«هيفوت أغسطس وسبتمبر وجاي خريف.. يقصف فروع الشجر لما يهب عنيف.. والكون يلفه الظلام والريح صفيرها مخيف.. وأنتم يا أطفال حيارى من رصيف لرصيف».

هبطت عليَّ فجأة هذه الكلمات حين وقعت عينيّ على حمزة – بثيابه المهترئة الرثة- وهو يفترش أحد الأرصفة سريرًا، وقفت وقتها صوبه فاغر الفم مدهوشًا، متذكرًا كلمات عم بيرم التونسي – عليه رحمة الله- التي تلخص حال حمزة وحال مئات الآلاف من رفاق حمزة.

لم يكن حمزة هو الطفل الأول الذي أراه وهو على هذه الحال، فأثناء دراستي الجامعية رأيت عشرات الأطفال الذين هم على شاكلة حمزة، وفي كل مرة كنت أراهم، كنت أطرح على نفسي تساؤلًا يقول: كيف يعيشون على هذه الحال؟ ولكن الآن بتُّ أرى هذا التساؤل الذي طالما طرحته على نفسي ساذجًا وسخيفًا ولا جدوى منه على الإطلاق، خاصة حين رأيت حمزة مؤخرًا ومن قبله كارلوس وفارس ومحمد ويوسف، فحل محله تساؤلات أخرى أعتقد أنها أكثر واقعية وأهمية تقول: إلى متى سيظل هؤلاء الأطفال على هذه الحال؟ إلى متى سيظل حمزة صاحب العشر سنوات مفترشًا الأرصفة أسِرَّةٌ؟ وإلى متى سيظل كارلوس صاحب الخمس سنوات حائرًا بين السيارات في الشوارع كي يبيع المناديل؟ وإلى متى سيظل محمد صاحب الاثني عشر عامًا يتسول لكي يصرف على أمه وإخوته على حد مزاعمه؟ وإلى متى سيظل فارس صاحب الست سنوات سائرًا بين المقاهي حافي القدمين يستجدي من الناس جنيهًا؟ وإلى متي سيظل يوسف صاحب السبع سنوات يعمل في ورشة ميكانيكي وهو محروم من حقه في الدراسة والراحة؟ إلى متى سيظلون هم وجميع رفقائهم يستخدمون استخدامًا اقتصاديًّا؟ متى سيتمتعون بطفولتهم على غرار أقرانهم؟

لا تقلق فأنا لن أصدع رأسك بالكلمات التي تؤنب الضمير، ولن أقول لك كلمات أستجدي بها عطفك لكي تتعامل بلطف حينما ترى رفيقًا من رفقاء حمزة، صدقني فلم يعد هذا يشغلني على الإطلاق، ولكن يشهد الله أن الذي يشغلني الآن حقًّا هو أن أرى قبل أن أموت تغيرًا ملموسًا للأفضل بالطبع على حياة حمزة ورفقائه، فأراهم جميعًا يومًا ما سُعداء يستمتعون بطفولتهم المسلوبة، وحتى لا يذهب عقلك بعيدًا، فأنا لا أقصد أن أحملك ما لا طاقة لك به فأنا أعلم أنك قليل الحيلة مثلي، لذلك أسمح لي بأن أخاطب السادة المسؤولين:

أعزائي المسؤولين، تحية طيبة وبعد، اسمحوا لي أن أبدأ كلماتي معتذرًا عن اتهامي لكم مسبقًا بالتقصير، فأنا علمت مؤخرًا مشاغلكم الكثيرة، كان الله في العون، وأرجو أن تتقبلوا أسفي أيضًا عن اتهامي السابق لكم بأنكم عندما تقدمون إلى الأطفال المُعدمين مساعدات فإنكم تقدمون إليهم مساعدات مُغرضة لا مساعدات صادقة نابعة من القلب أو صادرة من مسئوليتكم وواجبكم اتجاههم، فأنا فهمت مؤخرًا أنكم حينما كنتم تصورون أنفسكم معهم وتنشرون الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تبثون لقاءاتكم عبر التلفاز مع بعضهم بعد أن يقوم معاونو حضراتكم بتشطيفهم وتنظيفهم وتلبيسهم الثياب الجديدة، كنتم تصورونها وتبثونها ليست لأغراض انتخابية، أو لكي تصدرون أنفسكم في مشهد إنساني مثير للجيوب الأنفية والدموع، ولكن لأنكم كنتم تريدون أن تعطوا بارقة أمل لكل الأطفال الذي يفترشون الأرصفة، ويبيعون مناديل في إشارات المرور، أو يبيعون الغزل في الشوارع، أو يعملون في الورش أو يتسولون تحت وطأة قرصة الجوع أو مدفوعين من ذويهم أو من المعلم الذي يسرحهم، فربما يأتي الدور على أحدهم ويعيش يومًا هادئًا لطيفًا في حضرة سيادتكم.

أعزائي المسؤولين أعرف مسبقًا أني أتفه من أن اُعدل عليكم أو أسدي إليكم النصائح، ولكن أمانة المُحب – استغفر الله العظيم يارب- تقتضي أن أوصيكم بالإكثار من هذه المشاهد الإنسانية، لاسيما مع هؤلاء الأطفال، وأرجو أن تتوخوا الحيطة جيدًا، وحين تقدمون مساعدات لهم تكون مساعدتكم دائمة أو على الأقل طويلة الأمد، لا مساعدات وقتية تنتهي بإنتهاء المشاهد التي تصدرونها للخلق، حتى لا يطل على الرأي العام في يوم من الأيام من خلال وسائل التواصل الإجتماعي مدون أو صحافي يصطاد في الماء العكر، ويتهمكم باتهامات ملفقة بأنكم تأخذون اللقطة وحسب، كما حدث مسبقًا مع رجل أعمال بارز حين جاء «دلاديله» بطفل يراقص الكلاب في الشارع وتعهد بأن يدخله المدرسة وينفق عليه في مشهد إنساني مميز، لتنهال عليه عبارات الثناء على مواقع التواصل، قبل أن تتحول إلى عبارات تهكم عليه، بعد أن وجده صحافي بالصدفة وهو في المكان نفسه يراقص الكلاب، وإشارتي هذه لا تعني أني أصدق هذا الكلام فأنا أعرف مسبقًا أن هذه الاتهامات بعيدة عنكم كل البعد، ولكن للأسف الشديد غيري لا يعرف.

أعزائي المسؤولين اسمحوا لي بأن أثقل عليكم قليلًا، فأنا كلي عشم في رحابة صدوركم، فالأمانة أيضًا تتطلب مني أن أنوه على سيادتكم بأنكم أرق من أن تحرموا بيبرس من أبيه الأستاذ محمد رمضان، أو نديم من الأستاذ زياد العليمي، أو خالد من المهندس علاء عبد الفتاح، أو أن تحرموا جدة كالأستاذة هدى عبد المنعم من أحفادها، أي بشكل عام إنسانيتكم الفريدة أرفع من أن تتورط في حرمان ابن من ابيه لمجرد أنه صاحب رأي، لذلك فأنا أرجو أن تفرجوا عن جميع المعتقلين السياسيين باختلاف انتماءاتهم السياسية، خاصة وأنهم جميعًا أبرياء من التورط في عنف أو التحريض عليه، لاسيما أن قوى الشر تتحين لكم فرصة كهذه حتى تعمل عليها وتقوم بتجريسكم بإبراز مثل هذا الأمور الصغيرة التي تتجافى كل المجافاة عن إنسانيتكم المُبهرة، وحاشا لله هنا إذا كنت أريد أن أتحدث في السياسة، فأنتم أدرى مني بأحوالها وتقلباتها و(خوازيقها)، فأنا ما زلت أتحدث عن حمزة ورفقائه، ولكني أرى أن كل طفل محروم من أبيه أو أمه أو جدته أو لأي سبب آخر هو أيضًا من رفقاء حمزة.

أعزائي المسؤولين أعرف بأني أطلت على سيادتكم، ولكني لا أستطيع أن أنهي كلماتي إليكم قبل أن أوصل إليكم وصية المرحوم بيرم التي تقول لكم «من قبل ما تزخرفوا وتزينوا الميادين…صونوا الطفولة إللى صانوها إللى مالهم دين» كما أرجو أن تسمحوا ليّ أخيرًا بأن أنضم أيضًا إليه وأوصيكم بالوصيةذاتها راجيًا ومتوسلًا إليكم بأن تغيثوا حمزة ورفقاءه ربما يرحمكم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد