قِراءَة في رِوايةِ الجَّحيم لـ«دان براون»

«أَحلكُ الأمَاكنِ في الجّحِيم هيَ لأولئكَ الذين يُحافظونَ عَلى حِيَادهم في الأزماتِ الأخلاقيّة». بهذه  العِبارة افتَتَحَ براون رِوايته «الجّحيم»، والّتي اختارَ رائعة «دانتي» «الكوميديا الإلهية» مَسَارًا لها وَمُحركًا لمُجرياتها، مستعينًا بعددٍ من النّصوص والأعمال الفنيّة والموسيقيّة لفنانينَ تأثّروا بهذا العمل الخالد لونًا وموسيقى.

والكوميديا الإلهية هي شِعرٌ ملحمِيٌّ ألفه «دانتي أليغييري» ما بين 1308 م حتى وفاته عام 1321م. وتُعدُّ من أهمِّ وأبرزِ المَلحَمات الشعريّة في الأدبِ الإيطالي، ويرى كثيرون أنَّها من أفضل الأعَمالِ الأدبيَّةِ في الأدبِ على المستوى العالمي. وتحوي هذهِ المَلْحَمة الشعريّة على نظرةٍ خيَاليّةٍ حول الآخرة بحسب الرؤيا المسيحية وتطّوراتها إثرَ تأثرها بفلسفةِ القرون الوسطى، وتنقًسِمُ الكوميديا الإلهيّة إلى ثَلاثة أجزاءٍ: الجحيم، المطهّر، والجنّة.

ويعد  قِسمُ الجّحيم الأشهرَ في هذه الملحمةِ، الذي تتألّف من 34 مقطعًا أو أنشودةً، بينما يتألف القسمان الآخران من 33 مقطعًا، أي أن الكوميديا الإلهية مكوّنَةٌ من 100 مقطعٍ أو أنشودةً كَكُل. وتتألف الملحمة من 14233 بيت شعري. ورحلة دانتي في الآخرة بحسب أحداث الملحمة استغرقت أسبوعًا؛ يومان في الجّحيم، وأرَبعةٌ في المطهّر، ويومٌ في الجنَّة. وعلى هذا التقسيمِ بنى (داون بروان) ملحمتَهُ.

وكأعمالهِ السّابقة كانَ بطلُ المغامرة (لانغدون) الباحث في علم التاريخ والأساطير، والذي يستيقظ إثرَ كابوسٍ غريب؛ ليكتشفَ أنَّهُ راقِدٌ في المستشفى لا يستطيعُ أن يتذكّر ما حَدَثَ معه خلال السّاعاتِ الست والثلاثين الأخيرةِ أو مصدر ذلِكَ الشيء الرّهيب الذي اكتشفَهُ الأطباء بين أمتعته. في لعبةٍ دراميّةٍ عوَّدنا براون على حِرَفِيّتِه في صياغتها.

«لانغدون» يبدأُ من ذَاكرتِهِ المفقودةِ، وبِمُساعدة عدّة أشخاصٍ بَجمعُ خيوط الأُحجيةِ، التي تبدو كأنَّها وصيٌّة قادمةٌ من عالم الجّحيم، لتُحفّز المُشاهد وَتَجعله يَتتبعُ الحَدَثَ البوليسي بأنفاسٍ متسارعة، متعاطفًا مع «لانغدون» مُديناً كلَّ من يَقِفُ بوجهه؛ ليكتشف الحقيقة المرعبة في الأجزاءِ الأخيرةِ للرّواية.

وبالرغمَ من مَشْهَدِ الانتحار الغريبِ الذي يبدأُ بهِ العَمَلُ في إطار «بارسيكولوجي»، سَيَجِدُ القارئ أنَّ هذا الانتحارَ هو  لبُّ الأحجية التي لن يَكشفِهَا براون، إلا لِقارئ تَتَبع خيوطَ العمل، حتى وُرَيقَاتِهِ الأخيرة، وكما عَوّدنا يُبقي لنا لُغْزَنا الخاص الذي خاضَ لأجلِهِ هذه الحرب.

وقارئ براون سَوفَ يَسْتَمْتِعُ بالتّصويرِ الفنّي للمشاهد الدراميّة، والتي يَكشف لنا الكاتِبُ فيها جَمال الحضارةِ الأوربيّةِ في عصرِ النّهضةِ من خلال الجوِّ السّحريّ لآثار فلورنسا المدينة الإيطاليّة العريقة، لِيَنْتَقِلَ بنا إلى البندقيّة، جنيف، إلى خطِّ الوَصْلِ بَيْنَ شَرقِ العالم وَغَرْبِهِ استانبول. وهُوُ بالرَغمَ من إشارته إلى تلك العلاقةِ القاتلةِ بين طرفَيّ العالم «الطاعون جاء من الصّين عَبر السّفن التجاريّة إلى فلورنسا، ومنه انتَشَر إلى أوربا»، إلا أنَّ هذا الوباء الذي قَضَى على نِصْفِ سُكّان أوربا، عجّل بظهورِ عصر النّهضة، ولولا هذه الكارثة؛ لعانت أوروبا من أزمات اقتصاديّة وبطالةٍ وفَقْرٍ». وبهذا يُظهر براون الحلَّ الشّرير الذي سوف يُنْقِذُ العالم.

وقد يظنُّ البعض أن براون ترك الشرّ يَنتصر، ليَعُمَّ خيرٌ عميمٌ بعده «أصبحت السماء بساطًا مزدانًا بالنجوم»، وقد يتعمّق هذا الإحساس، عندما يقرأ وصية «بيرنتاد زوبرست»، وهو البَطَلُ الشّرير الذي يُلاحق لانغدون أُحْجِيَتَهُ المدمّرة للبشريّة «هديتي هي الخَلاص..هديتي هي الجّحيم»، لكنْ من يَقرأ دانتي كما قَرأه براون، وكما اكْتَشَفَهُ لانغدون عبرَ تَتَبعه لكلمات دانتي في رائعته الكوميديا الإلهيّة يُدرِكُ أنَّ «قصيدة دانتي ليست عن بُؤسَ الجحيم، بل عن قوّة الرّوح البشريّة، وقُدرتها على مواجهة التحدّيات مَهما بَلغت صعوبتها».

وهكذا يقف «براون ـ لانغدون» في إحدى المشاهد الدّراميّة، أما لَوحة «دانتي أليغييري» للفنان «ميكيلينو»، الذي يصوّر دانتي فيها واقفًا فيها أمام جبل المطهّر حاملًا بين يديه تحفته الكوميديا الإلهية. ينظر لانغدون في عينيّ دانتي محاولًا أنْ يرى من عيونِ الموت ما عَجِزَ الأحياءُ عَنْ إدراكِهِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجحيم
عرض التعليقات
تحميل المزيد