لما فقد عبد الناصر جزءًا كبيرًا من شعبيته في دمشق عام 1961، خشي على ضياع ما تبقى منها، لكن خوفه كان أكبر من تنامي قوة من أسماهم بالرجعيين وأصحاب رؤوس الأموال؛ ما كان وراء اندفاعه بالتدخل العسكري في اليمن لصالح الجمهوريين في ثورتهم عام 1962، ظنًا منه أنه يستطيع الحد من نفوذ آل سعود، بعدما أعلن أنهم وراء فشله في سوريا وفض الوحدة التي بدأها منذ 1958.

في ذات الوقت كان فيصل آل سعود الذي أصبح رأسًا للسلطة بالحجاز منذ 1964، يبذل جهدًا مضاعفًا لمواجهة ضغوطًا شعبية هائلة قادتها مجموعات عمالية داخل أراضي الحجاز متأثرة بالمد القومي الناصري؛ مما فتح باب لسلسلة من الصراعات العربية المستمرة بين الجمهوريات الجديدة التي اعتنقت مبادئ القومية العربية، وبين الممالك التقليدية بقيادة فيصل، فيما عرف بالحرب العربية الباردة، كما عرفها السياسي الأمريكي Malcolm H. Kerr، إشارة لتفاعلاتها مع الحرب الباردة بين الرأسمالية الأمريكية والماركسية السوفيتية حينها.

مع هزيمة 1967، دعت العراق التى تربطها بمصر بعض المشروعات الوحداوية، الدول النفطية لمنع تصدير النفط للدول المتحالفة مع إسرائيل وفي مقدمتها أمريكا وبريطانيا، وذلك ما طبقته العراق بالفعل بدءًا من يوم 6 يونيو (حزيران)، فاهتزت بذلك شعبيه فيصل بشكل مبالغ، خاصة بعد محاولاته قمع الأصوات التي تدعو لوقف إمدادات البترول عن الولايات المتحدة، وتأميم شركة أرامكو، وبدأ فيصل في مواجهة حالة واسعة من الاستنكار داخل الحجاز، بل داخل جميع الأوساط العربية حتى قمة الخرطوم في 29 أغسطس (آب) عام 1967.

إلى الخرطوم ذهب فيصل محملًا بالقلق من تنامي الاحتجاجات الشعبية في الحجاز، متهمًا عبد الناصر بالسعي المستمرة لزعزعة سلطان آل سعود، وأثناء المؤتمر صرح أن البترول ليس سلاحًا حربيًا، بل موردًا اقتصاديًا يتعين استخدامه في حدود المصالح الاقتصادية، معلنًا رفضه لحظر التصدير؛ على أن يستخدم جزءًا من عوائد التصدير لمساعدة دول المواجهة، وقد نجح في تمرير مقترحه مستغلًا الاحتياجات المالية لتلك الدول وعلى رأسها مصر؛ من أجل رفع آثار الهزيمة، ودعم خطط إعادة البناء والإعداد للمعركة القادمة مع إسرائيل.

بكثير من الدهاء السياسي دفع فيصل – المُطالب بالزعامة التي حُجبت عنه في وجود عبد الناصر صاحب الشعبية الطاغية حينها – ثمنًا لبقائه على عرشه، معيدًا الهدوء إلى مملكته، ومحافظًا على مصالح أصدقائه الأمريكان، بعدما مانع حظر النفط عنهم، وهكذا رحل فيصل عن الخرطوم منتصرًا على غريمه، بعدما استقبلته الجماهير السودانية بهتافات من نوع (ورا جمال يا فيصل).

لكن القليل من السنوات كانت قد مضت بعد هذا الاستقبال الهزيل لفيصل في الخرطوم سائرًا خلف موكب عبد الناصر المهزوم، وبين مواكب النصر عام 1974 ترحب ببطل معركة البترول، وتجوب بفيصل مدن مصر حين استقبله السادات في احتفالات أكتوبر بحشد جماهيري كبير يرفع رايات الترحيب، وفي مقدمة هذا لافتات.. مرحبًا ببطل معركة العبور، وبطل معركة البترول.

هكذا تُوج فيصل بين المصريين والعرب زعيمًا وقائدًا لمعركة البترول، تزامنًا مع اختياره رجل العام لغلاف مجلة التايم الأمريكية، استكمالًا لقصة حظر البترول التى حوت الكثير من الإثارة المُفتعلة؛ والتي نُسجت بهدف التقليل من شأن النصر الذي تحقق بسواعد ودماء المصريين والسوريين، كعنصر نفسي كان يجب تحطيمه لصالح العُقدة السعودية، ولكي يكونوا القوة الأكثر فاعلية في المنطقة، بإدعاء أن ذاك النصر تحقق بالنفط وحده.

ومن الغريب أن السادات كان قد عرض من جديد على فيصل في أغسطس عام 1973، استخدام النفط كأداة ضغط سياسية، وعلى العكس ما تم نشره والترويج له، لم تجد الفكرة صدى لدى فيصل الذي أكد من جديد أن البترول موردًا إقتصاديًا وليس سلاحًا حربيًا، ولا يبدو واضحًا ماذا قدم فيصل بعدها حتى يخرج السادات لاستقباله في القاهرة بعد المعركة بهتافات شعبية (بالروح بالدم نفديك يا فيصل).

مع بدء العمليات العسكرية المصرية السورية في أكتوبر (تشرين الأول)، استمرت معارضة فيصل لحظر البترول، لكنه في 19 أكتوبر اضطر لتفعيل الحظر بما لا يضر بالمصالح الأمريكية الحيوية، تفادياً لحالة الغضب التي سرت بين الجماهير العربية، خاصة بعد اعتماد الكونجرس الأمريكي معونة عسكرية عاجلة لدعم إسرائيل. ومن المؤكد أنه منذ استتب ملك آل سعود في الحجاز عام 1932 على يد عبد العزيز؛ اعتبر البترول موردًا اقتصاديًا أساسيًا لجلب الثروة التي تستخدم في دعم وجودهم بالحكم، وذلك عبر إدارتهم لتلك الثروة لصالح المؤسسات والجهات التي تدعم بقاءهم على العرش.

وإن اعتمدت السعودية سياسات بترولية جديدة بدءًا من عام 1970 تهدف لزيادة الأسعار وتعظيم العائد، إلا أنه ومع اللحظات الأولى من معركة أكتوبر أعلنت السعودية خفض الإنتاج بنسبة 15%؛ مما أدى إلى رفع سعر الزيت الخام بنسبة 70% فوصل سعر البرميل إلى 5دولارات و12 سنتًا؛ لتحصد السعودية أرباح ضخمة لم تعتد عليها. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1973 وبعد انتهاء المعركة عمليًا، تم زيادة نسبة تخفيض الإنتاج إلى 25%، وفي ديسمبر من نفس العام تم رفع الأسعار بنسبة 70% من جديد، ليصبح سعر البرميل 11.5 دولار متخطيًا أضعاف ما كان عليه قبل أكتوبر.

وبعدما شكلت تلك الطفرة البترولية ثروات هائلة لحكام الخليج؛ أعُلن في مارس (آذار) عام 1974 امتلاء الخزائن وإنهاء الحظر، وعلى هذا فإن دول الخليج وعلى رأسهم السعودية تَدِّين لمصر وسوريا بتعاظم ناتج ثروتهم البترولية، بل إن رغبة أل سعود ومحاولاتهم المستمرة في طمس الحقائق والتقليل من قيمة ما بذله الشعب المصري والسوري من نضال في مواجهة العدو الإسرائيلي، تجعل من استمرار البحث الدؤوب فيما وراء دوافع التزيف التاريخي أمرًا ضروريًا، وتحثنا على التأكيد دائمًا وابدًا أن نصر أكتوبر قد تحقق عبر كفاح طويل ومعاناة عظيمة دُفع ثمنها دماء الشرفاء، لا نفط الجبناء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد