منذ عامين صدرت رواية هيبتا للكاتب محمد صادق التي صنعت جدلًا واسعًا في أوساط القراء. ورغم الانتقادات الكثيرة للشكل والمحتوى إلا أنه صدر من الكتاب 36 طبعة حتى الآن ليوضع في قائمة الكتب الناجحة سواء اتفقت أو اختلفت. ثم تعود هيبتا إلينا من جديد في إعادة اكتشاف للعمل من ناحية فنية سينمائية كفيلم صنع نفس الموجات الانتقادية والأولتراسية للعمل الذي بدأ قبل عرضه وقبل صناعته ربما. واستفاد الفيلم منها في طرح نفسه بشكل كبير في كل صور الإعلام المرئي والمسموع والسوشيال ميديا وكانت من أسباب نجاح الفيلم. ومن الممكن القول بأن الفيلم نجح قبل أن يتم عرضه بسبب الاستراتيجية الذكية في اختيار فريق التمثيل وطريقة الإعلان عن كل ممثل على فترات تسمح بوجود الفيلم في الإعلام أطول فترة ممكنة وبصورة مميزة تحمل دعاية رمزية للفيلم بشكل ذكي. والاعتماد على مطربة مثل دنيا سمير غانم لأغنية فيلم مثل هيبتا هو بالتأكيد اختيار ناجح.

ويأتي فيلم هيبتا – المحاضرة الأخيرة – بتعميق أكبر لفكرة الاقتباس السينمائي من الأعمال الأدبية وذلك بعد تجربة فيلم الفيل الأزرق الناجحة في دور السينما. وهو الشيء الذي نادى به الكثير في الفترة الأخيرة وسط تكرار نفس الأفكار في ثلاثية البلطجي والراقصة والأغنية الشعبية وابتذال كل الأفكار في داخل هذه الثلاثية بأي شكل. فالمؤلفات الأدبية تقدم فكرة واضحة وقصة مبنية جاهزة وضعت تحت الاختبار من قبل في سوق الكتب. ويعد ذلك من أهم المكاسب للجمهور وهو فتح قاعات السينما لعرض الأعمال الأدبية. ومن الملاحظات الإيجابية التي صنعها فيلم هيبتا هو حالة النقاش الواسعة حول محتوى الفيلم سواء بآراء إيجابية أو سلبية. فمنذ متى ويتم نقاش محتوى الفيلم نفسه وأن يكون المحتوى هو لب الاختلاف؟! خلافًا عن سلسلة كاملة لنصف عقد من أفلام كان النقاش فيها حول راقصة أو أغنية شعبية أو إفيهات جنسية.

من الأسباب التي تصنع من هيبتا فيلمًا ناجحًا هو عودة الجمهور الحقيقي بكل الفئات لدور السينما بعيدًا عن الفئات الخاصة بأفلام السنوات الخمس الأخيرة. واكتمال مقاعد قاعات السينما وتحقيق الفيلم لـ«هيبتاشر» مليون جنيه حتى الآن والرقم مرشح للزيادة بالطبع. ولكن هذا من أسباب النجاح وليس السبب الوحيد فلغة الحوار في الفيلم جيدة والتصوير والإخراج جيد جدًا من جانب هادي الباجوري وأسلوب مختلف عن تجربته السابقة في فيلم واحد صحيح. وعدم تغيير المحتوى الرئيسي في الفيلم عن الرواية والحفاظ علي نفس التناسق برغم بعض التعديلات مثل تغيير اسم المحاضر لشكري مختار وإعطاء الشخصيات أسامي (يوسف، كريم، رامي، شادي) بدلًا عن الحروف (أ، ب، ج، د) كتعديلات فنية الرؤية.

أما شخصيات الفيلم نفسه بداية بماجد الكدواني سبب دخولي الفيلم في الأساس ودوره المعتمد على الحضور الصوتي الكبير ونجا من الدور الممل للراوي في معظم الأفلام وبالثنائي أحمد مالك وجميلة عوض وميزتهم بالواقعية في التمثيل بشكل كبير ويزيد اهتمامي بالفيلم كلما عدنا لقصتهم ودور أحمد بدير برغم عدم التوافق مع مواقفه الشخصية لكنه يثبت إنه ممثل سهل التقمص لشخصيات مكتوبة بشكل جيد في دور عبدالحميد طه. للأسف من وجهة نظري إن شخصية يوسف الذي قدمه عمرو يوسف لم يتم رسم الشخصية بشكل جيد وكانت فرصة لابتكار شخصية كاريزماتية خسرها الفيلم وكانت أفضل بكثير في الرواية.

بعض الكلمات الأخيرة للجمهور الفيلم جيد من نواحٍ عديدة مقارنة بغيره في الفترة الأخيرة من حيث الدعاية والقصة الروائية وفريق التمثيل. أولًا الرواية رومانسية ودرامية وبالتالي من الطبيعي أن يكون الفيلم رومانسيًا. فإن كنت من الجمهور الذي لا يهوى الرومانسية أو يتقبلها فلا تشاهد الفيلم وكأنك ستجد بعض الأكشن أو المطاردات السريعة بالسيارات. ثانيًا المفاجأة فعليًا، يمكنك دخول فيلم هيبتا بقاعة سينما وحدك أو مع أصدقائك وسوف تكون طبيعيًا تمامًا.

من أكثر الأسباب التي تجعلني أدعم وجود فيلم مثل هيبتا هو فكرة أن تعود السينما للاقتباس من الأدب مثل الزمن الجميل عندما كانت أفلام الأبيض والأسود تصور روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم من الكتاب. وإن كانت الروايات الحالية ربما لا تحمل ما تحمله روايات هؤلاء من الجدية ولكنها برغم كل شيء تبقى أفضل من الأفلام المنتشرة في نصف العقد الأخير التي صنعت شكلًا عشوائيًا حيوانيًا من الحياة المصرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

هيبتا
عرض التعليقات
تحميل المزيد