من آفات العقل الشمولي مرض التأطير في معنيين متضادين( مع أو ضد)،  فهو لايستطيع أن يتحرر من «رهقه الذاتي» المبني على «التعميم التعسفي» الذي يتناقض مع التفكير الموضوعي، ولا أن يكف أذاه عن الآخرين.

عندما يتناول العقل الشمولي أية إشكالية، لا يقوم بوصف تلك الإشكالية كمسألة حدودية، بل حدية غير قابلة للقراءة من جوانب عدة، إنها لا تقبل غير تعريفه هو.

«يمثل الفكر الشمولي وطأة على الآخر، من طرف، وعلى الذات من طرف ثان»؛ إذ يشكل تعذيبًا خفيا على هذه الأخيرة (الذات) حين تتحمل، مختارة، أعباء النيابة عن الآخر، ومسئولية الاضطلاع بكل شيء «الفلسفة، العلم، التاريخ، الدين، الجمال، وحتى العلوم الدقيقة» اضطلاعًا مهووسًا بالوضوح والتنظيم والحصر والضبط والاختزال والتعيين، ومتطيرًا من المجهول والمخبوء والخفي والمختلف «الجديد عامة».

الأمر الذي يبعد هذا الفكر/الوهم عن الاتساق الداخلي، مع الذات، ويقربه أكثر من ميدان العنف والقوة والاستبداد، خارج فضاء التسامح، والاعتراف بالآخر، وتقبّل نسبية المعرفة.

سمة أخرى تطبع الفكر الشمولي، وتتجلى بجعله المثقف – مثقفه – مشروعًا سلطويًا، مكتفيًا بذاته، بل فائضًا عنها، يحتاجه الجميع، ولا يحتاج أحدًا.

الجميع في نقص، وهو في كمال؛ وعلى هذا ينبغي على الآخرين أن يذعنوا له – بالقياس على إذعانه هو لسلطته الشمولية – بأن يوافقوا على أفكاره، ويتطابقوا مع تصوراته.

أما بالنسبة للعالم، فعليه أن يتشكل على مقاس فكرته المسبقة عنه؛ وإلا فالعالم في ظلمة، والإنسان في جاهلية.

ويتحمل بذلك، صاحب الفكر الشمولي مسئولية مزدوجة، تتمثل في تحوله إلى مستبد مسكين، يثير الشفقة؛ حين يغدو هو نفسه الخالق، وصاحب الرأي الأوحد في الخلق، أي أنه يجمع عناصر الخطاب كافة: المرسل، والمرسل إليه، والرسول، والرسالة ضمنًا[1].

ولعل من أخطر تجليات الفكر الشمولي تعامله مع التراث وسيادة التبسيط المخل لمعنى «التراث»، ويقابل هؤلاء التراث بإجحاف خانق، وحصار مخنق ويختزلون كل الشرور بالتراث، وما تم نقله إلينا!

ويتساءل البعض من هؤلاء «هل يصلح الإسلام دون الموروث الفقهي التاريخي؟»، « هل نحن بحاجة للتراث؟»، «هل الدين لا يكتمل، إلا بالرجوع لهؤلاء الأئمة؟»، «لماذا تتقاذفنا حروب المصطلحات؟».

«ألسنا على ملة أبينا ابراهيم الذي سمانا المسلمين؟، هل الإسلام السني التراثي يختلف مثلًا عن الإسلام القرآني؟»

«كيف يكون البخاري ومسلم مرجعًا دينيًا ثبت الخطأ فيهما؟»، «كيف يكون الظن مصدرًا، والله يقول (إن الظن لا يغني من الحق شيئا)؟»، «أليس ما تفعله داعش له مبرراته الفقهية في صحيح البخاري ومسلم وعند ابن تيمية؟»

الوعي بالمشكلة أول الطريق

إنها استفسارات محقة قد يبدو للوهلة الأولى أنها تلامس الحق والحقيقة، ولكنها في واقع الأمر تزيد من إعادة الإنتاج في الانضواء والانزواء للتراث.

السائل: لماذا نحن في تخلف؟

العقل الشمولي يجيب: لأن التراث يغذيه!

السائل : ولماذا يغذي التراث التخلف؟

العقل الشمولي يجيب: لأن التخلف في التراث.

السائل: ولماذا التخلف في التراث؟

العقل الشمولي يجيب: لأنه سبب التخلف.

السائل: ولماذا نحن في تخلف؟

العقل الشمولي يجيب: لأن التراث متخلف.

الفكر الشمولي دورة رديئة تحاول الحل باختلاق مشكلة، وعدم البحث عن جذورها.

إن هذا الاختصار المخل والجواب المبسط هو الذي يسيطر على رافضي التراث من الشموليين الذي يبحثون عن كل فضيحة في التراث؛ فينشروها، ثم يعمموا صفة النقص والقصور على التراث.

إن من يجعل من التراث سببًا لكل شر لم يفهم أن الغش الثقافي والتراثي جزء من الإشكال، وليس كل الإشكالية، وأن الانحراف في الحياة السياسية والدستورية جعل من التشوه العقلي أساساً للحياة العامة.

يغيب عن هؤلاء الحانقين على التراث أن النفي المطلق يقابله إثبات مطلق، وبين نفي وإثبات تضيع الحقائق.

إن  الواقع العربي الإسلامي أتخم عبر قرون بثقافة الإملاء، الأمر الذي أقال العقل عّن حراكه، وبات أسهل الخيارات لديه الثنائيات المختزلة: إيمان أو كفر، مع أو ضد …

لقد انعدمت الألوان، وافتقد إلى حس التميز، فلا يعرف، إلا الابيض أو الأسود.
إن مانحتاجه اليوم، ليس شطب التراث، بل نقد العقل الذي يعقل التراث، إننا بحاجة إلى تفكير العقل داخل عقله، واستعادة التفحص لمساراته ومسلماته.
إن تعطيل العقل هو الذي مهد لضياع الشخصية برمتها، ونتج عن ذلك بناء الإنسان «الكل» العاطل عن الفعل.

ونحن لا ننكر أن الهيئات الرسمية، بعد أن عطلت العقل، نادت بتكريس الإيمان المطلق بالتراث، ولسوف تتفاجأ إن عرفت أن هذا التبني المطلق قوبل، ومن الجهات الرسمية أيضًا باستهتارٍ بكامل التراث.

وفي حين تجد التراثيين يخافون على الدين وثقافة المجتمع فيحتمون بالتراث، نلحظ أن من يهاجم التراث يتمترس أيضًا بالدين وبمرجعية القرآن وبرفض السنة بحجج عديدة؛  ليكون الضحية من الموقفين هو الإنسان والحياة والفكر والدين أيضًا.

ما سرّ ذلك؟ وكيف تحمي السلطة التراث وتضربه في ذات الوقت؟

إنه التآمر الرسمي منذ عقود على المجتمع من خلال خلق المتناقضات وضرب الجميع بالجميع، وإشغال العقل بثنائيات مختصرة وغير ناضجة.

الخيار الثالث

بين هؤلاء وأولئك، هناك مسار ثالث خرج من ماضوية التراث سلًبا أو إيجابًا، ورفض الاغتراب عن الماضي والحاضر، فاغترب إلى الغرب، موليًا ظهره لواقع عاشه ويعيشه،

فصار أقرب إلى التيه منه إلى الرشاد، فلا هو مع  التراث ولا مع الغرب.

إنه عقل ضائع يفسر الحياة بتنصلها من كل قسمات هويتها، ويفترض النقص في المكون الذاتي للمجتمعات العربية والإسلامية.

بين قبول مطلق ورفض مطلف وانسلاخ تام نفقد أنفسنا وتراثنا وحلولنا

إن هذا الاستعراض البانورامي الذي يفترض البراءة في التعامل مع التراث وإشكالاته، ويرفض نظرية المؤامرة التي تدّعي أن ثمة جهات تؤيد سلخ المسلمين عن تراثهم وثقافتهم، يظهر حجم المأزق الذي وقع العقل فيه.

يبقى السؤال

كيف نتعامل مع التراث؟

هل هو نص غير قابل للنسخ أو الدرس والبحث أو ربما التجاوز؟

إن التراث أشبه بصيدلية تحتاج إلى وصفة طبيب مختص؛ كي تأخذ ما ينفع في الظرف الزماني والمكاني والشخصي.

هناك ما يسميه المفكر علي شريعتي ـ رحمه الله ـ «جغرافية الكلمة»، وهو ما قد وضحه الإمام الشاطبي في الموافقات الجزء الخامس بقوله

«ومن هذا يُعلم أنه ليس كلُّ ما يُعلم مما هو حقٌ يُطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة ومما يفيد علمًا بالأحكام، بل ذلك ينقسم; فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص».

منهج التعامل  مع التراث بين التخلية والتحلية

إن عقل العقل التراثي يتطلب منا تكوين منهج نقدي في قراءة التراث، والتعامل معه، وهو ما صاغه الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ «اقرأ وانقد ووازن ورجح وتجرد عن الهوى وابحث عن الحق»[2].

امتلاك المنهج النقدي يحتاج إلى ملكة علمية وإدراكية أيضا، ثم بعد ذلك، إن المنهج النقدي القائم على استثمار العقل وتوظيفه يأتي من بعده دور التحلية، فبعد التخلية أي وضع منهج فكري صارم يقوم على التمحيص والتروي، لابد من تحلية، وتحلية العقل بالاطلاع المكثف على العلوم الشرعية والإنسانية، ولابد من التنبه إلى أن القراءات غير المتوازنة تخلق فكرًا مشوشًا، وأن الإيغال في دراسة ما دون قاعدة مشتركة من علوم أخرى لا يعطي ثقافة سليمة. كما يقول حكيم الإسلام محمد الغزالي[3].
لقد غاب لقرون عديدة معنى التجديد، وهو عملية ترتيبية وجراحية أيضًا تملك الوعي والتفريق الجلي بين قول الله وصحيح السنة وشرح الشارح، إنها تقدر شرح الشارح وهو ما يمكن تسميته بالتراث.

التراث

جهد عقلي وحراك فكري تناوبت عليه العقول منذ قرون عديدة، ومع تقديرنا لما بذل، إلا أنه من الممكن أن نتخير من التراث ما ينفع.
إن التراث كديوان للعقل العربي الإسلامي لا يخلو من مفاصل رخوة، وأيضا متشددة وتائهة، وبلا مسار، وبلا أية وجهة، إن امتلاك الأخلاق العلمية والضوابط الفكرية يجعلنا نميز بين الفهوم الوقتية والنصوص المطلقة عن قيد الزمان والمكان.

الحل ليس في أن نبخس التراث، ولا أن ندنسه أو نقدسه، الحل هو إطلاق العقل من مسار التقليد، واصطحاب الرؤى التراثية المبصرة، وما أكثرها، والحوار الذاتي ضمن العقل، ومع التراث والمبني على الدليل والمحاججة الفكرية والعقلية والبرهانية.

إن العقل العلمي لا ينكر أنه بسبب التسلط السياسي برز التعصب للموروث واكتسب صفة القداسة. وأنه تم تمرير مقولات فاسدة، وأفكار مخادعة سرقت بعض مضامين الدين.

ولصناعة «الاستحمار» برز وعاظ السلاطين، لكن هؤلاء، كم نسبتهم؟

إنهم لا يمثلون عشرة في الامئة من شيوخ المسلمين، كما يقول د. عداب الحمش.

لا ننكر أن في الجانب الدستوري التراثي قصور، أرغم أهل السنة مثلًا على طاعة ولي اﻷمر والدعاء له، والسكوت عن أخطائه؛ بحكم تراثنا الذي يجيز إمامة الظالم والباغي والجاهل ذي الشوكة المتغلب.

وهذا هو المنهاج اﻷموي الذي أجبر العلماء على أن يكونوا أتباعا للطغاة بالقوة، وليس العكس.

لكن في مقابل هذا التراث يوجد أيضًا تراث تحرر من الاحتواء السلطوي.

ألم يرفض «عبد الله بن عمر» و«أسامة بن زيد» و«أبو بكر» وغيرهم طاعة اﻹمام «علي»؛ ﻷنهم يوقنون أنه لن يجبرهم على شيء.

بينما بايعوا «يزيد» وعدوا مبايعته من الوفاء والبعد عن الغدر؟

إنه الخلل في الرأس السلطوي المتمترس بالسيف، وليس في حروف قد تطير في الهواء، ثم كم من الناس جعل التراث فوقه حاكمًا وقاضيًا.

إن البخاري ومسلم وهما يٌهاجَمان اليوم بشكل ملفت ليسا سبب المشكلة، إن تنقية السنة مما لحق بها أمر جليل، وهي مهمةٌ مهمة، ورحم الله الغزالي الذي قال «غايتي تنقية السنة مما قد يشوبها! وغايتي كذلك حماية الثقافة الإسلامية من ناس قيل فيهم (إنهم يطلبون العلم يوم السبت، ويدرسونه يوم الأحد، ويعملون أساتذة له يوم الاثنين. أما يوم الثلاثاء فيطاولون الأئمة الكبار، ويقولون: نحن رجال وهم رجال)»[4]!

أليست هذه حال غالب من يريد إلغاء التراث! جهل مقنع بالعلم وتطاول ملفوف بقلة أدب.

كيف يتم التعامل مع الصحيحين البخاري ومسلم، الطريقة باختصار استهتارية وجنونية وحديث بلا خطام أو حدود، إن عزو الدم إلى البخاري ومسلم كذب وافتراء، وكل دم وراءه جنون سلطوي وتحريض على استعارة مبررات من هنا وهناك، ووجود نصوص في الصحيحين عليها ملاحظات لا يخدش من قدرهما، ولو سلمنا بوجود أخطاء أو ملاحظات في مرويات سنية، هل الخطأ يزيل الصواب؟ ولو قلنا عن حديث ما فيه علة، وقلنا عن هذا الحديث خطأ، ومثله، و300 حديث خطأ، فيبقى 2300 صحيحة وصواب، ويظل البخاري مصدرًا  شرعيًا مع ظنية ثبوته؛ ﻷن الاحتجاج الفقهي بأحاديثه ﻻ يتم إﻻ بعد فحص الفقهاء جملة الوارد في الباب.

ثم إن التعبد بخبر الواحد الثقة جرى على عهد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بل بتوجيهه هو.

وظنية ثبوت الحديث ﻻ تعني أنه مشكوك في ثبوته، بعد التحري، وإنما تعني أن احتمال وهم الراوي قائمًا، فما وهم فيه الراوي حقيقةً رصده العلماء وصنفوه في كتب ضخمة أسموها كتب العلل. وما لم يخطئ فيه الراوي فهو محفوظ صحيح يُعمل به بكل انشراح صدر، إﻻ إذا أظهرت العلوم الحديثة يقينًا معارضًا، فهذا يكون من باب اختلاف ثقافة العصر، وﻻ يحط من قدر صحيح البخاري، وﻻ صحيح مسلم.
إذن لابد من الوعي في التعامل مع التراث، والخطة الاستراتيجية للاستفادة من هذا التراث وتحديد الأهداف من التخيير في المنشور من التراث، والارتباط بالمشكلات الواقعية، وذلك بالإضافة إلى الإنسان المؤهل للإنجاز للتعامل مع التراث، والإمكانيات المادية لكل بحث علمي.

إن تعليق الخلل على التراث تهيب من الحضور المسئول، كما أن نبش التراث بحجة استخراج الفضائح منه، ليس عملًا أخلاقيًا ولا نبيلًا، «إن رجل الفكر الإنجليزي يشعر شعورًا متصلًا بأنه يواصل عمل «شكسبير»، و«ستيورات مل» «برناردو»، ويواصل عملهم على طريقته وأسلوب عصره؛ لأنهم يعيشون فيه، فلماذا لا نشعر نحن بأثر «الجاحظ» و«أبي تمام» و«المتنبي»، و«ابن سينا» و«ابن حزم»، وبقية الأعلام في نفوسناوفكرنا؟[5]»

الأمم الأخرى تلفق تراثًا وتعتز بتراث، حتى وإن كان دون المستوى، ونحن ندير ظهرنا لتراث لا ننكر أن بعض ما فيه لابد من تجاوزه، ولكن فيه ما يعلي الهمة، ويفتح العقل ويشرح الصدر.

إن البلاء في راس السلطة التي حرفت أدق المعارف وحرقت الإنسان والحياة، «شعوري الخاص أن الباقي لنا من تراث الفكر العربي، قليل جدًا والباقي رماد».

التراث المعوج دليل على الأزمة، وليس هو الأزمة، الأزمة كانت، وما زالت فيمن سود العضل، وغيب العقل. الأزمة في رأس الحاكم.

_________________________________________________________________________________________________

[1] علي ديوب. الفكر الشمولي يمركز فلسفة القوة. مقال على النت

[2] هكذا علمني محمد الغزالي ص129.

[3] هكذا علمني محمد الغزالي ص324.

[4] السنة النبوية بين أهل الفقه اهل الحديث  ص239

[5]د. حسين مؤنس موجز تاريخ للفكر العربي. ص 9

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد