تحدث الأستاذ محمد حسنين هيكل في الحلقة السابقة عن حادث 4 فبراير 1942، واتهامه لأطرافه بالتسبب في حدوثه رغم تأكيده بأنه حادث قضاء وقدر.

وقد استند الأستاذ هيكل في سرد رؤيته عن حادث 4 فبراير على يوميات السفير البريطاني مايلز لامبسون، والتي اتضح أنها تتعارض نصوص المخاطبات الرسمية البريطانية، التي كان يرسلها السفير البريطاني لامبسون لحكومته في لندن.

ولم يعتمد فقط الأستاذ هيكل على يوميات السفير البريطاني في تفسيره لحادث 4 فبرار، لكنه لجأ أيضًا لمذكرات حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي بالإنابة، غير أنه انتقى من مذكرات الأستاذ حسن يوسف النصوص التي تتوافق مع رؤيته، بل زعم أحداثًا ورؤى لم ترد أبدًا بتلك المذكرات.

وفي حلقتنا اليوم يطالعنا الأستاذ هيكل عن الأجواء والظروف التي أدت إلى ارتكاب بريطانيا لحادث 4 فبراير 1942، ويبدأ هيكل بسلسلة من الأحداث قبيل الحرب العالمية الثانية، ولكنه فضل أولًا بإلقاء الضوء على رؤيته لردود الأفعال في مصر حيال اندلاع الحرب العالمية الثانية، وموقف كل من الملك فاروق والنخب السياسية المصرية منها، بالإضافة إلى نظرات عموم الشعب المصري الحائرة حول وقائع الحرب.

تفسير هيكل لردود الأفعال لدى دوائر الحكم المصري وطبقات الشعب تجاه أحداث الحرب العالمية الثانية قد جانبه الصواب ولنا عليه عدة مآخذ.

يقول هيكل:

الطريق البريطاني إلى 4 فبراير وبعده

كانت مصر ترقب ما يجرى في أوربا مأخوذة، وقد أدهشها احتلال «بولندا» في سبعة عشر يومًا، وعندما سقطت فرنسا ودخل «هتلر» غازيًا إلى باريس يرقص تحت قوس النصــر الشهير، تحولت الدهشة إلى انبهار؛ لأن باريس في وعس الطبقة العليا المصرية لم تكن مجرد عاصمة أوربية، بل إنها «عاصمة النور والحضارة» من عصر نابليون ومحمد على بعده، وإلى عصر الخديو إسماعيل وحفيــده الأخير على عرش مصر الملك «فاروق».

وكانت السياسة البريطانية تفهم وتدرك تأثير النفوذ الأوروبي (الفرنسي بالذات)، على الحياة الثقافية والسياسية المصرية، وظنونها أن النخب الوطنية التي تقوم بممارسة السياسة ـ بالقدر المسموح به في وطن محتل ـ فرنسية الهوى في معظمها. وكان ذلك ـ بالإضافة إلى عوامل أخرى ـ نوعًا من «العناد الخفي» إزاء بريطانيا خصوصًا وهي قوة الاحتلال التي تحجب الاستقلال وتسوف وتؤجل من وعد إلى آخر، ومن اتفاق إلى معاهدة ـ دون نهاية ترضى بها الوطنية المصرية تحقيقـًا لآمالها.

وكان «العناد الخفي» محسوسًا في القصر الملكي بأكثر مما هو مرئي، ولأن القصر لم يكن على استعداد للمعارضة الصريحة، فإنه راح يماطل حتى لا تمسك به قوة الاحتلال وتضبطه متلبسًا بمعارضة المجهود الحربي في ظل تواجد بريطاني كثيف، وانتقال في ميادين الحرب من شمال البحر الأبيض إلى جنوبه، وبه أصبحت القاهرة واحدة من القيادات الرئيسية الثلاث!.

كانت الإمبراطورية البريطانية تملك من حكمة التجربة ما جعلها تدرك مع حالة حرب أوربية عامة، فاضت مضاعفاتها على بقية العالم ـ أن ظروف الاتصال والمواصلات (وقتئذ) لا تسمح للعاصمة «لندن» أن تمارس قيادة صراع الحرب على كل الجبهات في كل القارات، وكذلك جرى تقسيم القيادة الإمبراطورية إلى ثلاث قيادات رئيسية:

1ـ قيادة عامة في لندن يتولاها رئيس الوزراء مع هيئة أركان الحرب الإمبراطورية، وهي مكلفة بوضع الاستراتيجيات العليا للحرب، بالإضافة إلى مسئوليتها المباشرة عن مسرح العمليات الأوربي.

2ـ وقيادة رئيسية في مصر مقرها القاهرة (يقودها وزير دولة بريطاني مقيم ومعه السفير البريطاني في القاهرة والقائد العام لقوات الشرق الأوسط)، وهذه القيادة لها مسئولية التصرف (في إطار الاستراتيجية العليا) وفق ما تقتضيه الظروف، بالإضافة إلى مسئوليتها عن البحر الأبيض والبحر الأحمر والدائرة المحيطة بهما أو الواقعة بينهما، وبدون الرجوع إلى لندن إلا في حالة الضرورة.

3ـ وقيادة رئيسية في الهند (وهى درة التاج) ومقرها في «دلهي» ويشرف عليها نائب الملك وحكومته في الهند، وهي مسئولة عن آسيا من بحر العرب ـ إلى بحر الصين.

التعليق

أولًا: يحاول الأستاذ هيكل في تفسيره للفقرة السابقة أن يقنعنا بالظروف والأحوال التي دفعت بريطانيا لاعتدائها على الإرادة المصرية، وارتكابها لحادث 4 فبراير 1942، بل جاهد في أن يستدرجنا إلى الإيمان بانطباع غاية في الغرابة عن ردود الأفعال في مصر، حيال سلسلة انتصارات ألمانيا النازية في بداية الحرب العالمية الثانية، وهو الانبهار بانتصارات ألمانيا وخاصة غزوها لفرنسا، فكيف يستقيم القول بأن الطبقات العليا في مصر هللوا بسقوط فرنسا مع أنها تعتبر معشوقة المثقفين والنخب السياسية؟ فالطبيعي أن هؤلاء المغرمين بفرنسا لابد أنهم صدموا من احتلال ألمانيا لقبلتهم الثقافية (فرنسا)، لكن الأستاذ هيكل أراد قلب الحقائق حتى تتوافق مع أهدافه، غير أن الحقيقة التي تغاضى عنها هيكل هي أن الدعاية الألمانية الإيطالية قد أثرت بشكل ما في تلك النخب وخاصة في عدم دخول مصر الحرب بجوار بريطانيا.

وفي هذا الإطار تحمل تقارير لامبسون للحكومة البريطانية شكواه من الدعاية الإيطالية الألمانية ومخاوفه من آثارها، وأنه يخشى أن عملاء إيطاليا وألمانيا قد يؤثرون بواسطة صنائعهم داخل القصر وخارجه على الملك فاروق بما يريده محور روما برلين، أي حيدة مصر في حالة قيام الحرب.

ففي يناير 1939 كتب السفير البريطاني لامبسون إلى وزارة الخارجية البريطانية تقريرًا يقول فيه: «وليس هناك من شك في أن الدعاية الألمانية والإيطالية تعمل على أن تزكي بين المصريين جميعًا سواء أكانوا من الطبقات العليا أم الدنيا الشعور، بأن مصر ينبغي أن تتجنب الانسياق إلى حروب إنجلترا، إذا كانت تلك الحروب لأسباب لا تمس مصالح مصر بطريقة مباشرة.

لقد توقفت الدعاية الإيطالية المفتوحة ضد بريطانيا توقفًا تامًا منذ أن صودق على اتفاقية روما، لكن الدعاية الألمانية حلت محلها وهي تعمل لصالح طرفي محور روما برلين، ولا شك أنه يوجد تفاهم وثيق بين تنظيمات الدعايتين الألمانية والإيطالية وبما يختص بمصالحنا لا يعنيا كثيرًا أي الشريكين يدير الدعاية المضادة لنا.

الدعاية الإيطالية الألمانية شاملة لكن يبدو أن أحد مجالاتها المفضلة هو ما يماثل في مصر الطبقة الأرستقراطية في أوروبا أن أي البلاط ومن يدورون في فلكه، الأتراك والمصريون المتتركون والعناصر الراقية والأكثر تعاليًا في المجتمع المصري، في هذا المجال يجد عملاء الدعاية الإيطالية الألمانية آذانًا أكثر تعاطفًا عما هو الحال في الدوائر الأكثر بورجوازية وشعبية التي لا تزال على عدائها لإيطاليا تحت لواء الوفد، وكل هذه الدعاية المقنعة والمتباينة لها غاية واحدة هي تقويض مركز إنجلترا في مصر والشرقيين الأدنى والأوسط لصالح محور روما برلين، ولابد لها أن تضعف مركزنا في أي وقت وفي أي مكان تتعارض فيه مصالح بريطانيا العظمى مع مصالح العالم المصري العربي.»

ثانيًا: لم يكتف الأستاذ هيكل من اتهام النخب السياسية والطبقة العليا في مصر من الانبهار بألمانيا النازية، بل أدخل الملك فاروق في دائرة هذا الاتهام ووصفه بالعناد الخفي بل المحسوس ومعارضة المجهود الحربي الذي سوف تقدمه مصر لبريطانيا، لكن على الرغم من أن الملك فاروق كان لا يود الإنجليز كونهم محتلين لوطنه إلا أنه في الوقت نفسه لا يتمنى الاحتفاء بدول المحور كما يتصور هيكل، فأوروبا في نظر الملك فاروق دول احتلال وإن اختلفت المناهج والأساليب، وعلى ذلك فقد التزم الملك فاروق بالاتفاقات والمعاهدات التي ربطت بين مصر وبريطانيا.

وبعد تأرجح العالم على حافة الحرب لمدة أسبوع من إنذار هتلر في 22 سبتمبر 1938 بالتدخل المسلح في تشيكوسلوفاكيا حتى تم الوصول إلى تسوية في مؤتمر ميونيخ في 29 سبتمبر 1938 بفضل سياسة التهدئة التي اتبعتها بريطانيا وفرنسا.

في تلك الظروف اتجه الجانب البريطاني إلى الحصول على تعاون أكثر من مصر، واستجاب الجانب المصري إلى ذلك بحذر كما يتضح في رسالة سير مايلز لامبسون إلى لورد هاليفاكس (وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت) رقم 1197 في نوفمبر 1938 حيث يقول: «كان موقف كل من القصر والحكومة تجاه التعاون الإنجليزي المصري نحو متطلبات الحرب كما نرتجيه ولو أنه في نهاية الأزمة أدى الخوف من التورط في الحرب إلى شيء من التردد بشأن ما تقتضيه المعاهدة من مصر بدخولها الحرب.

وفي نهاية الأزمة فإن موقف الحكومة وكذلك موقف الملك فاروق تجاه بريطانيا العظمى ظل وديًا وسليمًا سواء في المجال الدولي العام أو في التدابير المحلية الخاصة بتعاوننا كحلفاء».

وبحلول مايو 1939 كتب لامبسون: «أن موقف جلالته أصبح أكثر ودًا وأبعث على الرضاء وما يزال يخالط أتباعه الإيطاليين غير المرغوب فيهم بما فيهم حلاقه والكهربائي وفيروتشي.

وقد أخبرت جلالته على المفتوح ولكن بدون إهانة ظاهرة، أنه من غير المرغوب فيه أن يحيط أول ملك لمصر المستقلة نفسه بغير المصريين.

وعلى الرغم من كل هذه السقطات فقد برهن جلالته على رجاحة عقله تجاه الحالف إبان الأزمات الدولية.»

ثالثًا: أشار هيكل في معرض حديثه هذا أن مهمة القيادة الرئيسية للقوات البريطانية في القاهرة هي قيادة والحرب إدارتها في الشرق الأوسط، وهي بالتالي مسئولة عن البحر المتوسط والبحر الأحمر والمناطق الواقعة بينهما، وهذه الإشارة من الأستاذ هيكل ليست دقيقة مما يدل على أن الأستاذ هيكل ليس بقارئ جيد للتاريخ.

وللدقة كما يقول الجانب البريطاني عن مهام قيادة مقر القاهرة للقوات البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية، بأنها مهام تتجلى عندما يكون هناك تهديد للمصالح البريطانية ولسلامة القاعدة البريطانية في مصر مما يستدعى التدخل. وهنا أشار الجنرال ويلسون إلى أنه حين وصل مصر في يونية 1939 ليتولى قيادة القوات البريطانية فيها لفت نظره ضآلة القوات التي يتولى قيادتها بالنسبة المهمة المسندة إليها وهي الدفاع عن مصر والسودان من جهة والمحافظة على الأمن من الداخل من جهة أخرى.

إذن مهام قيادة القوات الإنجليزية بالقاهرة هي إدارة عمليات الدفاع عن مصر والسودان، وليس كما يدعي هيكل بأن مهامها هي إدارة عمليات الحروب التي تخوضها القوات البريطانية في الشرق الأوسط.

وللحديث بقية إن شاء الله

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

هيكل

المصادر

محمد حسنين هيكل – مجلة وجهات نظر – مقالات شهر مايو2002.
محمد حسنين هيكل – كتاب سقوط نظام طبعة دار الشروق عام 2003 ص 18 و19 و20 .
د/ محمد صار عرب - حادث 4 فبراير 1942 والحياة السياسية المصرية – دار المعارف القاهرة 1985.
د/ عبدالعظيم رمضان – مصر والحرب العالمية الثانية – معركة تجنيب مصر ويلات الحرب – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997.
عرض التعليقات
تحميل المزيد