مشكلة الحديث مع العقلاء أنك مضطر لتجنب البديهيات في الوقت الذي أصبحت فيه البديهيات هي أكثر ما يحتاج إلى النقاش.
يكاد الإنسان يفقد عقله عندما يقرأ بتركيز كل التصريحات والأفكار المتطايرة هنا وهناك حول موضوع الجهاد والقتال في الإسلام.

يعجزك حجم الاختلاف والإختلال الظاهر من معظم الأطراف حتى إن مجهودك سيتحول من محاولة إقناع الطرف الآخر بوجهة نظرك إلى مجرد الوصول إلى أرضية مشتركة تستطيع البناء عليها والإنطلاق منها!

أحدهم يبدو مقتنعًا بوجوب قتال غير المسلمين عمومًا، وآخرون يشترطون القدرة على القتال. الكثير من الناس ممن يعيشون بيننا مقتنعون بقتل الأبرياء من المدنيين، والأخطر أن يكون هذا الاقتناع من منطلق ديني. إن كانت لديك بعض الصلة بطوائف الإسلاميين فأضمن لك أن تندهش من كم الأشخاص الذين يؤيدون داعش في كل ما تفعله من قتل وحرق وإفساد في الأرض.

قد يبدو تحديد مناط الاختلاف في تلكم الحالات هو أصعب ما نواجهه، إلا أننا نود المراهنة على فكرة الأصول. فقبل أن نسأل “من نقتل؟” يجب أولاً أن نسأل:

“متى نقاتل وعلى ماذا نقاتل؟”.

نعود إلى المصدر وفكرة الحرب في الإسلام، ثم نعرج إلي فكرة الجزية هي الأخرى.
الحرب في الإسلام حالة بغيضة ومكروهة، ولكنها أحيانًا تكون ضرورية لذلك قال الله تعالي: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ” وقد حدد القرآن بواعث وأسباب القتال في آيات تعتبر من محكمات الكتاب ومنها:

قوله تعالى: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”.

– قوله تعالى: “وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ”.
– قوله تعالى: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ”.

– قوله تعالى: “َقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”.

 

لذلك حدد الباحثون بواعث القتال في سببين لا ثالث لهما بناءً على تلك النصوص:

أولا: الدفاع عن النفس والوطن ضد أي اعتداء خارجي.

ثانيا: الدفاع عن المظلومين انتصارًا للأخوة الإنسانية ومبدأ العدل.

هكذا يحدد القرآن بواعث القتال في الرؤية الإسلامية، وقد مارس الرسول هذه الرؤية عمليًّا فكانت كل حروبه لدى المحققين دفاعية نتيجة اعتداء مباشر أو قيام أدلة يقينية بنوايا العدو في الهجوم على دار المسلمين، وذلك انتصارًا للقاعدة الاجتماعية التي أرساها الإمام علي “ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا زُلوا”. هذه كانت العلاقة بين النظرية متمثلة في النص القرآني وبين التطبيق العملي للمعصوم عليه السلام في شأن كان وما يزال من أخطر الشئون المتعلقة بفكرة الدولة على مر العصور.

مسألة الجزية

يمكن لأي مخطئ أن يأخذ هذه الآية الواردة اقتطاعًا من سياق القرآن ويرتكب باسمها كل الجرائم التي ذكرت في التواريخ، إنها آية الجزية. قال تعالي: “قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ”. فما قصة هذه الآية؟

والحقيقة أن لهذه الآية قصة تاريخية طويلة شهدت العديد من المناوشات والصراعات بين مجتمع المسلمين ومجتمع أهل الكتاب، المتمثلين في اليهود من القبائل المجاورة، والنصارى، المتمثلين في الروم على حدود الدولة الإسلامية وعمالهم من متنصرة العرب الغساسنة.

الأزمة الحقيقية لكل من تعامل مع هذه الآية ونظيرتها في قوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”.

هو عدم القدرة على الجمع بين الآيات الواردة في هذا الباب، والتعامل مع الآية التي تتحدث عن قتال أهل الكتاب بوجه خاص حتى يعطو الجزية عن يد وهم صاغرون بالتعبير القرآني.

إن عزل هذه الآية عن السياق التاريخي والزمني الذي شهد الكثير من الوقائع والأحداث يوقع في لبس ولغط كبيرين. وقد تناول الدكتور عبد الرحمن سالم في كتابه (المسلمون والروم في عصر النبوة) الوقائع التي حدثت من الناحية التاريخية في هذه الحقبة، والتي وضعت السياق المصاحب لنزول هذه الآية بعد الكثير من الآيات التي تتحدث عن المسالمة والميل إلى ترك الحرب إلا في حالات الدفاع لتعطي إمكانية للفهم السديد بشأن غاية هذه الآية.

وتبدأ القصة بعد صلح الحديبية عندما بدأ الرسول في إرسال الرسائل إلى رؤساء الممالك حول الدولة المسلمة الناشئة في المدينة، وقد كان من بين السفراء الحارس بن عمير الأزدي، مبعوث النبي إلى ملك بُصرى. فمعظم مصادرنا تذكر أن الحارث بن عمير الأزدي لما نزل مؤتة – في طريقه إلى ملك بُصرى- عرض له (شرحبيل بن عمرو الغساني) فقتله.

ولمزيد من أشباه هذه الحادثة ونزع الفتيل لحرب كانت على وشك البدء أن (الحارث بن أبي شمر الغساني) أساء استقبال (شجاع بن وهب) مبعوث رسول الله إليه؛ ويروى أنه قال بعد أن قرأ كتابه إليه: “من ينزع مني ملكي؟ أنا سائر إليه”، وقد أخذ المسلمون تهديد الحارث مأخذ الجد؛ فيروى بهذا الصدد أن الصحابي (أوس بن خولي) طرق الباب على عمر بن الخطاب طرقًا شديدًا، وعندما خرج إليه عمر فزعًا يسأله ما الخبر؟ قال له أوس: “قد حدث اليوم أمر عظيم”! فقال عمر: “ما هو؟ أجاءت غسان؟.

ويروي أنه قال: “لعل الحارث بن أبي شمر قد سار إلينا، فإنه قد بلغنا أنه قد أنعل الخيل”، وهو ما يدل على أن المسلمين تعاملوا مع هذا التهديد وغيره محمل الجد، ولعل كلمة عمر تعبر عن مدى الترقب لمثل تلك الهجمات وشيكة الحدوث.

وهناك حادثة أخرى كانت في شهر ربيع الأول من العام الثامن للهجرة حيث بعث الرسول (كعب بن عمير الغفاري) في خمسة عشر رجلاً إلى موضع يقال له (ذات أطلاح) بأرض الشام للدعوة إلى الإسلام، فخرجت عليهم قضاعة بجموعها، وهم في هذا العدد القليل فأحاطوا بهم وقاتلوهم، فدافع المسلمون عن أنفسهم دفاعًا مستميتًا، ولكن المعركة لم تكن متكافئة حيث أسفرت عن استشهادهم جميعًا إلا واحد أفلت بجراحه وتحامل حتى أتى النبي فأخبره الخبر. وقد شق ذلك على رسول الله، ولكنه لم يستطع أن يثأر لأصحابه من قضاعة في ذلك الوقت.

 

وكانت هذه الحادثة بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير؛ فبعدها بشهرين في بعض المراجع حدثت غزوة مؤتة، وكان الهدف الأساسي منها هو تأديب عرب الشام، الذين دأبوا على استفزاز المسلمين وتحديهم، وارتكاب الجرائم ضد دعاتهم.

 

وعلى قدر هذا الهدف أرسل الرسول جيش مكون من ثلاثة آلاف، ولم يكن في الحسبان ما سيحدث من قبل الروم واشتراكهم في هذه المعركة ومفاجأة المسلمين.
وقد كان على رأس جيش المسلمين في هذه السرية (زيد بن حارثة)، فإن أستشهد، فالقائد (جعفر بن أبي طالب)، فإن أستشهد (فعبد الله بن رواحة)، فإن أستشهد فليرتض المسلمون بينهم رجلاً فيجعلوه عليهم. ولما علم عرب الشام بهذا الزحف، تملكهم الخوف فاستغاثوا بهرقل، وقد كان هذا منعطفًا خطيرًا؛ فلم يكن المسلمون يضعون في اعتبارهم أنهم ذاهبون لحرب الروم، بل لتأديب عرب الشام. وقد كان عدد نصارى العرب في جيش العدو وجنود هرقل على أقل التقديرات مائة ألف مقاتل، ما وضع المسلمين في وضع حرج، جعلهم يترددون في دخول الحرب، وقد استقروا على دخولها بعد المشاورات، وهُزم جيش المسلمين، وأستشهد القادة الثلاثة، ثم خلفهم خالد بن الوليد، فاستطاع بذكائه أن يهرب بالجيش دون أن يلاحقه العدو بعد أن خدعهم.

 
وبعد ذلك علم الرسول من بعض (الأنباط) الذين كانوا يعرفون باسم (الضافطة) – وكانوا يأتون من الشام إلى المدينة بالسلع الضرورية- أن الروم يعدون جيشًا لغزو المسلمين، وكرد فعل قد جهَّز الرسول جيشًا قوامه ثلاثون ألف مقاتل، وتقدم به إلى الشام، بهدف إجهاض مخطط الروم وأتباعهم في الهجوم على قاعدة الدولة الإسلامية (المدينة)، وقد كان هذا التجهيز للجيش في وقت العسرة والجدب، ولذلك سمي بـ (جيش العسرة)، وهذا يدل على أن الرسول كان مجبرًا على تجهيز هذا الجيش لرد عدوان وشيك، ولو كان مخيرًا لانتظر وقت وفرة لتجهيز مثل هذا الجيش!

في ضوء كل هذه الملابسات والمناوشات يمكن بحق معرفة الغاية من تلك الآية الكريمة التي تتحدث عن ظروف معينة كان فيها أهل الكتاب من عرب الشام والروم مصدر خطر على الدولة الإسلامية، فجاء الأمر بقتالهم دفعًا للعدوان البين من قبلهم، وقتلهم لسفير رسول الله، واعتدائهم على وفوده إلى الشام، وتعاونهم على جيش مؤتة، وأخيرًا عزمهم غزو المدينة واقتلاع جزر المسلمين منها.

وبهذا الفهم يستقيم الجمع بين هذه الآية وبقية آيات الكتاب حول هذا الموضوع. وقد أفضنا في ملابسات هذه الآية لخطورتها وكثرة التعلق بها من قبل الفريق المؤيد لفكرة أصالة الحرب في العلاقة بين المسلمين وغيرهم.

بالتالي فإن مسألة الجزية كانت مسألة استثنائية في التشريع الإسلامي، تقوم بالأساس في حالة اعتداء غير المسلمين على المسلمين وانتصار المسلمين عليهم. بالتالي لا يمكن إشتراكهم وانخراطهم في جيش المسلمين ومن ثم يضطر المسلمون لفرض الجزية عليهم، وأما من لم يحاربوا المسلمين فإن المعاهدات هي الحل، وليست الجزية وهذا ما فعله الرسول مع يهود المدينة عقب وصوله إليها، والأمر أشهر من أن يُذكر. ولعل هذا الفهم لتلك الآيات من كتاب الله هو الحائل المنطقي الوحيد ضد فكرة إلغاء كل آيات التعارف والسلام من القرآن كما يدَّعي الكثيرون تحت مُسمى الناسخ والمنسوخ!
قد يتساءل الآن أحدهم سؤالاً منطقيًّا بشأن مدى صعوبة تتبع هذه الأحداث التاريخية للتمكن من فهم هذه الآية بشكل واضح، وهو بلا شك أمر بالغ الصعوبة إلا للمتخصصين بهذا الشأن، والجواب هنا أننا لم نكن في حاجة لكل هذا الإسهاب من أجل إثبات بعض البداهات لولا سيف الإقتطاع الذي أتقن حمله الجاهلون قبل أصحاب النوايا السيئة!
إن قراءة القرآن بشكل متكامل وموضوعي لهو كاف لكل ذي لُبِ أن يفهم مقصد القرآن وغايته من عرضه لتلك النصوص التي تحكم علاقة البشر وتتحكم في مصائرهم وحيواتهم، لذلك أصبحت الاستعانة بكل الأدلة المتاحة من ضرورات الموقف، وقد أصبحت تلك الدعاوى سيفًا حقيقيًّا في يد داعش وأزرعها يخرجون به الناس من بيوتهم ويذبحون أبناءهم وشيوخهم في تجلِ مقيت لانتصار الشر في معركته الأبدية ضد الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد