ضجت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام بمقطع الفيديو الذي كان الرئيس الشيخ سعد الحريري بطله، في إحدى شركات الطيران حيث غنى مع موظفي الشركة الأغنية الخليجية الجديدة ذائعة الصيت: هلا بالخميس.

أغلب المتابعين ظنوا المقطع نوعًا من المزاح أطلقه الشيخ سعد، بغض النظر عن تأييدهم للمقطع أو معارضتهم، لكن لم يتصور أحد أن الحريري بالفعل كان جادًا حين قال: هلا بالخميس، فالمعروف عن هذه الأغنية أنها نوع من الدعابة لاستقبال عطلة نهاية الأسبوع، لكن الحريري هذا المرة استخدمها لاستقبال عطلة طويلة الأمد.

أطلّ الشيخ سعد الحريري على قناة العربية وفي الرياض، يوم السبت 4/11/2017 ليعلن استقالته من رئاسة حكومة لبنان، في سابقة هي الأولى من نوعها في بلد الديمقراطية الأول في الشرق الأوسط، فإن استقالة بهذا الشكل تعني بالضرورة فقدان رئيس الحكومة قدرته على اتخاذ قراراته من داخل لبنان، مما دفعه لمغادرة البلاد وإطلاق تصريح الاستقالة المفاجئ.

نستطيع أن نقول الآن إن الالتباس زال حول توقيع الحريري على قرار فتح السفارة اللبنانية في دمشق، فالرجل كان محاصرًا أو مكبّلاً بمعنى أدق.

لا سيما وأن حزب الله قد كشر عن أنيابه في الفترة الماضية القريبة، وما زالت في الأذهان صور من أجبرهم على الاعتذار من «كعب سباط السيد» وعلى الهواء مباشرة، ناهيك عن العربدة العسكرية المفضوحة، والقبضة الأمنية والمخابراتية التي يدير بها الحزب لبنان، وقد تحوّل من دولة داخل الدولة إلى دولة تحتل دولة، وصار لبنان أشبه بالسجن الكبير، غابت كل ملامح الديمقراطية التي كانت تميّز لبنان في حضرة الديكتاتوريات والملكيات والإمارات العربية هنا وهناك.

وفي السياق نفسه لعلّ حليفة الحريري الأولى المملكة العربية السعودية تريد أن تزيد الخناق على إيران، فهي في العراق تحاول سحب البساط الشيعي والحكومي العراقي من تحت أقدام ولاية الفقيه، وتلعب على وتر الخلافات السياسية بين أحزاب العراق لتعيده إلى الحاضنة العربية، وقد حدّت المملكة بتحالفها – وإن كانت النتائج لم تكتمل – من الخطر الحوثي، وجاء دور الذراع اللبنانية لإيران، تزامنًا مع التقارب الروسي التركي من جهة والروسي السعودي من جهة أخرى، على حساب الحلف الروسي الإيراني في سورية، كلّ هذه المعطيات تدفع السعودية إلى تبنّي استقالة الحريري ودعمها، وقد تؤيدها بقطيعة دبلوماسية خليجية مصرية أردنية، وربما تنضم المغرب والسودان لهذه القطيعة، مما يقوّض الحزب ويكبّله ويعيده إلى حجمه الطبيعي.

لن تكون هناك حرب في لبنان، ولا نية لدى أي طرف لبناني أو إقليمي لإشعال مثل هذه الحرب، لكنها مرحلة عضّ أصابع ومكاسرة عيون إن صح التعبير.

الحريري خلط مجموعة أوراق في هذه الخطوة التي خطاها، هو لم يعد الحريري الولد المدلل الذي لا يفقه في السياسة ولا يجيد فنونها، استطاع أن يوجه عدة رسائل مختلفة في وقت واحد، ولكنه بنظري أخطأ في الاستقالة، فهو الآن أصبح خارج اللعبة السياسية اللبنانية الحالية على أقل تقدير، وسيجد الحزب شخصية سنّية يسد بها الفراغ شبيهة بشخصية عمر كرامي التي استفاد منها في أزمات سابقة، إن لم يكن كرامي نفسه هو المرشح لذلك، كما أنّه اليوم ظهر بمظهر الضعيف الهارب، بالتأكيد لن تكرر السعودية تجربة عبد ربه منصور هادي مع الحريري، ولو أرادت ذلك لكانت ثنته عن الاستقالة، كي يبقى ورقة رابحة وغطاءً شرعيًّا لأي تدخل سعودي، ولكنها لا تفكّر بأكثر من الضغط والتضييق على الحزب وعضّ الأصابع الإيرانية مرة أخرى، وإضافة جولة رابحة أو تسديدة في مرمى الولي الفقيه.

كان لبنان هو ساحة تصفية الحسابات الإقليمية منذ عقدين من الزمن وأكثر، وكان المعسكران السعودي والإيراني يوجّهان لبعضهما اللكمات على الأرض اللبنانية، ولكن ومنذ اندلاع الثورة السورية وانخراط إيران وميليشياتها في الحرب الدائرة هناك تحولت ساحة تصفية الحسابات إلى سوريا، ولكنها اليوم وبعد سبع سنوات تعود الساحة إلى لبنان ويعود المعسكران إلى حربهم الباردة السابقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد