عاش المواطن الغزاوي عشر سنوات من الحصار الخانق، الذي أتى على الأخضر واليابس في هذا القطاع البائس، الذي لا تتجاوز مساحته بضعة كيلومترات، وأول شيء أتى عليه هذا الحصار هو الإنسان الغزاوي، الذي أصبح لا قيمة له في هذا القطاع المحاصر، بل أصبح أرخص شيء وأقل قيمة من كل شيء.

أخبرني ماذا تريد من إنسان فقد كل شيء، فقد كل معنًى للحياة، والشيء الوحيد الذي يدل على أنه ما زال على قيد الحياة أنه يتنفس فقط، لا توجد روح ولا طموح ولا حلم، لا يوجد إلا وقع أليم حزين، جعل من الإنسان أرخص شيء فيه، فأي إنسان هذا؟ وماذا تنتظر منه أن يفعل؟ أتنتظر منه أن يفعل المعجزات! وهو غير قادر على الحصول على أبسط مقومات الحياة، على أقل الأشياء التي تجعل منه إنسانًا له وزنه وقيمته في هذه الحياة.

وعندما تنظر إلى الشباب الغزي، ترى كل ما لا يسرك رؤيته، فترى اليأس والإحباط، وفقدان الأمل، فالحلم ممنوع، والطموح غير مرغوب فيه، والواقع يفرض عليك كل أنواع القيود والأغلال ليجعل منك مسخًا وليس إنسانًا مكرمًا عند الله، فماذا تريد أن ترى من هذا الشباب بعد ذلك؟

والشباب هم عماد المجتمعات وسر قوتها، وبناة عظمتها، ولن يستطيع أن يبني مجد الأمة إلا شباب حر يستطيع الحصول على أبسط مقومات الحياة، وليس شباب لا يجد قوت يومه، ولا يجد حوله إلا كل ما يثبط عزيمته من مظاهر اليأس والإحباط، فترى الشباب الغزي وهم في عمر القوة والفتوة قد بان على ملامحهم كل أنواع العجز والضعف نتيجة هذا الواقع المؤلم الحزين، الذي جعل منهم طاعنين في السن وهم في عمر الشباب نتيجة الهموم والأحزان التي لا تفارقهم.

إن ما حصل في غزة وما زال يحصل هو جريمة في حق الإنسان الغزي، وعلى كل الأطراف أن تتحمل مسؤوليتها تجاه المجتمع الغزي، الذي أصبح يعيش في جحيم لا يطاق، فلا كهرباء، ولا ماء، ولا فرص عمل، ولا قطاع صحي، ولا قطاع تعليمي، فكل شيء في غزة تعرض لأبشع أنواع الجرائم، والكل مسؤول ولا يعفى أحد من هذه المسؤولية، بالرغم من تفاوت المسؤولية بين جميع الأطراف، وعلى رأس هذه الأطراف الإنسان الذي يتدعى بأنه رئيس لكل الشعب الفلسطيني، ومع ذلك يمارس أشد أنواع العنصرية ضد قطاع من هذا الشعب الذي يدعي أنه رئيسه، والمسؤول الأول عن كل ما جرى ويجري في قطاع غزة.

وبالرغم من المسؤولية التي يتحملها محمود عباس، إلا أني لا أعفي أحدًا من هذه الكارثة التي حلت بالإنسان الغزي، والتأريخ لا يرحم وسيحاسب كل مسؤول عن تقصيره في أداء مسؤوليته التي أمنه الله جل جلاله عليها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». ولا يسعني في هذه السطور القليلة إلا أن أطلق صيحة تحذير مما يحصل في غزة، فالكارثة التي حلت بالمجتمع الغزي تهدد بانهياره على كافة الأصعدة والمستويات، ولن ينجو أحد من هذا الانهيار، ولتجنب هذه الكارثة، علينا أن ننهي هذا الانقسام الذي مزق شقي الوطن، وجعل من الإخوة أعداءً، ومزق وحدة النسيج الفلسطيني.

فما يحدث في غزة لا يتحمله إنسان، والكل مطالب بإنقاذ الوضع القائم في غزة، والذي يهدد بانفجار لا تحمد عقباه، وستطول شظاياه الجميع بلا استثناء، والكل سيعاني من جروح لا تلتئم من هذا الانفجار الذي يوشك أن يقع، فأفيقوا أيها الناس قبل أن تأتي ساعة الانفجار، وسنقول حينها يا ليتنا كنا نسيًا منسيًا قبل هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد