في دول العالم الثالث التي ابتليت بحكام ديكتاتوريين، يتعاملون مع شعوبهم على أنهم هم السادة وعلينا نحن المواطنين الامثتال لما يقوله السادة الذين يمتلكون الحقيقة المطلقة، فتعاملهم ينبع من أن كل ما يقولونه هو الصحيح وأننا كالأطفال لا نفقه شيئًا مما يفعله السادة المبجلون. وفي مصر قالها أحد كبار الدولة بعد الثورة قال: «الشعب غير مؤهل للديمقراطية»، فهذا السيد المبجل يرى الشعب غير واع وغير مدرك لما يفعله؛ لذا كان لزامًا على هؤلاء السادة أن يحجروا على هذا الشعب حتى لا يضر نفسه.

وللأسف فقد صدّق الشعب، المغلوب على أمره، أنه طفل صغير وهؤلاء السادة هم المنوطون بحمايته من الأعداء، بما فيهم نفسه هو، وعلى الرغم من كثرة عدد مواطني تلك الدول، فهم كثر لكن كثرة لا وزن لها في ميزان الأمم المتحضرة المتقدمة، هم كغثاء السيل لا نفع منه ولا فائدة ترجو. كلام شديد اللهجة لكن الحقيقة المرة التي يجب أن تقال أفضل ألف مرة من الكذبة الحلوة التي تفرح الآن، لكن ضررها يستمر أمدًا بعيدًا، في تلك الدول التي ترسخ تحت نير التخلف وتحت نير الديكتاتورية لا تجد متنفسًا لها لكي تعبر عما بداخلها؛ فإنسان تلك الدول المقهورة كل همه لقمة عيشه، يبحث عنها طوال النهار، وطوال الليل جثة هامدة من كثرة بحثه عن لقمة العيش. دفن الإنسان المفكر المبدع داخل هذا الجسد المنهك الذي يبحث عن شيء يسد رمقه ورمق من هم في رقبته، فشريعة الديكتاتورية وقانونها الأعظم هو أن تجعل المواطن يكدح طوال يومه، وأن لا تترك له وقتًا ليتأمل وليفكر فإن فكر قدر وعقل ما يقال له وما يسمعه ليل نهار على شاشات، وعلى أجهزة الإعلام التي تبث سمومها ليل نهار.

العقل يا سادة هو ما يؤرق جحافل الطغيان، وهو ما يخيف جيوش الظلام، من يفكر حتمًا سينقد، وإن نقد فالأمر جد خطير فإن فكر هذا الكائن -الذي من لوازم تعريف أنه حيوان مفكر- فقد يستيقظ المارد ويبدأ في السؤال لماذا وكيف ومن أجل ماذا تم هذا الشيء؟ ولماذا فعل كيت ولم يفعل كيت؟ التفكير سلاح قوي وفعال جدًّا لو أحسن استغلاله و تدريبه على قواعد التفكير السليم، وعلى التفكير الناقد، وعلى منهج نقدي سليم.

وحتى نستكمل كينونتنا كبشر لهم رسالة غير الأكل، والشرب، والنكاح وحتى لا ينظر إلينا على أننا دول متخلفة، فعلى كل واحد منا مسؤولية عظيمة، ألا وهي أن يقوم نفسه يبحث في ذاته، يرتحل داخل روحه، وليبحث في أرجاء تلك النفس عن سلبياتها وإيجابيتها، وعليه أولًا أن يتقبل نفسه كما هي. التقبل غير أن توافق؛ فالتقبل أولى خطوات التغيير نحن نتقبل أنفسنا على ما فيها ولا نوافق عليها بل نبدأ في هدم العادات السلبية، التي تستنزف الإنسان الذي فينا، والتي تغذي الحيوان داخلنا؛ فعلينا ببناء عادات جديدة إيجابية مكان تلك الهدامة، ولتعلم بأن الرحلة شاقة لكنها ليست مستحيلة، ولن يأخذ بيدك نحو الطريق الحق إلا أنت؛ فأنت أقدر على معرفة ما بداخلك، فلنتجهز أنا وأنت لنبحر داخل نفوسنا ولنستعد ونأخذ ما يوفر لنا القدرة على تلك الرحلة من علم ومعرفة بدواخل النفس، حتى نستطيع أن نسلك دروبها ونقوي جدرانها ونعيد بناء قواعدها لكي نتغير للأفضل، ونغير ما حولنا، ولعل وعسى نستطيع تغيير العالم حولنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد