في العديد من البلدان، يعدُّ عدم تقديم المساعدة لشخص في وضعية خطرة جريمة، ويعاقب القانون عليها سواءً تعلق الأمر بامتناع المتهم بها عن التدخل الشخصي أو عن طلب المساعدة (ما دام تدخله في الحالتين لا يشكل تهديدًا لسلامته أو سلامة الآخرين)، كما يعاقب القانون أيضًا على عدم التبليغ عن جريمة في حالة وقوعها، فيعدُّ الشاهد الذي يتستر على الجاني شريكًا له في هذه الجريمة.

من جهة أخرى، وبشكل عام، يؤدي تقديم المساعدة لشخص من أجل ارتكاب جريمة أو أثناءها، إلى المتابعة القانونية؛ بل ويعد التحريض على الإقدام على جريمة، جريمة في حد ذاته.

فإن أنا تجاهلت استغاثة شخص يطلب النجدة بعد أن تم طعنه، أعتبر مجرمًا؛ وإن أنا رأيته يطعن أو علمت أنه مطعون ولم أبلغ عن الحادث أكون مجرمًا؛ وإن قدمت السكين للذي طعنه ليستعمله لهذا الهدف؛ فإنني أكون مجرمًا، وإن أنا شجعته على إيذائه أو قتله أكون مجرمًا أيضًا. أحكام أجدها شخصيًّا منطقية ومشروعة، لكنها تدفعني للتساؤل حول حالة خاصة أجدها تقبل الإسقاط جزئيًّا على هذه المبادئ ورغم ذلك، قانونيًّا، غالًبا لا تخضع لها.

أتحدث عن الانتحار وألمح لتساؤلات من قبيل: إن أنا علمت أن شخصًا قد تملكته أفكار انتحارية، ولم أقدم له الدعم أو أطلب المساعدة من أجله، أولا أعد مجرمًا؟ وإن أنا علمت أو شككت في أنه ينوي الانتحار فعليًّا، ولم أخبر أحدًا، ألا أكون مجرمًا؟ إن أنا كنت سببًا من الأسباب التي جعلته ينتحر، هل أنا مجرم؟ ماذا عن إرشاده خلال استعداده لعملية الانتحار أو تسهيل الظروف وتسخير الإمكانات لأجله لارتكاب فعله بسرعة وسهولة، ألست مجرمًا في هذه الحالة؟

قد يكون الجواب على السؤال الأخير أكثر سهولة من البقية؛ فباعتبار الانتحار جريمة، تعد مساعدة المقدم عليها جريمة أيضًا ويتطلب الأمر لإدانته إيجاد دليل على مد يد العون للمنتحر قبل أو خلال عملية الانتحار، بهدف تيسيرها.

أما الأسئلة الأخرى، فتبقى معلقة؛ فمن جهة، يتعلق الأمر بمواقف تستلزم وجود دلائل على أشياء تكون في غالب الأحيان غير مادية ويصعب إثباتها، ومن جهة أخرى، يصعب فيها تحديد المسئوليات؛ ولربما كان هذا ما يفسر الفراغ القانوني الموجود في هذا الصدد، والذي أجد فيه ما يشبه ثغرة تسمح بارتكاب جريمة كاملة.

جريمة كاملة لأن مرتكبها لا يترك دليلًا خلفه، وقد يمضي حياته كاملة دون أن يشير إليه أي إصبع اتهام أو اشتباه أو حتى إدراك لكونه ارتكب جريمة أصلًا؛ بل هي جريمة أكثر من كاملة، كونها جريمة بلا أثر، سواءً أثر المجرم أم أثر وقوع الجريمة.

وفي ظل صعوبة أو عدم إمكانية إدانة المجرم قانونيًّا، تبقى الإدانة الأخلاقية ممكنة؛ بل وواجبة على كل شخص تجاه ذاته، ليحاكم نفسه ويسائلها ويعاقبها إن هي أخطأت وأجرمت؛ أما إصدار الحكم في هذه الحالة، فينبني على قواعد وقوانين شخصية، وهذا ما يجعل الأمر صعبًا وغير موضوعي؛ إذ يستطيع المرء تبرئة ذمته مما قد يعد جرمًا لا يغتفر، كما يستطيع أن يعذب نفسه رغم أنه لا يستحق ذلك.

فإن كنت أنا مقتنعًا بأن عدم تقديم المساعدة لشخص يقدم على الانتحار بهدف صده عن نواياه يعتد جريمة؛ فإن غيري يعد التدخل ليس واجبًا، بل عملًا بطوليًّا وتطوعيًّا، لا يُلام من لم يرغب في القيام به؛ وإن كنت أعتقد بأن من يجعل من حياة شخص آخر جحيمًا لدرجة تجعله يرغب في الموت هو مثل من يدفع بشخص آخر من حافة بناء شاهق ويتسبب في قتله، فإن آخرين يؤمنون بأن قرار الانتحار شخصي ويتحمل المقدم عليه فقط مسئوليته مهما بدا أنه مرتبط ببقية الناس أو بعوامل خارجية.

والسؤال المتعلق بمسئولية وتدخل الآخرين في قرار الانتحار، على وجه الخصوص، هو أكثر الأسئلة تعقيدًا؛ فمتى نجرِّم شخصًا بوصفه سببًا في انتحار شخص آخر؟ إلى أي درجة يستوجب أن يكون قد تدخل وأثر في المنتحر حتى يكون مسئولًا؟ ومن جزم أصلًا بأنه يمكن أن يُحاسب أو يُعاتب أو يُجرَّم بتهمة كهذه؟

حتمًا لا يوجد جواب ولا أجوبة محددة وقاطعة؛ توجد اعتقادات ومبادئ وبعض الآراء السائدة أو المتفق عليها، وتوجد، بناء على ذلك، أجوبة ذاتية على أسئلة قادرة على تغيير نظرتنا لأنفسنا وللآخرين ولحياتنا بأكملها؛ فكم شخصًا انقلبت حياته جحيمًا بسبب تأنيب الضمير الذي سببه انتحار أحد معارفه أو أقربائه، معتقدًا بأنه حفز القرار عن غير قصد أو لائمًا نفسه؛ لأنه لم يكن يقظًا ومراعيًا بشكل يمكنه من التدخل قبل وقوع الحدث؟ وكم شخصًا ظل غير مبالٍ، وغير مستشعر لأي مسئولية أو إحساس بالذنب بعد انتحار شخص مقرب أو شخص استغاث به، أو حتى شخص اتهمه علنًا بأنه سبب هلاكه واستسلامه؟

وهذا يقود للتساؤل، من جهة أخرى، عما يدور في رأس المنتحر قبل إقدامه على الانتحار أو أثناء التفكير فيه؛ تراه يعتقد بأن الآخرين مسئولون عن موته؟ هل يعتبرهم مجرمين بقدره أم بدرجة أكبر أو أقل؟ هل يحقد المنتحر على من لم يقدم له المساعدة؟ أيعتبر من تجاهل معاناته مجرمًا وسببًا في موته أيضًا، أم يعتقد أنه لا دخل ولا ذنب له في الموضوع؟ قبل هذه وذاك، هل له الحق أصلًا في تجريم وتبرئة الآخرين بخصوص شيء يهمه هو بشكل مباشر وخاص؟

وفي ظل عدم الحسم في الأجوبة، يبقى مشروعًا – بل وربما ضروريًّا – أن نشك ونتساءل إن لم نكن قد ارتكبنا يومًا جرم القتل بطريقة غير مباشرة، وكانت جريمة كاملة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد