لا يخفى على أحد معاصرة الإمام الفقيه الليث بن سعد، إمام أهل مصر في زمانه، للإمام مالك عليهما سحائب الرضوان؛ لكن كما نرى أن فقه الإمام مالك انتشر في الآفاق، وبقي متدارسًا في شتى بقاع الارض؛ بينما يكاد ينسى أن الامام الليث بن سعد هو أحد فقهاء أهل السنة والجماعة التسعة أصحاب المذاهب.

ومن هذا المنطلق أتحدث عن قصة فَقْد تراث السادة العلماء والأئمة الفضلاء، وسأتناول بالحديث أحد السادة العلماء في العصر الحديث في مصر وقد تلاشت أغلب كتاباته ومحققاته، اللهم إلا بعض الكتابات هنا أو هناك، أو محققات في بعض مكتابات القاهرة القديمة.

في هذه الكلمة سنتذكر الشيخ الجليل المفسر ذا المآثر العلامة محمد مصطفي أبوالعلا الحنفي الأزهري؛ ولد بالمرج في 4 أبريل (نيسان) عام 1909م، وتوفي رحمه الله في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1985م، كان رحمه الله نابغًا منذ صغره؛ فأتم حفظ القرآن في سن التاسعة، ونشأ في أُسرة لها ما لها في العلوم الشرعية، فجد الشيخ كان من علماء الأزهر، كذلك درس والده بالأزهر، وكانت له معرفة بالعلوم الشرعية، وخاله هو العلامة الأديب علي بن داود المرجي الشافعي.

حفظ الشيخ أبو العلا على أستاذه الشيخ علي شاهين بملاحظة أبيه وخاله القراءات السبع، وكان آيةً من آيات الله في سرعة الحفظ، فقد كان يبدأ بالتسميع بعد المطالعة الأولى مباشرةً؛ ولذلك لم تطل مدة حفظه للقرآن الكريم، فالتحق بالأزهر، وقد كان يفوق أقرانه؛ مما جعله يتخطى دراسته الابتدائية، والثانوية بأقل من المدة المعروفة، ثم حصل على الشهادة العالمية النظامية الأزهرية في سنة 1351 هـ، وفي سنة 1354 هـ؛ حصل على شهادة التخصص القديم، وهي كبرى شهادات الأزهر، وكان أول فرقته، ولم يكن اتصاله بالعلم عن طريق الدراسة النظامية بالأزهر فقط؛ بل تعدى ذلك فكان خاله يدفعه إلى مجالس أكابر العلماء؛ لينهل ويستفيد من علومهم، كالشيخ يوسف الدجوي، والشيخ النبهاني، والشيخ محمد زاهد الكوثري، والشيخ محمد حبيب الشنقيطي، وبعد أن أتم دراساته تدرج الشيخ أبو العلا في المناصب الإدارية الأزهرية وكانت له تصانيف متعددة منها إجازة الشيخ الشنقيطي في علم الحديث.

لقد كان الشيخ ذا تواضع فائق وذاكرة قوية، ولطول ممارسته للفقه، كان يستحضر المذاهب الأربعة، وكان مُعظمًا للإمام أبي حامد الغزالي محبًّا له؛ فكثيرًا ماكان يعتمد على إحياء علوم الدين في خطبه ومقالاته في مجلة«منبر الإسلام»، لدرجة أن كان يكنّى بين الناس بأبي حامد لفرط محبته له.

كان يعمل بالأزهر وترقى بدرجاته حتى بلغ مدير عام التعليم الأزهري في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وكانت له إسهامات علمية كثيرة في التدريس الأزهري الشرعي؛ نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعضًا من كتبه كتفسير نور الإيمان، البشرى بالجهاد، وغزوة بدر الكبرى، النفحات المحمدية في الخطب المنبرية، ديوان الخطب المنبرية العصرية، الواعظ العام لسعادة الأنام، وكتاب حديث الإسلام؛ أما بالنسبة للتحقيقات، فقد قام رحمه الله بتحقيق جميع كتب الإمام أبي حامد الغزالي ماعدا إحياء علوم الدين، وبعضٍ من كتب الإمام السيوطي، وابن السبكى والطبري، وكذلك الحكم العطائية، والإمام النبهاني، وغيره كثير، ولكن هذا مما تمكنا من حصره من مؤلفات وتحقيقات.

وعندما وصلت إلى جزء الأسانيد التي كانت للشيخ رحمه الله؛ فوجدت أن له إسنادًا في بعض كتب الحديث وبعضٍ من الكتب الأخرى كفهرس الفهارس، وكان أشهر المجازين من تحت يدي الشيخ مفتي جمهورية مصر العربية الأسبق الدكتور علي جمعة؛ لكن مع مرور الايام بدأ هذا التراث في التلاشي رويدًا رويدًا، إلى أن أصبح من العسير الحصول علي أي معلومات عن الشيخ رحمه الله؛إذ أضناني البحث في تراث العائلة؛ لكي أصل إلى بعضٍ من الخيوط التي تمكنني من كتابة سيرة جدنا الشيخ حامد أبو العلا.

إن هذا المثل الذي ضربته بسيرة الشيخ حامد، ليس إلا أحد الأمثلة على اندثار وتلاشي العلم بموت العلماء وعدم الاهتمام بتراثهم وموروثهم، إنني أعلم علم اليقين أنه من المستحيل الإلمام بجميع علماء أهل الأرض في كل زمان ومكان، لكن السعي للحفاظ على تراث هؤلاء الأفذاذ؛ سيكون له الأثر البالغ في رفع وعي الأجيال القادمة بتراثها وموروثها، وسيزيد رصيدنا المعرفي الذي يمكننا من أخذ كل مايناسب وقتنا، مما طوته صحف الأجداد في كتبهم.

وأختم هنا بقول الإمام الشافعي رحمه الله موصيًا طلبة العلم بالصبر على العلم وخصوصًا الشرعي، وحفظه فقال:

«حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصًا واستنباطًا، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه».

ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله***ومن يخطب الحسناء يصبر على البذلِ

ومن لم يذلّ النفس في طلب العلى***يسيرًا يعش دهرًا طويلًا أخا الذلِّ.

نفعنا الله جميعًا بما علمنا، ورحم الله العلماء الأفاضل، ورزقنا وإياكم حسن العمل بما علمنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد