هي القُدس، وجهة الصراع وبوصلة الاتجاهات. هي من يُعيد للناظر للأحداث وجهته ويحدد من خلالها مواقفه من تأييدٍ أو معارضة للأطراف المتشابكة والمتصارعة كلما ضاق به الأمر من تعقيدات ومناورات الساسة والحكومات، فيختلط الحابل بالنابل والحق بالباطل، ولا سبيل للرشاد إلا ذاك الذي يمر مُباشرةً بالقُدس. هي المدينة الفاضلة وثالث أهم المُدن في الإسلام بعد مكة والمدينة المنورة، ولأجلها أُريقت أنهار من دماء المسلمين على مر التاريخ دفاعًا عنها مرات وأخريات تحت أسوارها من أجل تحريرها.

يخرج علينا الاحتلال الصهيوني من فترة لأخرى بفعلٍ جديد يُعكّر صفو مسجدها الأسير. فلم يكتف بسرقة الأرض وتزوير التاريخ وقتل الرجال والنساء والأطفال وقائمة طويلة من جرائم حرب وممارسات عُنصرية تُرتكب بصفة يومية منظمة ضد الفلسطينيين منذ أمدٍ بعيد، تلك الأفعال لو فعلها غيره، لحاربه المُجتمع الدولي والعالم كافة، ونبذ خلافاته جانبًا، كالتي كانت مع العم جو.

وكأن العالم – عدا بعض الدول المعدودة – كُله اتفق على الخُذلان والصمت حيال المسجد الأقصى المُبارك. كم دولة سلّطت الأضواء حيال الأوضاع بالبلدة القديمة؟ وأين ذهبت المواثيق والأعراف الدولية؟ أم إنها تثبت بالتجربة تلو الأخرى أنها لا تُطبّق، إلا على الضعيف فقط.

يتملّك السخط المواطنين حين يخرج ممثلو دولهم العربية ولا يُصرحوا بغير الشجب والإدانة والاستنكار دون فعل يُذكر على أرض الواقع، ولكن هذه المرة بات الأمر مختلفا، وبدا للمتابع أن حتى مثل هذه التصريحات أضحت ثقيلة، ولا يُمكن التصريح بها.

وكيف لحكوماتٍ أن تفيق من الغفلة وهي غارقة في صراعات الجاهلية الأولي؟ فأولئك يقطعوا علاقتهم بأخٍ لهم دون حُجّة مُقنعة، وتتهاوي التُهم واحدةً تلو الأخرى، ولكن يبدو أنه لا نية للتراجع أو تصحيح المواقف وإعادة الترتيب للبيت الواحد – الذي تجمعه نفس العادات والتقاليد واللغة – عند الأطراف المُدَّعية. حتى بات واضح أنّه حصارٌ من أجل الحصار فقط. ولعل الحديث على الحصار ليس بجديد في المنطقة فغزَّة على سبيل المثال حصارها المُحكم ينتهي تمامًا في اللحظة التي تُقرر فيها دولة شقيقة فتح معبرها البري!

لا يكف الاحتلال عن اقتحام باحات المسجد الأقصى مرارًا وتكرارًا بسبب وبدون، وصار مشهد الاقتحام عَبثيا مُتكررا يُصيب الأمة في شرفها، وينشر نوعًا من اليأس العام لدى الشعوب بأن الفجوة تتسع، والطريق للقُدس يبعد شيئًا فشيئًا، بعد أن كان قريبًا عشية ثورات الربيع العربي. تحوّل الربيع إلى خريف يقتلع أحلام الشباب الثائر الطامح في التغيير، ولم ينته الأمر بقتل الأحلام وحدها، ولكنه طال الأرواح أيضًا، فالذي يَقمع يتفنن في أساليب القتل والتعذيب، وكأنه ذاهب لنُزهة، ولا يقتصر الأمر على أولئك الذين استفزوهم مرة وقتلوهم في مناسبات عديدة وهم عُزّل حتى اضطروا لحمل السلاح، ولكن السجن والتعذيب والقتل يطول كل من يُعارض ولو بشق كلمة أو حتّى بقلبه.

تصريحات الكيان الصهيوني في الفترة الأخيرة بدأت تأخذ مُنحنى خطرا، مُنحنى لم يتصوّر البعض حدوثه على الإطلاق ممن عاشوا الحلم العربي في مطلع القرن وعاصروا انتفاضة القُدس ومحمد الدُرَّة، ففي تصريح إعلامي لأفيخاي أدرعي – المُتحدث باسم جيش الكيان الصهيوني للإعلام العربي – (نحن نتحدث عن أنفسنا، ونتحدث عن أن هناك علاقات مشتركة مع بعض دول المنطقة، ونتمنى في القريب العاجل أن نتحدث بشكل مباشر عن هذه الدول) وغيره من تصريحات لنتنياهو ووزير الطاقة للكيان الصهيوني.

تفكك الأمة العربية صار واقع ملموس والجميع مُنغمس إمّا في النيل من الدول الشقيقة بأي وسيلة كانت كما سبق الذكر أو في مشاكله الداخلية وقمع المعارضة. إن تصريحات العدو الصهيوني وهو يقولها مُتفاخرًا مطمئنًا وفي عيون مُمثليه الشماتة واضحة تُثير القلق والخوف لدى المتابع حيّال مصير الحق الفلسطيني والمنطقة بأكملها. ثمّة زيارات سرية مُحتمل حدوثها، ولكن الأكيد وجود حوارات ومُناقشات وتعاون يحدث بالغُرف المغلقة ربما بدأ من زمنٍ بعيد، لكن ومن دون شك يبدو أنه وصل ذروته اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، وما خفي كان أعظم!

لم يتبق للأقصى والقُدس غير أولئك العُزّل المُرابطين حول أبوابه، يواجهون الرصاص بصدورٍ عارية تعلوها كوفية؛ صارت رمزًا عالميًا للمُقاومة الشعبية. يُجبرون الكيان الصهيوني على التراجع ويحرصون على ألاَّ تتكرر مآساة الحرم الإبراهيمي. يقفون كدرع بشري في وجه المحتل ويفعلون ما لم يستطع عليه الحُكَّام والملوك المتوّجين. أولئك وقفوا وحدهم دون مساندة من رئيس وحكومة أصابها الصمت الفاضح من المُفترض بها أنها مسؤولة عن شؤونهم ومقدساتهم. تلك السُلطة التي يظهر رئيسها إبان أزمة الأقصى ليقطع الكهرباء على غزة نكاية في حماس ناهيك عن أن القطاع أصلا يُعاني مأساة إنسانية من ضمنها قلة الكهرباء في الأصل التي تصلهم، وحصار لو يستطيع القائم عليه قطع الهواء، لفعل!

ربما نحن اليوم أمام مُفترق طُرق وجهات تحاول رسم وفرض خريطة جديدة لسياسات المنطقة ليس من ضمنها المسجد الأقصى أو قُل الحق الفلسطيني بأكمله وتمتدُ لتصريحات تحمل في طيّاتها نبذ الدين عمومًا وتهميشه وإقامة أجندة مصالح جديدة تختلف عن تلك المعهودة والمُفترضة. ربما يسعون فعلا لما بات معروفًا ضمنيًا باسم صفقة القرن تلك التي لو حدثت لقلبت المبادئ رأسًا على عقب، وأرجعتنا لزمنٍ باع فيه أحفاد صلاح الدين القُدس بأبخس الأثمان. فأين هُم من قادة على مر التاريخ أفاقوا من غفلتهم قبل فوات الأوان ونبذوا الخلافات والفُرقة بينهم حين دق ناقوس الخطر والأعداء على مقربة يُنذرون بهلاك البلاد والعباد، يتحيّنوا الفُرصة المواتية والأمثل للهجوم. ولعل الأمر في عالمنا اليوم مُختلف عن زمن قُطز وبيبرس وصد هجوم التتار، لكن القوقاز بتاريخها ليست عنّا ببعيدة وثورة الإمام شامل وتوحيد الرؤية الإسلامية بالجهاد ضد قياصرة الروس، كذلك الأمر كان في ليبيا عمر المُختار والقائمة في هذا الصدد تطول.

أو فلننظر إلى الحاضر ونرى عدونا في اتحاده وقت الخطر وترتيب صفوفه، إلاّ أن الواضح أن الأمة أُصيبت في ثوابتها بشكل عميق. تعريف البديهيات من جديد صار إلزامًا، فلا يدري بعض أو معظم العرب من العدو من الصديق؟ وما الذي يجب فعله؟ من ندعم ونؤيّد؟ ومن نُحارب ونُقاطع؟ ومن نُصادق؟ كحال طلبة عجزوا عن كتابة اسمهم على ورقة الامتحان حين طُلب منهم كأنهم نسوا أنفسهم فأنساهم الله أسماءهم. إن الإجابة تتلخّص في كلمة واحدة ثابتة على مر التاريخ، بالرغم من تعاقب الأزمنة والشعوب والحُكَّام.. هي القُدس وليس غيرها. هي مركز الحدث وقلب القضية.. هي التي على أساسهم اليوم والأمس وغدًا تُتخذ المواقف وتُحدد البديهيات!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد