الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

تصدّر لنا إلى شاشات التلفاز من خلق الله الكثير من البشر ينظّرون لنا في الدين ويطلبون تغيير الفتاوى والتفاسير بحجة أن الزمن قد تغير وهذه الفتاوى والتفاسير لا تناسبه، والحقيقة أنه لو أن في الزمن تغير معتبر للعمل على هذه المطالب فالتغير هو ظهور هذه الكائنات ووجود من يقف وراءها بالدعم السخي وتقديمها للرأي العام على أنها شخصيات مستنيرة وعقول لامعة ستحدث نهضة فكرية وثورة معرفية غير مسبوقة.

أتحفنا هؤلاء بالعديد من المطالبات منها ما أسموه (تنقية كتب التراث) وقالوا بضرورة وضع هذه المطالبات قيد التنفيذ على الفور لأنهم يدّعون أن عقول وأفكار الناس عاشت في ظلام لقرون عدة وقد آن الأوان لنسمو فوق هذه الحالة الظلامية، وهذا خطاب أجوف لا يعلم صاحبه أصلًا ماذا يستهدف، ولكن الطابع الثوري المزيف للخطاب وحده يستثير الكثير من الحمقى الذين يتفاعلون مع الخطاب فيثورون معه أيضًا على شيء لا يعرفونه، فلا نحن سلّمنا بأن هناك تشويه عقول ناهيك عن أن يكون عمره عدة قرون ولا سلّمنا بأن هناك خلل في تلك التي يسمونها (تفسيرات وفتاوى) ويستهدفونها بالتحديد دون الكثير من أخواتها.

نحتاج أولًا للتأسيس لأمر مهم وهو أن حصول العلم لشخص ما والتمكن منه واتقان العمل به مرهون قبل كل شيء بوجود (المَلَكة) والمَلَكة هي صفة ذاتية أو ذهنية عند الشخص تؤهله للقيام بعمل ما باحترافية وحذاقة، والحديث عن المَلكة هو حديث مستقل عن حديث الفهم والوعي.

يقول ابن خلدون في مقدّمته: الحذق في العلم والتّفنّن فيه والاستيلاء عليه، إنّما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله.

ويستطرد قائلًا: وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفنّ المتناول حاصلًا، وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي لأنّا نجد فهم المسألة الواحدة من الفنّ الواحد ووعيها مشتركًا بين من شدا في ذلك الفنّ وبين من هو مبتدئ فيه وبين العاميّ الّذي لم يعرف علمًا وبين العالم النّحرير، والملكة إنّما هي للعالم أو الشّادي في الفنون دون من سواهما فدلّ على أنّ هذه الملكة غير الفهم والوعي.

ما يهمنا هنا هو تعيين التمايز بين المادة العلمية نفسها وبين المتلقي الذي يحصّل هذه المادة، فالمادة يمكن أن تكون حقائق ثابتة أو نظرية مدعومة بالكثير من الأدلة أو بالقليل أو لها شواهد كما يقولون أو نظرية مبنية على معلومات أو تصورات مغلوطة، أما من يقرأ أو يحصل هذه المادة فهو إما أن يكون مجرد وعاء يستوعب ذلك المدخل الجديد أو أن يكون صاحب عقل ناقد ورؤية ثاقبة يحلل ذلك المدخل، فالقضية ليست بوجود مادة صحيحة أو مادة غير صحيحة في المتون، وإنما هي الممارسة العلمية والنقدية التي يعمل من خلالها طالب العلم على تمييز الصحيح من السقيم، وهذا ينبني على وجود المَلَكة التي تحدثنا عنها أولًا، ثم إستثمار هذه المَلَكة في ممارسة علمية سليمة، فيمكن أن يأتي أحد يتكلم في مسألة ما ويفتي فيها ثم يأتي أحد آخر يتناول طرح الأول حول هذه المسألة وربما كان هذا التناول في سياق نقاش مسألة أخرى، يمكن أن يتبين خطأ طرح الشخص الأول ولكن تكون هناك فائدة علمية من وجود طرحه وهي تعلم طرق الإستدلال والتنبيه على ما يمكن أن يكون غائبًا عن الأذهان بالإضافة إلى تحري أسباب الخطأ حتى يتم تجنبها وكل هذا جزء مع الممارسة التعليمية والتربوية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار سلوكيات المناقشة الهادفة.

هل يعني هذا أنه يمكن لأي أحد أن يقرأ أي شيء؟! بالطبع لا، فهناك مرحلة تأسيسية وهي مرحلة البناء والتي يجب أن تتم وفق ضوابط وبتدرج معين وبإشراف من أهل العلم والمعرفة.

لذلك عندما يأتي أحد ليقول بضرورة تنقية كتب التراث فهو ببساطة لا يفهم حقيقة الممارسة العلمية والممارسة النقدية التي تتم وتتمخض عنها الكتب والرسائل والأبحاث، وهي ممارسات غير متوقفة وليس لها حد أصلًا، ثم ماذا يعني أصلًا بـتنقية كتب التراث؟ هل يعني أنه سينظر في الكتب ويحذف منها مثلًا أم أنه سينظر في الكتب ويعيّن منها الصحيح والسقيم؟

لو كانت الأولى فهي مردودة على صاحبها والكل يعلم لماذا، ولو كانت الثانية فهذه هي الممارسة التي يقوم بها العلماء وطلبة العلم منذ قرون والتي يدركها كل من شم رائحة العلم والمعرفة، وبالتالي فالمسلمين لم يكونوا بحاجة لأن يأتي أحدهم ويقول:

(وظيفتنا اليوم أن نراجع كتب التراث ونزيل الشوائب منها.. وأن نراجع الفتاوى القديمة فنأخذ ما وافق الحق.. ونزيل ما خالفه.. وإن كانت الفتوى اجتهادًا بغير نص، نأخذ ما وافق مقاصد الإسلام ونزيل ما خالفه.. فبعض كتب التراث والفتاوى القديمة تعج بالعجائب والغرائب والمصائب).

صاحب المنشور أعلاه هو الداعية وسيم يوسف لاحظوا أنه يحكم على الفتاوى التي خالفت الحق بالإزالة على الرغم من أن صاحب هذه الفتوى قد يكون مستوفيًا لسلوك البحث الصحيح ومخلصًا في إجتهاده ويدين لله تعالى بما وصل إليه وداخلًا في زمرة الذين نالوا أجر الاجتهاد مع عدم وصولهم للحق، وهو ذاته الذي يصف بعض الفتاوى بأنها عجائب ومصائب ويجب إزالتها يرفض الوصاية الفكرية عندما كان الحديث عن محمد شحرور الذي يخبط يمنة ويسرة في الدين بدون أي ضابط علمي واحد، كما لم نسمع عن رأيه تجاه علي بن تميم الذي تكلم عن المجلدات الثمانية لكتاب أصل الأنواع لداروين.

الجميع يعلم أنه إما أن يكون الشخص بارعًا حذقًا في مجال علمي ما متمكن فيه أو أن يكون جاهل به لا يعلم عنه شيئًا ولكن ما لا ينتبه إليه الكثير وهو أهم أسباب المصائب التي نراها هو ظن البعض أن ما لديه من حصيلة معلوماتية يكفيه للتنظير والإفتاء في المسألة العارضة مما يجعله في غنى عن البحث والتحصيل في المسألة، هذا الأمر لا ينتبه إليه إلا من كان حصيفًا وورعًا في الممارسة العلمية وهذا ما تجسد عند علماء السلف الذين يريد وسيم يوسف أن ينقي كتبهم من الفتاوى المخالفة، فجاءت عنهم وصايا مثل: إن صح الحديث فهو مذهبي.. وأيضًا: إن خالف قولي الحديث الصحيح فاضربوا بقولي عرض الحائط.. وغيرها من الوصايا، ويقول الإمام إبن تيمية في ذلك: وَأَمَّا أَقْوَالُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ كَالْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ فَلَيْسَ حُجَّةً لَازِمَةً وَلَا إجْمَاعًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – أَنَّهُمْ نَهَوْا النَّاسَ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ؛ وَأَمَرُوا إذَا رَأَوْا قَوْلًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِمْ: أَنْ يَأْخُذُوا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَيَدَعُوا أَقْوَالَهُمْ. وَلِهَذَا كَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَا يَزَالُونَ إذَا ظَهَرَ لَهُمْ دَلَالَةُ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ عَلَى مَا يُخَالِفُ قَوْلَ مَتْبُوعِهِمْ اتَّبَعُوا ذَلِكَ.. وراح يعدد الأمثلة التي خالف فيها الأئمة الأربعة النصوص الصحيحة الثابتة دون أن يطالب بـإزالة تلك الفتاوى، بل كتب رسالة يبحث فيها أسباب اختلاف العلماء في الفتوى وتعدد المذاهب.

أما فيما يتعلق بالتحصيل المعرفي المؤهل للفتوى فقد قال فيه الإمام أحمد: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إذَا حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقُرْآنِ، عَالِمًا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ، عَالِمًا بِالسُّنَنِ، وَإِنَّمَا جَاءَ خِلَافُ مَنْ خَالَفَ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِصَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا.. ويقول الشافعي: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ إلَّا رَجُلًا عَارِفًا بِكِتَابِ اللَّهِ بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ، وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيرًا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَيَعْرِفُ مِنْ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيَكُونُ بَصِيرًا بِاللُّغَةِ، بَصِيرًا بِالشِّعْرِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلسُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ، وَيَسْتَعْمِلُ هَذَا مَعَ الْإِنْصَافِ، وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفًا عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَتَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ.

المقصود هو أن كل إنتاج فكري لابد أن يقوم على حصيلة معرفية كافية وأصول صحيحة، ولأن هؤلاء أهملوا هذا المبدأ وجدناهم يقولون بأشياء تصادم كل ما اتفق عليه أهل العلم، أما من يقولون بشاذ الأقوال من وراء ستار (هذا رأيي ولك أن تتفق وتختلف معه) فالعلم قبل أن يكون آراء متنوعة هو رسالة ودعوة للتوعية والتنوير الأمر الذي يتطلب قدر متفق عليه من هذا العلم يكون له السواد الأعظم والذي لا تجوز مخالفته، ثم هذا الذي يقول برأيه الشاذ هذا على قناة في اليوتيوب مثلًا أو في مقال او غيرها أصبح تلقائيًا داعية لقوله وأخضع نفسه للميزان النقدي الذي به يتبين صواب ما قال أو خطأه.

كل أمة تحرص على ميراثها المعرفي والثقافي والديني لأن هذا هو ما ستعمل منه بالممارسة المباشرة أو بالتطوير والتحديث متى ما استدعى ذلك وهو ما ستبني عليه مستقبلها، وعلى هؤلاء المساكين أن يدركوا أن كتب التراث هذه هي ميراث الأمة التي ستتعلم منه كيف تم هذا الإنتاج المعرفي وكيف وقع فيه الخطأ وكيف ستتعلم منه وكيف ستواصل مشوار من سبق، هذا النقاش موجه لمن يظن في تنقية كتب التراث هو شيء إيجابي وجيد، وليس لهؤلاء الذين يمارسون العربدة الفكرية التي كادوا أن يفسدوا بها علينا شهر رمضان، فلا يملكون حجة علمية على ما يدّعون ويطلبون، ولا لديهم أمانة علمية أو مصداقية تعطيهم رصيدًا عند المتلقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, فكر, نقاش, نقد
عرض التعليقات
s