلى جانب أسباب موضوعية ـ كان يدافع عن كرامته وسمعته ومستقبله.

وقد اقتنع «لامبسون» ـ وشاركته لندن ـ أن هذه «الألعاب الملكية» زادت خطورتها، وأن عودة حكومة وفدية إلى السلطة زادت أهميتها كضرورة لضبط الأمور عن طريق «حزب» يمثل «شرعية الأغلبية» في مصر على الأقل، ويكون جاهزًا لحفظ المصالح البريطانية: العسكرية والسياسية.

وكان ذلك هو الطريق البريطاني إلى قصر عابدين مساء يوم 4 فبراير ـ وبالدبابات!».

التعليق

كما ذكرنا، يحاول الأستاذ هيكل هنا الربط بين بعض الأحداث، والتي يزعم أنها حدثت بفعل الملك فاروق وحادث 4 فبراير 1942. ففي:

(1): – حادثة محاولة هروب عزيز المصري واثنين من الطيارين الشبان في 16 مايو عام 1941، يلقي الأستاذ هيكل التهمة على عاتق الملك فاروق، وقال على لسان السفير البريطاني لامبسون، إنها ألاعيب ملكية وذلك بغير دليل أو سند مادي أو معنوي، فجميع المصادر بما فيها وثائق الخارجية البريطانية ومذكرات السياسيين لم تذكر أن محاولة هروب عزيز المصري كان وراءها الملك فاروق، مما يدل على أن هذه التهمة كاذبة وملفقة، وذلك من أجل الطعن في شخصية الملك فاروق والحياة السياسية قبل عام 1952، وتبرير قيام حركة 23 يوليو 1952.

ولأجل كشف مغزى اتهامات هيكل للملك فاروق في هذه القضية، فجدير بنا تحليل هذه الاتهامات بشيء من التفصيل:

أولًا: – ما الدافع الذي يدفع الملك فاروق بأن يكون وراء محاولة هروب عزيز المصري وصديقيه؟ فإذا كان الهدف هو الاتصال بدول المحور، فإن الملك فاروق لديه العديد من قنوات الاتصال بكل دول العالم، وبكون مصر دولة محايدة أثناء الحرب العالمية الثانية، فمن الطبيعي أن يكون للملك فاروق قنوات اتصال دبلوماسية بدول المحور.

لكن الحقيقة أن الأحداث الدولية والداخلية كان لها أثر كبير على تفكير بعض العسكريين والسياسيين المصريين، مما انعكس على كثير من تصرفاتهم وأفعالهم، وفي ذلك يقول عبد اللطيف البغدادي أحد ضباط حركة 23 يوليو في مذكراته:

«مع بداية عام 1940م والحرب العالمية الثانية مشتعلة، كانت ألمانيا الهتلرية تحوز النصر وراء النصر في أوروبا ، مما دفع موسوليني زعيم إيطاليا لدخول الحرب بجانب ألمانيا خاصة بعد هزيمة فرنسا أمامها، وكان موسوليني يأمل بدخوله الحرب في إعادة مجد روما القديم، واعتقد أن هذه فرصته فدفع بقوات كبيرة من قواته العسكرية التي كانت موجودة في ذلك الوقت في ليبيا نحو حدود مصر الغربية، فتصدى لها الجنرال البريطاني ويفل بقوات كانت تقل كثيرًا عن القوات الإيطالية المتقدمة.

ولم يكن لجيشنا المصري قرب الحدود الليبية المشتركة مع حدودنا إلا بعض قوات رمزية من الجيش والطيران، وكانت تعسكر في منطقة مرسى مطروح، وكان يرأس الوزارة المصرية في ذلك الوقت علي باشا ماهر، فأعلن موقف مصر وعدم دخولها الحرب إلا إذا غزت القوات الإيطالية الأراضي المصرية وقذفت مدنها بقنابل طائراتها، وأمر كذلك بانسحاب تلك القوات الرمزية من المناطق التي كانت تعسكر بها إلى مناطق أخرى جديدة عند العلمين غرب الإسكندرية.

ولكن لم تمض عدة أيام على هذا القرار، حتى أقاله الملك فاروق من الوزارة، كما أحيل أيضًا إلى المعاش رئيس أركان حرب الجيش المصري الفريق عزيز المصري بعد إقالة علي ماهر بأيام قليلة.

وقد دار بأذهاننا نحن الضباط الشبان في ذلك الوقت، أن إقالته جاءت بضغط من الحكومة البريطانية لما يتردد حوله عن تعاطفه مع ألمانيا النازية، وأن إحالة عزيز المصري إلى المعاش كانت بسبب مواقفه الوطنية من البعثة العسكرية البريطانية التي كانت مشرفة ومسيطرة على جيشنا في ذلك الحين.

ومن الطبيعي أن ما كان يجري في العالم من أحداث الحرب الدائرة كان موضع حديثنا اليومي نحن الضباط الصغار ويشد انتباهنا، وزاد هذا الانتباه منا عندما دخلت إيطاليا الحرب وبدأت تدفع قواتها نحو حدود بلادنا الغربية ضاغطة على القوات البريطانية، وبدأ تفكيرنا ينتبه إلى أن هناك مستعمرًا جديدًا يحاول طرد المستعمر القابع على أرضنا ليحل محله، ونحن الضحية في كلتا الحالتين ليس لنا دور في تحديد مصيرنا.

وفي ذلك الوقت، كانت هناك مجموعة من أربعة ضباط برتبة الملازم الطيار تقيم معًا في شقة مفروشة بمصر الجديدة، وهي قريبة من المطار الحربي الذي كانوا يعملون به، مطار ألماظة، وكانت هذه المجموعة مكونة من الطيارين أحمد سعودي أبو علي، وحسن عزت، ووجيه أباظة، وكاتب هذه المذكرات، وكنا كأصدقاء متآلفين والثقة تامة بيننا، وهناك وحدة في التفكير فيما بيننا، وكان تحمسنا الوطني واندفاع الشباب يسيطر علينا في كل أحاديثنا التي كانت تجري حول الأحداث الدائرة من حولنا ومدى تأثر مصر بلدنا بها والأضرار التي ستقع عليها، وفي أثناء هذا الحماس وتلك الأحداث، اختمرت في أذهاننا فكرة ضرورة عمل شيء نخدم به وطننا، خاصة أن احتلال الإنجليز لبلادنا منذ عشرات السنين كان هو الألم الذي يحز في نفوسنا دائمًا.

وكان لابد من أن نفكر في الوسائل الممكنة لنا لخدمة هذا الوطن العزيز علينا، وعندما قلبنا الأمر على وجوهه المختلفة، لم نجد أمامنا من وسيلة إلا في عمل تنظيم سري بين ضباط الطيران والجيش لمقاومة الاحتلال البريطاني، وكان ذلك في بداية عام 1940م، وبدأنا في وضع تلك الفكرة موضع التنفيذ.

وكان علينا أن نقوم بتنظيم أنفسنا وزملائنا في سلاح الطيران في شكل خلايا سرية صغيرة، وكانت كل خلية تتكون من خمسة ضباط، وعلى أن يقوم كل فرد من أعضاء الخلية بالعمل على تشكيل خلية أخرى جديدة من خمسة ضباط آخرين، واشترط ألا يعرف أفراد الخلية الجديدة أسماء المشتركين الآخرين في الخلايا الأخرى، وأن تقتصر معرفتهم فقط على اسم من عمل على تشكيلها ضمانًا للسرية، وحتى تقتصر الأضرار فقط في حال انكشاف سر أية خلية على أقل عدد ممكن من أفراد التنظيم، وعملنا على الاتصال بزملائنا من ضباط الجيش حتى تمكن إقامة تنظيم آخر مماثل داخل وحداته أيضًا، واقترح حسن عزت اسم الملازم (محمد أنور السادات ) لينضم إلى مجموعتنا، وكنا قد أطلقنا عليها اسم اللجنة التنفيذية للتنظيم. وكان أنور صديقًا لحسن عزت، وكان الهدف من هذا التنظيم الذي كنا نسعى إلى إقامته، هو العمل على التصدي للقوات البريطانية المحتلة لبلادنا، وتدمير مخازنها وخطوط مواصلاتها، وعرقلة انسحابها أمام القوات الضاغطة عليها، معتقدين أنه بذلك يمكن أن نطالب باستقلال بلادنا، وإعلان حيادها وإبعادها عن أتون الحرب الدائرة في ذلك الوقت مقابل هذا الدور الذي قمنا به، وربما يكون هذا التفكير منا فيه سذاجة، ولكن لا ينسَ القارئ قلة خبرتنا السياسية في ذلك الحين، ولم يكن عمر أحد منا تعدى الاثنين والعشرين عامًا، كما لا ينسَ أيضًا أن الدافع لهذا التحرك منا كان الحماس الوطني مع اندفاع الشباب، وكذا لم تكن صورة ألمانيا الهتلرية على حقيقتها واستبدادها واضحة لنا.

وقد بدأ تنظيمنا هذا نشاطه فور تكوينه، وتركز أساسًا حول معرفة وتحديد مواقع القوات البريطانية حول القاهرة، ومخازن تموينها بالإضافة إلى مراكز قياداتهم. وقد أفاد وجودنا نحن الطيارين بالقوات الجوية كثيرًا في رسم وتصوير وتحديد تلك المواقع، وكان الفريق عزيز المصري الذي أحيل إلى المعاش بسبب وطنيته، وتصديه لقيادة البعثة العسكرية البريطانية، موضع احترامنا وتقديرنا نحن الضباط الصغار، وكثيرًا ما كنا نتردد على منزله لنستمع إلى نصائحه وتوجيهاته إلينا، كما كنا ننشد مشورته في كثير من أمورنا وكان خير عون لنا».

من كل ما سبق يتضح بجلاء أن الظروف الدولية والحالة الداخلية في ذلك الوقت، كانت عوامل مؤثرة في كثير من الأحداث ومنها عمليات هروب بعض العسكريين (كما سنرى في ثانيًا)، وليس للمك فاروق أي صلة بتلك الأحداث كما يدعي هيكل.

ثانيًا:- حدثت محاولات عديدة لهرب بعض ضباط الجيش المصري وغيرهم، في تلك الفترة ولجوئهم لمعسكرات دول المحور في شمال أفريقيا، ومنهم من نجح في محاولته ومنهم من أخفق، ومثال ذلك هروب الضابط طيار أحمد سعودي أبوعلي، الذي استقل طائرة من النوع البريطاني والمسمى جلاديتور، في الصباح الباكر من يوم الاثنين 29 يونيو 1942، من مطار ألماظة واتجه نحو منطقة مرسى مطروح غرب الإسكندرية، والتي كانت تقع تحت سيطرة القوات الألمانية، قاصدًا اللجوء ومساعدة القوات الألمانية في حربها ضد القوات البريطانية، ولكن قوات دفاع الجو الألماني اعتقدوا أن طائرته هي طائرة حربية بريطانية معادية تحلق فوق القوات الألمانية، فقاموا بإسقاطها مما نتج عنه وفاة الضابط أحمد سعودي أبوعلي. وقد تصادف أن أحد الطيارين وهو محمد رضوان، قد تم تكليفه بالبحث عن الطائرة التي استقلها أحمد سعودي باعتبار أنها ربما تكون سقطت في مكان ما حول القاهرة، وبدل أن يعود فقد توجه هو الآخر بطائرته نحو مرسى مطروح، ووصل سالمًا حيث لجأ إلى القوات الألمانية. وقد اعترف عبد اللطيف البغدادي في مذكراته بقوله: إن هروب كل من أحمد سعودي أبوعلي ومحمد رضوان كان من تدبير تنظيمنا!

فهل الملك فاروق هو من حرض هؤلاء الطيارين على الهروب؟

ومن جهة ثانية، وللأسف لم يتحاشَ الأستاذ هيكل في تصديه للكتابات التاريخية الخلافات السياسية والشخصية التي كان طرفًا فيها، بل نجده يشير ويفصح عن تلك الخلافات وخاصة في أعماله التاريخية. ففي كتابات هيكل، نجده يمتدح ويفخر بأصدقائه وشيعته ويذم ويحقر من خصومه ومعارضيه، فقد ذكر في واقعة محاولة هرب عزيز المصري، أن عزيز المصري كان بصحبة اثنين من الطيارين، أفصح هيكل عن اسم أحدهما وهو حسين ذو الفقار صبري، ولم يفصح عن اسم الثاني، بالرغم من أن الضابط الثاني معروف جيدًا لدى كتاب وقارئي التاريخ، فلماذا هذا التجاهل؟

والإجابة على هذا التساؤل، أن الأستاذ هيكل ذكر صراحة اسم أحد صاحبي عزيز المصري في محاولة هروبه وتجاهل الآخر؛ لأن حسين ذو الفقار صبري هو الشقيق الأكبر لعلي صبري، والأخير تقلد العديد من المناصب إبان حكم الرئيس جمال عبد الناصر حتى وصل لمنصب رئيس الوزراء، وهو أيضًا أحد أكبر مراكز القوى الناصرية حيث تم اعتقاله من جانب الرئيس السادات عام 1971. وعلي صبري كان الصديق الحميم لهيكل، لذلك ذكر هيكل شقيق علي صبري باسمه في قصة محاولة هروب عزيز المصري، حتى ينال شرف التمرد على الوجود البريطاني.

أما الضابط الآخر الذي كان برفقة عزيز المصري أثناء محاولة هروبه، فهو الضابط عبد المنعم عبد الرؤوف، وهو ضابط ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين كما أنه كان ضمن الضباط الرئيسيين الذين قاموا بحركة 23 يوليو 1952. وعندما اصطدم جمال عبد الناصر بجماعة الإخوان المسلمين عام 1954، قرر عبد المنعم عبد الرؤوف الهرب خارج مصرعام 1955 ولم يعد إليها حتى عام 1972. ولأن هيكل كان يبغض جماعة الإخوان المسلمين، فلم يذكر اسم عبد المنعم عبد الرؤوف صراحة في قصة محاولة هروب عزيز المصري، وذلك للتقليل من شأنه.

والغريب في الأمر أن الأستاذ هيكل في هذه القضية، يعظم من شأن دور حسين ذو الفقار صبري لأنه شقيق صديقه علي صبرى، في حين يبخس دور كل من عبد المنعم عبد الرؤوف وعزيز المصري، والسبب كما ذكرنا أن عبد المنعم عبد الرؤوف كان من أتباع جماعة الإخوان المسلمين، أما عزيز المصري فقد اعتبره هيكل من ضمن رجال الملك فاروق.

ولكن نلاحظ أيضًا أن الأستاذ هيكل عندما سرد قصة محاولة هروب عزيز المصري، تجاهل الرأى الذي أخذ به كثير من ضباط حركة يوليو ودونوه في مذكراتهم، وهو أن محاولة هروب عزيز المصري للعراق، كانت بنية مساعدة ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد القوات البريطانية، وخاصة أن ضباط 23 يوليو يعتبرون عزيز المصري الأب الروحي لهم، كما أن هيكل يعتبر نفسه المنظر الأيديولوجي والفيلسوف الخاص لضباط 23 يوليو.

ولم يتجاهل الأستاذ هيكل فقط الرأي القائل بأن هروب عزيز المصري كان بهدف مساعدة ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد السلطات البريطانية في العراق، بل تنكر وتهكم على أقوال عزيز المصري التي دونت في التحقيقات التي أجريت معه، والتي تشير إلى أن محاولة هروب عزيز المصري كانت بتدبير المخابرات البريطانية، بهدف إقناع رشيد عالي الكيلاني بإنهاء ثورته والانضمام لقوات الحلفاء في حربها ضد دول المحور.

كما أن الأستاذ هيكل عندما تهكم على أقوال عزيز المصري في تلك التحقيقات، اقتطع منها تعبيرات كثيرة، بل قام بتغيير بعضها وتحويرها لأقوال عكسية ومتناقضة، حتى تبدو غريبة وغير مقنعة. وذلك من أجل الاستهزاء بمحاولة هروب عزيز المصري، وبالتالي التحقير من شأن رجال العصر الملكي.

لذلك يجب علينا عرض مقتطفات من التحقيقات التي باشرها المجلس العسكري بالاشتراك مع النيابة العامة برئاسة النائب العام المصري في ذلك الوقت عبد الرحمن الطوير مع عزيز المصري، عقب إخفاقه في محاولة الهروب للعراق.

وقد حوت تلك التحقيقات ذكر تاريخ الاتصالات الخاصة بين عزيز المصري والسلطات البريطانية، منذ بدء الحرب العالمية الأولى، مما يفاجئنا بأن علاقات عزيز المصري والسلطات البريطانية كانت قديمة، وقد ذكر الأستاذ محمد صبيح في كتابه (بطل لا ننساه: عزيز المصري وعصره) فقرات من تلك التحقيقات ومنها تلك الفقرة التي سطرها في الصفحة 262 من الكتاب سالف الذكر وهي كالتالي:

«أنه خلال الحرب العالمية الأولى، تمت اتصالات بين عزيز المصري والإنجليز في القاهرة، وكان الاتصال غير رسمي عن طريق مستر جريفس مراسل صحيفة التيمس (التايمز) في القاهرة يوم 6 ديسمبر عام 1914، ولجأت السلطات الإنجليزية إلى هذا اللقاء غير الرسمي لمعرفة رأي عزيز المصري في إمكانية استخدام هذه السلطات لنفوذه في العراق، وكانت إجابة عزيز المصري صريحة وواضحة، ومنها عندما قال لجريفس إن ضميره لا يسمح له بتأدية خدمات للسلطات العسكرية البريطانية، إذا ما كانت نية بريطانيا ضم العراق لإمبراطوريتها، فالمسألة مسألة شرف، أما إذا كان في النية تكوين دولة محايدة ومساعدة سكانها العرب كما ساعدت روسيا بلغاريا في عامي 1879 – 1883، إذا كانت هذه هي سياسة بريطانيا فإنه يخدم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا».

ومن خلال الفقرة السابقة من تلك التحقيقات يتضح أن عزيز المصري كانت له سوابق من الأعمال الخاصة والسرية مع بريطانيا، مما يعطي انطباعًا أن محاولة عزيز المصري للهروب عام 1941 كانت بتكليف من السلطات العسكرية البريطانية. ويقول الأستاذ محمد صبيح في كتابه سالف البيان عن هذا الأمر ما يلي:

«إن الظروف التي فكر فيها عزيز المصري في الهرب مهمة، لأنه قبل إقدامه على محاولة الهرب، التقى بعدد من البريطانيين وخاصة الكولونيل ثورن هيل، وجرت محادثات بين كل من عزيز المصري وثورن هيل حول إمكانية عقد مصالحة بين الإنجليز ورشيد عالي الكيلاني».

إذن التحقيقات التي أجريت مع عزيز المصري ذكر فيها كل تفاصيل المباحثات التي دارت بينه وبين السلطات البريطانية، وذكره لاسم الضابط الإنجليزي الذي أجرى معه هذه المباحثات على عكس ما ذكره هيكل.

وحتى هذه اللحظة لم تتكشف الحقيقة القاطعة من هدف عزيز المصري في محاولة الهرب للعراق، هل هي بغرض مساعدة ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد القوات البريطانية؟ أم إقناع رشيد عالي الكيلاني للانضمام لقوات الحلفاء ضد دول المحور؟

كما أن مصطفى النحاس باشا عندما شكل الوزارة في فبراير عام 1942، قرر الإفراج عن عزيز المصري والضابطين الآخرين يوم 6 مارس عام 1942، ولم يبين قرار الإفراج أسباب إخلاء سبيلهم أو ملابسات وحيثيات الاتهام.

لكن الثابت من خلال هذه الوقائع، أن عزيز المصري في كل الأحوال كان يريد الخير لأهل العراق ومساعدتهم، إذا كانت مساعدته لهم عن طريق دول المحور أو عن طريق دول الحلفاء.

(2): – لقد حرص الأستاذ هيكل على تأكيد مزاعمه السابقة، بأن تصرفات الملك فاروق هي التي كانت السبب المباشر لحادث 4 فبراير 1942، بالإضافة إلى نوازع شخصية خاصة بالسفير البريطاني، مما حدا بهذا السفير لاستدعاء حزب الوفد لتشكيل الحكومة، لكن هذه المزاعم ما هي إلا خيالات في العقل الباطن للأستاذ هيكل.

فقد ذكر الأستاذ هيكل أن شبح الدبابات البريطانية المتجهة لحصار قصر عابدين (وردع الملك فاروق)، بدا في الواقع كرد فعل على رسالة «تأنيب» تلقاها السفير البريطاني السير «مايلز لامبسون» من السير «ألكسندر كادوجان» الوكيل الأول بوزارة الخارجية. وهذا ليس صحيحًا بالمرة؛ فلم ترد في الوثائق البريطانية مثل هذه الرسالة، كما لم يذكرها السفير البريطاني في مذكراته. والرسالة الوحيدة التي وردت في الوثائق البريطانية والتي تتشابه مع مزاعم هيكل وردت للسفير البريطاني من وزير خارجيته عام 1937. ولكنها بخصوص موضوع مخالف تمامًا لمزاعم هيكل.

«وهي رسالة خاصة بتوجيه نوع من اللوم من وزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن إلى لامبسون (السفير البريطاني)، لفشله في الوساطة والصلح بين الوفد والقصر سنة 1937، وهي الأزمة التي انتهت بإقالة النحاس باشا في ديسمبر من نفس العام».

إذن مزاعم هيكل حول هذا الموضوع لم تكن حقيقية. ولكن ما هي الدوافع الحقيقية التي أجبرت السفير البريطاني على استدعاء حزب الوفد لتشكيل الحكومة والتصادم مع الملك فاروق ووقوع حادث 4 فبراير عام 1942؟

ذكرت جملة المصادر أن السفير البريطاني لامبسون أعلن صراحة أن الوفد عامل شغب واضطراب، ومن الأفضل عودته للحكم، كما أن الوفد لم يتردد في إعلان ارتباطه بقضية الديمقراطية، مؤكدًا في أكثر من موقف على أن مصر تمد يدها للشعب الحليف (بريطانيا)، وأن الشرف يقتضي توكيد كل مصري أن يساعد الدولة الحليفة ويشد أزرها، وأن تتجنب بوجه عام كل ما يؤخذ على أنه (طعنة في الظهر).

وظل الوفد يعلن أن الوقوف بجانب الحليفة هو قضية مبدأ، اقتنع بها الوفد وسيظل يدافع عنها، على اعتبار أن معاهدة 1936 تحتم الموقف الأخلاقي.

وحقيقة لقد تعرضت حكومة حسين سري لأكبر هجوم شنه الوفد، وقد أعلنت الهيئة الوفدية في 2 يناير 1942 عدة قرارات، كان الهدف منها القضاء على البقية من هيبة وزارة حسين سري، وتمثل هذه القرارات فيما يلي:

أولًا – إن الوفد لا يرتبط بأية نتائج أو مفاوضات تتخذها الوزارة الحاضرة.

ثانيًا – ينسحب حضرات الشيوخ والنواب الوفديون، من جلسات المجلسين (النواب والشيوخ) ولجانهما، إلى يوم 7 مايو يوم انتهاء المدة الدستورية لعضوية الشيوخ المقترح خروجهم، على أن يقدم استجواب أثر عودتهم، يطالبون فيه بموقف لحكومة حسين سري من الغارات الجوية التي تقع على مدينة الإسكندرية، وتحمل الحكومة المسئولية الكاملة. على الرغم من أن الوفد حينما عاد للحكم في فبراير 1942، لم يستطع أن يفعل شيئًا أمام هذه المسألة بالذات، بالرغم من أن القصف قد تضاعف وأصبح عدد الضحايا يعدون بالمئات في اليوم الواحد.

ومن هنا يتضح أن مزاعم هيكل لم تكن في محلها، فحادث 4 فبراير عام 1942 كانت له أسباب دولية وداخلية، وليس له علاقة بتصرفات شخصية للملك فاروق كما يدعي هيكل، كما أن السفير البريطاني أصر على عودة الوفد للحكم ليس حبًا في النحاس باشا، وإنما خوفًا من خطورة الوفد وخاصة أثناء احتدام معارك الحرب العالمية الثانية.

وتؤكد كل المصادر الهامة بما فيها زعماء الوفد أنفسهم، أن الملك فاروق قد حاول في أواخر حكومة حسين سري، الاتصال بالوفد بهدف تأليف وزارة ائتلافية أو قومية يرأسها النحاس، وبالفعل فقد أبدى الوفد موافقته على الفكرة ورحب بها، فإذ كان القصر يحرص على مبدأ التفاوض مع الوفد، ومن هنا فقد حرص السفير البريطاني على فصم كل رابطة بين الوفد والقصر، فلا يستطيع الوفد أن يصل إلى الحكم مهما كانت شعبيته إلا بواسطة الإنجليز، وتصف الوثائق البريطانية أن لامبسون قد بذل قدرًا كبيرًا من الجهد في محاولة عدم تمكين الوفد من العودة للحكم عن طريق القصر، حتى لا يتضامن الوفد مع القصر، مما يضاعف من حجم المشاكل التي تواجهها بريطانيا، لذلك كان لامبسون يحرص جيدًا على عودة الوفد وبطريقته الخاصة، الأمر الذي يعني ارتباط الوفد به وليس بالقصر.

ومما سبق يتبن لنا أن الملك فاروق كان يريد عودة النحاس باشا لتأليف الحكومة، بخلاف ما يدعيه هيكل، كما أن السفير البريطاني كان يتخوف من حزب الوفد وهو خارج الحكم، لأن الوفد عندما يكون في صفوف المعارضة يكون عنصر اضطراب وعاملًا من عوامل القلق بسبب كثرة مظاهرات أعضائه. غير أن السفير البريطاني كان يخشى أيضًا تضامن الوفد والقصر، لأنه بهذا الأمر يكون (أي السفير البريطاني) قد انتهى دوره. لذلك عمد إلى الوقيعة بين الوفد والملك فاروق مفضلًا لعبة فرق تقد. أما هيكل فإنه يفضل لعبة فبرك تسد.

وللحديث بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

هيكل

المصادر

محمد حسنين هيكل – كتاب سقوط نظام – إصدار مؤسسة دار الشروق للنشر عام 2003 – ص 34، ص 35
د/ محمد حسين هيكل – مذكرات في السياسة المصرية – الجزء الأول – مكتبة النهضة المصرية 1951.
د/ محمد صابرعرب – حادث 4 فبراير 1942 والحياة السياسية المصرية – دار المعارف – القاهرة عام 1985.
محمد صبيح – بطل لا ننساه: عزيز المصري وعصره – المكتبة العصرية – بيروت 1971.
عبد اللطيف البغدادي – مذكرات عبد اللطيف البغدادي – الجزء الأول – المكتب المصري الحديث 1977.
د/ محمد عبد الرحمن برج - عزيز المصري والحركة الوطنية المصرية – مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام عام 1980.
عرض التعليقات
تحميل المزيد