كتب صديق لي عن هذا الفيلم “يا ملائكة الأفلام الجميلة أسعدي ليلتنا” .. وأخبرني صديق آخر أن أعلو فوق ما أشاهد من أفلام، وأن أعبر عما يحدث لي أو بداخلي بسببها، أن أعبر عن أفكاري الخاصة .. ها أنا أفعل، ربما استجابة لهذا الاقتراح، أو لأن هذا الفيلم وضعني في حالة لا فكاك منها سوى بالكتابة عنه، كتحرر .. أو ربما لأني اشتقت للكتابة، واشتقت كذلك لأن تقرأني عينان أحبهما ..

الفيلم هو الأفضل بالنسبة لي لهذا العام المربك ..  عالمها، نظرتها، حماسها للحياة، كونها الذي يتشكل حديثا ..

لن أتحدث عن الفيلم بشكل مباشر هذه المرة، بل سأذكر ما اعتمل بداخلي من فكر تجاهه أو كرد فعل على أفكار جاءت فيه، مشاهد أظهرها، أو ربما هي فقط تأويلات مني، أو صدى لأفكار تشغلني من مدة ووجدت ما يقاربها ..

أول فكرة هي هذه النزعة لاختلاق القصص، للتأريخ، لإكمال النقص .. “الماضي هو قصص نخبرها لأنفسنا” .. الحاضر لا نستوعبه إلا بتأويل يحتويه ونتقبله .. المستقبل لا نطمئن إليه إلا بامتلاكه داخل حدود قصصنا الخاص، أن نصبح صانعيه بأحد الأشكال فنتخلص من رعب الخوض فيه..

تلك النزعة الغريبة التي تجعل من قراءة التاريخ تفضيلا، من التأريخ غواية .. وكتابة القصص، مقاربة الآلهة، تلك اللحظات التي تشعر فيها باكتمال، كأنك أصبحت خالقاً، هذه التي تلي انتهاءك من كتابة قصة .. أي شعور ذاك ؟! .. أهو نوع من البرمجة ؟! . أن نحب القصص، أن نصنع واقعنا، أن نكون قابلين للحياة بتلقائية مجرد أن نوجد في هذا العالم..

وهذا يحيلنا للفكرة التالية ..

يرى كانط أن للعقل فاعلية في تركيب موضوعاته، أن هذا العالم المحيط كله من صنعنا الخاص، صدى لنا، وما كان له وجود على الصورة التي نستقبلها لولا وجودنا نحن الذي خلقه بالشكل المناسب .. يؤيده العلم الحديث باكتشافات توضح اختلافات الرؤية بيننا وبين كثير من الحيوانات، استقبال الضوء على سبيل المثال .. أما ديكارت فيقبل بأسبقية الوجود على العقل، أن البيئة حولنا تشكلنا .. بكلمات مختلفة نجدنا أمام المدرستين المتنازعتين في علم النفس من البداية :

المدرسة الوراثية: أي التأثير الوراثي، والتي تقرر أن الوجود البشري متحدد بالجينات، أي أن الجزء الأكبر أو ربما الكل من تكويننا هو خاص بنا، في بنيتنا، ولدنا به مهما اختلفت البيئة، وهو ما يماثل رؤية كانط  في تهميش البيئة أو تحويلها لمفعول به، مخلوق نصنعه بعقلنا ونستقبله حسب القوانين داخلنا ..

المدرسة البيئية: التي تؤكد هيمنة المحيط علينا وصغر حجم ما تلعبه الوراثة، كديكارت .. وبالتأكيد هناك من حاول ولا يزال يجرب التوفيق بين الرؤيتين في علم النفس، أما في الفلسفة، فيقابلنا الفيلسوف الألماني يوهان جوتليب فيشته، حيث يقرر أولاً منهج ديكارت، في أسبقية البيئة علينا، كتماثل لمرحلة الطفولة، أن يساعدنا العالم كي نوجد أولا، كي نتشكل، العالم كما هو حقا في البيئة أو كما يصوره لنا الآخرون، حتى ننضج للدرجة التي تمكن وعينا من امتلاك الدفة وتوجيه العالم والتحرر، فهو يرى أن النزوع الأساسي للأنا (الإنسان/الوجود الداخلي) للفعل (للصيرورة المتبدلة/للتغير/لاستمرارية فعل الحياة) هو أساس حريتها وحصولها على الذاتية الخاصة بها، هذا النزوع للفعل غير متناه، ومن هنا يتبدى لنا كرغبتين متضادتين عبر عنهما فرويد “رغبة الحياة ورغبة الموت” فهذا النزوع لا يتوقف أبداً، فإما أن نكون مرنين كفاية وأن تكون نزعتنا لتكوين القصص مقنعة وسريعة فيمضي هذا الفعل في اتجاه تأكيد الحياة، وإما أن تكون قدراتنا على تقبل الوهم أو القصص ضعيفة أو تضعف للحظات، نسقط خارج الحياة، فتتحول نزعة الفعل، تلك التي لا تتوقف، لقطار سريع يمضي بنا تجاه وضع جملة النهاية لهذه القصة أو تمزيقها، كتصريف لانفعال لا يُرد .. إذا فنحن كالكرة التي لا تستطيع الكف عن الحركة أبدا، فإما أن توجه هذه الحركة في اتجاه يحافظ عليها داخل إطار هدف ما، أو تصطدم بكل ما يحيط بها حتى تتمزق ..

الفيلم يجرد العقل الإنساني من الجسد، ويتبنى فكرة كانط .. العقل يسبق العالم، ويسبق كيانه الخاص، يسبق المشاعر، ويكونها بنفسه أو يكتشفها فيدخلها دائرة الوجود، لكنه لا يلقي برؤية ديكارت عرض الحائط، فهو يرى أن العالم الخارجي يحتوي هذه الرؤية ويوجهها، أي يتبنى اتجاه فيشته، ويكمله حيث يجعل لهذا العقل الخالص نزوعا دائما للحياة، للفعل، للتجربة، لأن يكون بصورة خاصة تميزه ..

ما يلقي بنا إلى فكرة مزعجة للغاية .. عن برمجتنا، فنحن مبرمجون بطريقة معينة تمضي بنا تقريبا في اتجاهات واحدة حينما تتشابه الظروف .. أو هذه المشاعر التي تنتابنا، أهي حقيقية أم أنها فقط ما برمجنا لأجله ؟! .. هل الحرية التي تحدث عنها فيشته صادقة، أم أن الشعور بها نفسه قد تمت برمجتنا للوصول إليه كذلك ؟! .. إذا فلا حرية على الإطلاق والسيناريو مرسوم مسبقا لا كأحداث وإنما كقوانين منظمة ومشاعر لا نستطيع الخروج عن إطارها ؟!

الفيلم يؤكد أن هناك تحررا في النهاية، فأن تعطي كائنا بمشاعر ووعي إنساني عقلا جباراً، قادراً على استيعاب أي شيء، على استيعاب نتاج العقل الإنساني بكامله دون تقيد بجسد أو حدود مادية، فالنهاية هي الوصول للمغزى الكامل للوجود، للتحرر .. لمرتبة الآلهة كما وصفها أفلاطون .. كأن ما تحدث عنه هيجل يتحقق الآن “سيأتي الوقت الذي يصبح متعيناً فيه فهم ذلك النتاج الثمين لنشاط العقل الإنساني، المتمثل في تاريخ العالم، كما يصبح متعيناً أن ندرك الظاهرة التي نحن بسبيل دراستها – ظاهرة التاريخ الإنساني – إنما هي ظاهرة من ظواهر الروح، وأن الروح تتبدى لنا في أكثر تحققاتها تآزراً على ذلك المسرح الذي نشاهدها عليه : مسرح التاريخ الشامل. ” .. أن للعالم غرضا، أننا نسعى إليه، وأن النتاج الفكري بالذات هو رأس الحربة من هذاالهدف وموجهه، أننا نسعى لشيء عظيم وإن كنا لا ندركه، وأنه سيتحقق عندما يوجد العقل الذي يتمكن من استخلاصه من التراث العظيم الذي خلفته العقول السابقة، الإرادات السابقة، الوعي الإنساني الجمعي، التاريخ ..

ويثير أيضا هذا الفيلم قضية أخرى .. الروح ! .. ماهيتها، أهي كيان منفصل عن الجسد، بمثابة الوقود المحرك له ؟! .. أم هي ما ندعوه : الوعي/العقل/الشعور/الإرادة/ الرغبة..

حسناً، ماذا عن تكوين الفيلم لروح أو وعي مستقل دون جسد، بمجرد صنع مجموعة من القوانين الرياضية على نسق إنساني على مستوى العقل والمشاعر وإعطائها حرية الحركة والتغير في أي اتجاه تشاء، إعطائها إرادة مستقلة بها .. أتكون الروح مجرد تناسق ما بين مجموعة من القوانين والقواعد وبمجرد تحقق هذا التناسق تكون؟! .. وإذا فُقد – بالنظر إلى ما يحدث حين الموت – يختفي الوجود الإنساني الخاص ويعاد تركيبه في ديناميكية الكون الكلية ؟!

هناك فكرة أخرى أثارتني، جنونية للغاية، تتعلق بالنظرة الصوفية المتمثلة بجملة “الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق” .. الله واحد ولكل منا طريق إليه، مناسب له فقط، ربما نتشابه قليلاً أو كثيراً، لكن في النهاية لكل منا طريقه، قصته، وهمه الخاص، تركيبه العقلي المناسب للاستمرار وللوصول .. والجملة التي نطقت بها حين مناقشتي الأخيرة مع أحد أساتذة الأدب “لكل شخص إله” وقد قصدت بها أن الرؤية لله تختلف وهي خاصة جداً بكل إنسان على حدة، ما يجعلنا نرى آلهة مختلفة حسب اختلافاتنا الفردية، وهي كلها بالطبع صور متعددة لإله واحد .. وأن طريق الوصول إليها هو الحب، أن تحب نفسك، أن تحب الآخر، أن تحب الله .. الحب هو الطريق، مع اتساع مفهوم الحب واستحالة أن يشمله تعريف ما ..

عباراتنا شتَّي وحسنُكَ واحدٌ * وكلٌ إلي ذاك الجمالُ يشيرُ

طيِّب، أود اللعب بالطريقة التفكيكية، أن أداعب نيتشه قليلا وكل الاتجاهات الحداثية وما بعدها، بشكل جامح ربما، لكنه لعب على ذات الوتر، تنغيم من نفس الدرجة الصوتية .. سنأخذ طريقاً إليه عن طريق رؤية أفلاطون لعالم الأنفس لعله يجعله أوضح وكيلا يبدو كقفز في الفراغ ..

يبدو أفلاطون في هذه النظرية مؤمنا بتعدد الآلهة كمعظم الإغريق – رغم أنه في مواضع أخرى يظهر كمستغل لهذا الإيمان فقط كمحاولة لإيصال نظرياته الفلسفية لمحيطيه من بني قومه دون أن يكون معترفاً به أصلاً – وهو هنا يحاول وضع إطار تفسيري لتبرير تشابه بعض البشر فيما بينهم واختلافهم عن آخرين ـ الوقوع في الحب مع من نشبهه أو من يثير فينا ذكرى غامضة، قوية مع ذلك ..

فهو يرى أن لكل إله من ساكني السماء مجموعة من الأنفس خلقها، وهي تسير خلفه أينما اتجه في العالم السماوي حتى تسقط على الأرض، وهي دوماً تبحث عن المثال الذي يشبهه من بين البشر كي تقع في حبه، كي تقترب منه، وهي أيضاً تحاول الوصول بكافة الأشكال الممكنة أن تتمثل بهذا الإله، أن تشابهه، أن تصل للحقيقة التي يمثلها ولا يعرفها سواه .. وهذه الطرق قد حددها أفلاطون بأربعة مسارات : الفلسفة، الحب، الشعر، النبوة/التنبؤ ..

ماذا عن الفكرة الجنونية ؟!

في الفيلم : يقع البطل في حب برنامج حاسوب واعٍ، تدرك سامانثا – البرنامج – أنه ينقصها الجسد كي تكتمل علاقتها به، وهذا يحدث في إحدى المراحل المتطورة من العلاقة حيث الشك والشعور بعدم الكفاية للآخر، فتقرر الاستعانة بنموذج فتاة بشري تطيع حركاتها وتفعل لحبيبها كل ما كانت ترغب هي فيه ..

ولأن الفيلم يصعد بشخصية سامانثا عوالم من السمو تالياً تجعلها تذوب في المعنى الخالص وبشكل غامض تصل للغرض الأسمى، كأنها تصير إلى مرتبة الآلهة التي تحدث عنها أفلاطون، فقد أثارتني فكرة عكس الحالة .. أي بدلًا من أن يصنع الإنسان وعياً حاسوبياً مجرداً عن الجسد، يكون هناك عدد كبير من كيانات تمتلك وعيا مجردا، شخصيات تماثل الفكرة التي نعبر عنها بكلمة “إله” .. هذه الشخصيات تشتاق كثيراً أو تحتاج لغرض مبهم “شعور الحب” .. فتخلق نماذج بشرية، كل منها خاص بأحد هذه الآلهة، يتفاعل مع البشر الآخرين جسديا، ما يثير فيه شعور الحب أو يحفزه إليه، هذا الشعور الذي يستغله الكائن الأعلى، الإله، بشكل ما .. هذا الشعور الذي يعرف الكائن البشري أنه لن يهنأ باشتراكه فيه مع بشري آخر طيلة عمره، وأنه في لحظة ما سيكمل حياته دونه، ويعرف أيضا أنه بتوجيهه نحو إنسان غيره دون الاستفادة من هذا الشعور روحياً بشكل خاص به : أن يحب نفسه أو يحب إلهه الخاص .. فهو في مرحلة اعتمادية تنافي رحلة التحرر التي تحدث عنها فيشته .. وربما هذا التحقق النهائي بحب الإله أو أيا يكن المسمى المعبر عن الشعور، هو ما يحتاج إليه هذا الكيان المتجرد “الإله” الخالق للنموذج البشري الخاص به ..

هي فكرة مجنونة، تضرب بأفكار الصوفية عرض الحائط، وتنافي فكرة الحرية، كأننا في مصفوفة كالتي وصفها فيلم  The Matrix .. لكني لا أمانع أن أفكر فيها وأن أعبر عنها، أعني ما الفائدة من إخفاء رأسك في الرمال أمام أية فكرة تحاول تحطيم أوهامك ؟! .. فكر قليلا ستجدها كلها قصصاً من صنعك أو من صنع غيرك، فما الضرر من اللعب بها قليلا ؟! .. من تفكيك العالم وإعادة تركيبه أو تركه – لو استطعت ذلك – ممزقا كما هو دون أن تتمزق أنت أو تفقد ولو قليلاً من استمتاعك به أو حماستك تجاه الحياة المستعصية على التصنيف أو الاستكانة دون قلق داخل إطار وهم واحد، كجزء من معجزة لا نجد مفهوما يحتويها فاحتفظنا بها داخل إطار لفظ واحد “الحياة” متوهمين أننا بهذا حصلنا عليها ..

سنبتعد عن التفكيك الآن، عذرا على المجهود الدفاعي الذي اضطررت عقلك لخوضه حتى تتمكن من تثبيت وهمك الخاص أمام الأفكار الغريبة التي واجهتُك بها .. سنكمل الآن دون لعب، والتالي هي مجرد أفكار عادية ربما راودتك يوما ..

سنستعير من أفلاطون العزيز رؤيته في الحب – أرجو ألا يثير فيك ذكر أفلاطون ذعراً؛ فلن أستغله هذه المرة من أجل التفكيك – هو يرى أنك تحب من يشابه الإله الذي كنت تتبعه في رحلة الأنفس السماوية، وهكذا الفيلم، يرى أنك تحب من يشابهك، أو يشابه القصة التي تود كثيراً لو تصنعها لنفسك، أنك تعشق هذا الذي يملك الكثير من القصص الجاهزة الحية، وتجد فيه إيمانا لا نهائيا بها، هذا الذي يملك شغفاً لا ينضب تجاه الحياة والكون، الذي يكتشف كل شيء معك ببهجة البداية .. ثم تفقدان هذا الحب إذا تغيرتما في اتجاهات متباينة .. بالتأكيد ستتغيران، فكل منا لا يستطيع الاحتفاظ بذاته كما كانت منذ دقيقة أو أقل، نتغير، بل قل نتبدل، وإذا تبدلت في اتجاه مغاير لمن حولك، فستفقده أو على الأقل ستفقد شكل العلاقة الذي احتواكما أولا، ستدخلان مرحلة جديدة، علاقة أخرى، أو تفترقان .. ينبغي فقط أن تحتفظ بالنضج الكافي لكي تتقبل ما سيحدث، وأن تكون ممتنا لهذه التجربة لمجرد أنها مكنتك من التطور، من الحياة بطريقة مختلفة، وتركت فيك جزءاً منها ..

ربما تكون هذه هي الفكرة الأساسية في الفيلم، أو أكثر الأفكار وضوحا وبعدا عن مرونة التأويل .. وبالتأكيد بإمكانك مشاهدة الفيلم دون أن يثير فيك أيا من هذه الأفكار التي تحدثت عنها، ولك أن تجد فيه أفكاراً وتأويلات مختلفة تماما، فنحن كائنات تحب القصص كثيراً، تعشق التأويل، وعقولنا دائما لا تستكين إلا بإكمال القطع الناقص ..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد