بالحُجّة القائلة «لسنا أنبياء» يتجاوز الكثيرون – تحقيقًا لرغباتهم – حقوق الآخرين وينتهكون حرياتهم، أُسوة بهذا المثل اتجهت معظم الأطراف (أفراد وأحزاب) إلى استغلال القضية الفلسطينية – في النصف الثاني من القرن الماضي – وتحويل مسارها من مسألة قومية وطنية دينية إلى حرية أفراد، وفور تبني تلك الأحزاب أيديولوجية أنها تمثل فئة من الشعب الفلسطيني، فيجب القلق من حقيقةِ تلك النزوات التي تسعى كل منظمة لتحقيقها، أما ظاهرُ تلك النزوات فغالبًا ما كانت على صورةِ ارتداء الأقنعة وانتحال الأفكار ولبس زي الدراويش، بيد أن أيديولوجيتها قامت على التنازلات والاستبداد وفكرة اللون الواحد حرفيًا.

أخطر من كل شيء، هو جعل «مسألة التحرير المقدس» غطاء لكل الأفعال الشيطانية من التدخل بشؤون الدول الأُخرى واستباحة الدماء على أرضها. كما لا يدع مجالًا للشك بأن هؤلاء الذين وللأسف امتلكوا القرار الفلسطيني في فترةٍ ما في مكانٍ ما، لم يكونوا ليستحقوا هذه الأمانة وفقًا لسلوكياتهم وتقلباتهم ومماطلاتهم باسم القضية الطاهرة قضية فلسطين.

اللغة السياسية، معدّة خصيصا لتجعل من الأكاذيب حقائق، ولتحول الجريمة إلى عمل محترم، ولتعطي مظهرًا من الجمود إلى الريح المنطلقة. يقول إريك آرثر بلير المشهور بجورج أورويل، وبالضرورة هذا القول يمثّل الموقف الوسطي من الأزمة الفلسطينية في دول الطوق التي شهدتها فترة أواخر الستينيات وحتى مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، لا تتجلى أهمية هذه الفترة بأحداثها فحسب بل أيضًا بكمية الشخصيات والأحزاب التي تورطت فيها، وكمية الانشقاقات التي ميزت كل منظومة، ودعمِ عدد من الأنظمة العربية آنذاك لهذه الانشقاقات ورعايتها لوجستيًا على الأقل. أما الهدف من ذلك فهو ببساطة، دعم تلك الأنظمة لهذه المنظمات المنشقة لجعلها تقوم بوظائف لا تقدِر الأنظمة نفسها على فعلها علنًا، نخص بالذكر هنا تنظيم فتح الانتفاضة وفتح المجلس الثوري.

وكما كان متوقعًا أن كثرة التنظيمات الفلسطينية في بؤرة جغرافية صغيرة كان أحد أهم أسباب فشل نشاطات تلك الحركات في تحقيق أي تقدم للقضية في الأردن وسوريا ولبنان، بل بالعكس يدفع الشعب الفلسطيني البسيط – حتى اليوم – الثمن الباهظ وراء انتماءاته الفوضوية وتقديس رموز الفصائل، بالمقابل استغلال الفصائل لموقف المواطن الذي لا يُحسد عليه بعد النكسة في تجنيده بشكل مباشر أو غير مباشر في صناعة القرار، وحشد الرأي الشعبي خلف الوصايات الفتحاوية التابعة لعرفات وأبو إياد وأبو جهاد أو اليسارية التابعة لأحمد جبريل والحواتمة وحبش ووديع حداد أو القومية التي وضعت صور عبد الناصر على واجهة بياناتها، أما نشاط كل منظمة فقد كان يتغير وفق الضغوط الخارجية ووفق توفر الدعم من عدمه، مما جعل موقف معظم تلك المنظمات موقفًا يائسًا يسهُل تشكيله وشراؤه.. إلا من رحِم الله.

في هذا الوقت، وضعت الصهيونية أقدامها بقوة داخل فلسطين، وتحولت المشاريع التصحيحية لاسترجاع الأرض الفلسطينية إلى ذريعة لإرهاب الشعوب واختطاف الطائرات وتحويلها إلى مطارات «الثورة» لغايات صحيحة لا نشُك بها، الوسيلة الخاطئة هذه زادت من إحراج الدول الداعمة للثورة الفسطينية، فدأب كل تنظيم على إنشاء فصائل تابعة له تعمل بنظام الدولة الممسوخة، وبسبب بقاء الدعم من حكومات عديدة، بات كل تنظيم يملك استقلالية مالية، حرية تنقل، مراكز استخبارات ورصد، دوريات فدائية واتصالات، وبات للجبهة الشعبية ممثلها الخاص، وللديموقراطية ممثل، وللقيادة العامة ممثل، وللصاعقة ممثل، ولفتح المجلس الثوري ممثل ولمنظمة التحرير ممثلها الخاص.

لم يتوقف الدعم على المال والتسليح مطلع السبعينيات بل امتد ليصبح ذا طابع جامِح، وذلك بإعطاء – النظام العراقي والسوري – الفدائيين الوعود بالتدخل لصالحهم ضد أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية، مما خلق تطرفًا واضحًا من الفدائيين ضد سلطة الدولة وجرأة على مؤسساتها وشخوصها، أبرز صور التطرف التي شهدتها عمّان هي الفترة التي سبقت تواجد منظمة أيلول الأسود، كان أبرز عملياتها اغتيال وصفي التل في القاهرة في محاولة لإعادة هيبة الثورة الفلسطينية بعد إقصائها من الأردن. في حين امتاز اليسار الفلسطيني بالمراهقة السياسية غير المبررة من قبيل التبشير الماركسي واللينيني على منابر المساجد، ورفع الأعلام الحمراء، وسرقة ممتلكات الناس على أنهم برجوازيين رأسماليين، هذا لم يترك مجالًا آخر للسلطات الأردنية إلا التعامل مع هذه المنظمات وطردها من الأردن بالاتفاقات أو بالقوة، وتفضيل كثير من «الفدائيين» تسليم أنفسهم لإسرائيل على تسليم أنفسهم للنظام الأردني، ومقتل المئات من الفلسطينيين والأردنيين الأبرياء خلال مواجهات سبتمبر (أيلول) الشهيرة والتي يتحمل مسؤوليتها الطرفان.

ومن بعد النكسة وحتى الانتفاضة الأولى، عشرون عامًا دون أن يُسمع صوت رصاصة واحدة في فلسطين المحتلة، ظلّ اهتمام التنظيمات الفلسطينية في الخارج، فانشغلت عن القضية الفلسطينية وانسلخ الكثير من القيادات من الانتماء الذي انطلقت منه، منهم من استسلم لجمال بيروت وللملايين التي كانت الأنظمة تغدق بها على «الثوار»، وباتت ظاهرة الانشقاق ظاهرة مألوفة في أوساط التنظيمات، أبرزها كان تبني فتح المجلس الثوري برئاسة أبي نضال أيديولوجية التفكير اللا وحدوي الذي نص على قطع العلاقات بالأنظمة العربية وبإسرائيل، كان النظام العراقي والسوري والليبي أبرز حواضن الدعم لتنظيم أبي نضال، فشن مئات العمليات من مهاجمة السفارات والطائرات والمقاهي، وأزهق آلاف الأنفس على مختلف الأراضي العربية والأجنبية، وأخذ يغتال ممثلي منظمة التحرير، واغتال ثاني أهم شخصية في فتح أبو إياد، حتى قيل إن العالم بدا محتارًا بعد كل عملية هل هي لأبي نضال أم للموساد.

وبعد اضطرار منظمة التحرير للخروج من بيروت عام 1982، استغل النظام السوري الناقم على عرفات هذه الفرصة بتسليط الكتائب اللبنانية و«أمل» على المخيمات الفلسطينية الخالية من أي خط دفاع و افتعال مذابح لا يزال صداها يتردد إلى اليوم، صبرا وشاتيلا وغيرها من المجازر التي تتفاخر بها الكتائب اللبنانية مع الجيش الإسرائيلي سيء الصيت، وما آل بعدها من حرب مخيمات استمرت تداعياتها حتى عام 1988. وبِدء تحول القضية الفلسطينية إلى مكانها الصحيح في الداخل المحتل فور اندلاع الانتفاضة الشعبية والتي أحرجت التنظيمات المتقاعسة عن الجهاد الحقيقي، وانخماد تواجدهم المسلح في الخارج رويدًا رويدًا والذي كان مسيرًا أكثر من كونه مخيرًا في مواقفه وتصرفاته، وذبول تواجد فكرة الوردة الفلسطينية المقدسة في الإقليم العربي والتي بدت وكأنها وردة بلاستيكية قد أضرّت بقضية التحرير أكثر مما أنارت طريقًا له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد