الهرطقة لفظ دخيل على اللغة العربية من اليونانية، ويعني تغيير أو إنكار شيء من معتقد معين، أو استحداث جديد عليه، حتي يصبح في صورته الجديدة مخالفـًا لما كان عليه ابتداء. ظهر اللفظ مع بدايات الكنيسة المسيحية، ويعتبر لفظـًا مألوفـًا للدارسين والمهتمين بعلوم اللاهوت، بينما لا يستخدمه عادة دارسو العلوم الشرعية الإسلامية، حيث ظهر له أكثر من مكافئ منها الابتداع و الزندقة، وإن كان الأخير أيضًا لفظـًا غير عربي. و يُقال: المهرطق أو الهرطوقي يهرطق هرطقةً.

و الهرطوقي في زمننا هذا، في وطننا هذا، شخص يطل علينا من إحدى الفضائيات أو من أحد الأعمدة في الصحافة الخاصة أو الحكومية يفتي بقتل هذا و يكفر ذاك، بلا حساب ولا وعي ولا ضمير.

ولأن”الكلام معلهوش جمرك”، ولأن من أمن العقاب أساء الأدب، فالهرطوقي لديه من رباطة الجأش ما يقويه علي الادعاء بالعلم بكل شيء بما فيها علوم الشريعة التي يفني طالبها عمره في طلبها، و يغادر الدنيا وهو لا يزال يحصلها. أخونا “أبو برنامج وجريدة” قد ألم بها لأنه قرأ “عشرتاشر” كتاب في التاريخ الإسلامي. ولا حول و لا قوة إلا بالله.

و لعل لهذه الموجة إرهاصات عدة، لا يتسع المقام لمناقشتها، و لكن يعنيني جدًّا إحدى تجلياتها وهو الهجوم على مؤسسة الأزهر، في خضم المطالبة “بتجديد الخطاب الديني”. إن بعض من يتكلمون عن أزمة الخطاب الديني يساهمون بغير قصد في فوضى الفتاوى والتعدي على شرع الله.

فليس كل من يفكر يفتي، والعلوم الشرعية هي “علوم” تحتاج عقل + دراسة. حتي إننا أصبحنا نقرأ بشكل شبه يومي عن شخصيات عامة ربما لم تقرأ في حياتها كتاب واحد في علم واحد من العلوم الشرعية، وتصر في الوقت نفسه، بلهجة استعلائية، وبكثير من قلة التوقير، أن إصلاح الأزهر يجب أن يُملى عليه من خارجه!! هذا الكلام قد قيل بالفعل.

هل يمكن لمن يظن نفسه من النخبة المثقفة، أصحاب الدور التوعوي التنويري، أن يكون له دور ملموس و تاريخي، في إصلاح المؤسسات، من خلال المؤسسات، بدلاً من الاستغناء عنها و الهدم المعنوي لها؟

الظاهر أن البعض من إخواني في الوطن أصبح يصاب بنوع من الحكة الجلدية إذا ذكرت له مصطلحات مثل “رجال الدين” أو “علماء الشريعة” أو “شيخ” أو أية كلمة شبيهة، و لهذا قررت أن أعطي مثلاً من مؤسسة روحية لعقيدة رسولية أخري ليست ببعيدة عن الإسلام، معظم أتباعها يقطنون بالقرب منا، هم إخواني الذين يقتسمون معنا و نقتسم معهم الأرض و الماء و الهواء.

التقيت لأول مرة بالأرشيدياكون حبيب جرجس في كتاب “خريف الغضب”، ثم تعددت لقاءاتنا بعد ذلك. وأستطيع القول إن كل مسيحي أرثوذكسي من شعب كنيسة الإسكندرية في شتى أقطار الأرض تأثرت (وتتأثر) حياته بشكل يومي بما فعله ذاك الرجل، حتى إن عطاءه لدينِه يشمل البطاركة (رؤوس الكنيسة) التالين عليه مثل البابا شنودة الثالث والبابا تواضروس الثاني (الحالي) وربما البابا كيرلس السادس (البطرك الأسبق مباشرة) أيضًا.

وكأني أري كل مسيحي مصري يريد أن ينزع مارتن لوثر (غير مارتن لوثر كينج) من بين الشخصيات الأكثر تأثيرًا في التاريخ ويضع مكانه حبيب جرجس. ذاك الرجل لذي لم يكن في أعلى درجات الكهنوت (كان رئيس شمامسة، لا قساً ولا أسقفاً) ولم يكن راهبًا، ورفض البابا يوساب رسامته مطرانـًا، ومع هذا فعطاؤه لدينِه قد فاق، في رأيي الشخصي، كثيرين ممن جلسوا على كرسي ماري مرقس، فماذا فعل ذلك الرجل؟

إن أثر الرجل في تاريخ دينه والكنيسة يحتاج لكُتّيب، وسيرته موجودة من أكثر من مصدر على الفضاء الإلكتروني. يهمني أكثر أن أبرز نهجه في الإصلاح.

كانت الكنيسة في بدايات القرن العشرين تعاني من أزمة حقيقية، أزمة خطاب حرجة جدًّا، ترجع في الأساس إلى مشكلة في التعليم والتربية الروحية (واخد بالك معايا)، كانت المدرسة اللاهوتية (الكلية الإكليريكية) لا يوجد بها مدرس للدين!!
فأعاد إحياء الكلية من “خلال المؤسسة الأم” وأسس مدارس الأحد “من خلال المؤسسة الأم”، ورفض ثورة على رجال الكهنوت في زمانه، وأعطي الأولوية لإصلاح منهج التربية والتعليم الكنسي، “من خلال المؤسسة الأم”، وبرعاية من عاصروه من الأساقفة، ضمانة لمستقبل أفضل.

هل تسمع نُخب الفضائيات المهرطقة صيحة حبيب جرجس: “أصلح ولا تهدم”؟

إن مؤسسة الأزهر ليست في زُحَل، ولم يتسن نقلها لعطارد بعد، بل هي في مصر، والتعليم الأزهري لن نختلف أنه ليس بعيدًا عن منظومة التعليم المصري، ولهذا فمؤسسة الأزهر مثلها مثل بقية مؤسسات الدولة، قد يكون أصابها بعض الوهن والتكلس على أثر عقود من الفساد. من أجل هذا، يجب أن تكون مبادرات إصلاحها وقوفـًا بجانبها وليس حربًا ضدها، اعترافـًا بمكانتها، وتفعيلاً وإبقاءً على دورها الروحي. هل يعني عدم وجود كهنوت في الإسلام أن تكون أعراض ومكانة العلماء ومؤسسات تفريخ العلماء مستباحة بهذا الشكل؟

الأزهر مدرسة ومؤسسة ومنهج، ليس شخصًا بعينه ولا عهدًا بعينه، ليس منزهًا ولكنه بالتأكيد مقدّرًا. أتمنى لهم (أمنية التلميذ للعالم) التوفيق والسداد، والثبات إن أصلحوا والهداية إن عَدَلوا (من العدول و ليس العدل).

هل يا ترى، يا هل ترى، يمكن أن نجد بين نُخَب الفضائيات والصحافة “الحرة” حبيب جرجس واحد يوحد ربنا؟!!

رفقـًا بالعمائم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد