“لكل شخص الحق في إبداء الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية تبني الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.”

المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

(1)

بدا وجهه شاحبًا وهو يتابع في أسى الحكم الصادر ضده بعد إعادة محاكمته أمام دائرة أخرى. نعم، لا مناص من الحبس شهرين هذه المرة؛ فالحكم الجديد وعلى الرغم من أنه تم تقليصه من سنة إلى شهرين، إلا أنه مشمولاً بوجوبية النفاذ هذه المرة.

القاصي والداني يعرف من هو إبراهيم عيسي، وكيف ظلّ سنوات ينتقد استبدادية الرئيس مبارك وعائلته الحاكمة، وإذا ما تصفّح أحدهم جريدة الدستور الذي كان رئيس تحريرها؛ فمن الصفحة الأولى وحتى الأخيرة، وربما الإعلانات كذلك، نجد أن كلها تتكلّم عن فساد ومحسوبية وجهل وعنجهية الرئيس والسيدة الأولى والأستاذ جيمي وأخوه علاء.

سأسلّم نفسي طواعية للسلطات، هكذا قال عيسى لنفسه بعد صدور الحكم بحبسه شهرين في 28 سبتمبر 2008 بتهمة نشر أخبار كاذبة عن صحّة رئيس الجمهورية الأعظم والذي كان يقترب وقتذاك عمره من الثمانين عامًا، ما تسبّب في الإضرار بالاقتصاد المصري من خلال سحب استثمارات أجنبية قدّرت بـ 350 مليون دولار خلال اليومين التي نُشرت فيهما هذه “الشائعات” كما انخفض مؤشّر البورصة المصرية، حسب قائمة الاتهامات العريضة التي أدين فيها عيسى.

ولكن، حمدًا لله، تدخّل الرئيس راعي حرية الرأي واستقلال الإعلام بالبلاد، ليُصدّر قرارًا جمهوريًا بالعفو عن عيسى بعد أيام قليلة من صدور الحكم بالإدانة، وهو الجميل الذي لن ينساه الصحفي الهمام مدى حياته؛ فبعدها بسنوات قليلة قدم عيسى شهادته في قضية قتل مبارك للمتظاهرين. نعم، مبارك رجل وطني ولم يأمر بقتل المتظاهرين، هكذا قال عيسى!

حقًا عجيبة هي هذه الدنيا، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان!

(2)

ظَهرت ملامح الضيق الشديد عليه وهو يَستمع لحيثيات حكم تغريمه عشرة آلاف جنيه، لإهانة الرئيس السابق محمد مرسي، ولكنه ربما تذكّر أن حاله أفضل من حال رئيس تحرير الدستور السابق إبراهيم عيسى، فعلى الأقل لم يتم الحكم بسجنه؛ فالغرامة مقدور عليها بشكل أو بآخر!

هكذا ظَن الكاتب الصحفي إسلام عفيفي، رئيس تحرير الدستور إبان فترة الرئيس السابق مرسي، وهو يستعرض حيثيات الحكم عليه التي بلغت 13 صفحة، والتي تناولت قيام عفيفي بنشر أخبار وعناوين (مانشيتات) تسيء إلى رئيس الدولة في 10 أعداد متتابعة من الجريدة؛ حيث وصف الأخير بأنه يهدّد أمن وسلامة البلاد كما قام عفيفي بإشاعة أخبار كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام وإلقاء الرعب بين الناس!

ألا لَيت الرئيس مرسي كان مباركًا!

 

(3)

لم يَكن الأمر مفاجئًا لها، بل إنها توقّعت ذلك السيناريو بحذافيره؛ سيقولون لها إن أوراق اعتمادها بشبكة راديو النيل التابعة لها إذاعة راديو هيتس، انتهت. لذا لن يُجدي حضورها للإذاعة مُجدّدًا، هكذا استوعبت “عايدة سعودي”، المديرة والمذيعة لإذاعة راديو هيتس، ما قاله لها رؤساؤها حتى قبل أن يتفوّهوا به!

نعم، ربما تدري أن ما قالته بشأن حكم براءة الرئيس الأسبق حسني مبارك في لحظة انفعال وغضب، ليس مهنيًا، ولكن ماذا تفعل هي وغيرها من الإعلاميين المصريين في ظلّ عدم وجود مجلس وطني للإعلام يقوم بتنظيم عمل الصحفيين والإعلاميين دون تدخّل كان من القضاء أو الدولة أو أي مؤسّسة ذات نفوذ؟!

عمومًا، الجواب أتاها في غضون ساعات قليلة؛ حيث اتصل سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بعايدة وأمر بعودتها لمنصبها في الإذاعة وتجديد أوراقها وعودتها في الحال، وما كان من عصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون، إلا تنفيذ الأوامر العليا بإعادة الزميلة عايدة لمنصبها سالمة غانمة، وربما يتم زيادة مرتبها وترقيتها أيضًا؛ ألم يتّصل الرئيس السيسي بنفسه بها قبل أن تَشكره لأنه لم يَفته تلك “التفاصيل الصغيرة” مثل موقفها هذا.

 

(4)

يَطلع الدكتور حمزة زوبع، مقدّم أحد البرامج على قناة “مكمّلين” الفضائية، على الهواء مباشرة بقوله: سنذيع يوما ما اسم مصدر تسريبات مكتب السيسي.

يدرك مسؤولو قناة “مكمّلين” التي أذاعت حصريًا تلك التسريبات، حجم المشكلة التي وقعوا فيها؛ حيث تسبّبت تسريبات أعضاء المجلس العسكري للقوات المسلّحة، بما في ذلك تسريب يَظهر صوت الرئيس السيسي نفسه، والتي تتعلّق بتقنين مكان احتجاز الرئيس السابق محمد مرسي، في إثارة عاصفة من الجدل على الساحة السياسية المصرية.

فعلى الرغم من أن النيابة العامة نفت بعد ظهور هذه التسريبات بفترة قليلة للغاية، صحتها شكلاً وموضوعًا؛ حيث تم الاستعانة بتقنيات حديثة لتلفيق هذه الأحاديث الهاتفية تمامًا مثلما تم فبركة صوت خالة الفنانة منى زكي في فيلم “ولاد العم”، إلا أن شروع النيابة في التحقيق الموسّع للكشف عن الجناة سيطول دون شك المؤسسات الإعلامية “المدعومة من بعض الجهات الخارجية والمتمثّلة في قنوات فضائية مغرضة ومواقع مشبوهة على شبكة الإنترنت،” على حد قول النيابة!

ولن يتم الاقتصار هذه المرة على الغرامة المالية أو الحَبس لمدة قصيرة أو حتى إغلاق هذه المنابر الإعلامية “المغرضة”، بل ربما ينتظر الإعدام مسؤولي تلك القنوات الفضائية؛ ألم يتم ذكر الرئيس السيسي في تلك الجريمة “المفبركة”؟!

نعم، لم يَعد الصحفيون والإعلاميون في مصر ينعمون في بلاط صاحبة الجلالة، بل في بلاط “صاحبة الرئاسة”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد