أواصل ما انقطع من حديث في المقالين السابقين، وابدأ هنا بذكر تحالفات محمد بن عبد الوهاب الدينية السياسية مع الأمراء، وأهمها تحالفان كانا في إبتداء الدعوة في سنينها السبع الأولى كما حدّدها المؤرخون.

التحالف الأول.. مع أمير العيينة

بالعودة إلى تحالفه مع عثمان بن معمر بالعيينة، لنعرف أسبابه ومرتكزاته، يقول المؤرخ ابن بشر: انتقل الشيخ إلى بلد العيينة، ورئيسها يومئذٍ عثمان بن حمد بن معمر، فتلقاه بالقبول وأكرمه، فعرض على عثمان ما قام به ودعى إليه وقرر له التوحيد وحاوله على نصرته وقال له: إني أرجو إن قمتَ بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله وتملك نجدًا وأعرابها. فساعده عثمان على ذلك، فأعلن بالدعوة إلى الله.

نلاحظ إغراء محمد بن عبد الوهاب للأمير عثمان وإطماعه في ملك نجد كلها عِوضًا عن حكم بلدةٍ صغيرة كالعيينة. فتحالفا لفترة قليلة هدم فيها محمد بن عبد الوهاب قبة زيد بن الخطاب، فوصل خبر ذلك إلى الأمير سلمان بن محمد رئيس الأحساء فكتب كتابا إلى ابن معمر هدده فيه بقطع خراج الأحساء عنه إن لم يقتل أو يخرج محمد بن عبد الوهاب من بلده. فنفض عثمان يده من يد الشيخ وأخرجه من العيينة، فغادرها إلى الدرعية طريدًا بلا أنصار!

التحالف الثاني.. مع أمير الدرعية

أترك لابن بشر سرد هذا التحالف، قال في تاريخه (عنوان المجد) : دخل محمد بن سعود على الشيخ في دار ابن سويلم ورحب به وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك، وبالعز والمنعة. فقال له الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، فمن تمسك بها، وعمل بها، ونصرها، ملك بها العباد والبلاد.

وقال ابن بشر: وطلب من الشيخ المبايعة على ذلك فبايع الشيخ على ذلك، وأن الدم بالدم والهدم بالهدم، وأن الشيخ لا يرغب عنه إن أظهره الله، إلا أن محمد بن سعود شرط في مبايعته للشيخ ألا يتعرضه فيما يأخذه من أهل الدرعية مثل الذي كان، يأخذه رؤوساء البلدان على رعاياهم. فأجابه الشيخ على ذلك رجاء أن يخلف الله عليه من الغنيمة أكثر من ذلك، فيتركه رغبةً فيما عند الله سبحانه، فكان الأمر كذلك ووسع الله عليهم في أسرع ما يكون.

ويقول الفقيه والمؤرخ ومفتي الشافعية بمكة أحمد زيني دحلان في كتابه (فتنة الوهابية) وهو معاصر لمحمد بن عبد الوهاب: واتصل بأمراء المشرق أهل الدرعية، ومكث عندهم حتى نصروه وقاموا بدعوته، وجعلوا ذلك وسيلة إلى تقوية ملكهم واتساعه، وتسلطوا على الأعراب وأهل البوادي حتى تبعوهم وصاروا جندًا لهم بلا عوض.

وبعد تمام المعاهدة أعلن محمد بن عبد الوهاب أن الدرعية دار هجرة! حيث أنها هي دار الإسلام، وما سواها ديار المشركين! فهاجر إلى الدرعية خلق كثير، حتى ضاقت بهم، وبدأ التجييش استعدادًا للحرب وفتح بلاد المشركين!

كوارث الغارات والحروب

أنتقل بك إلى كوارث وفظائع لن تصدق حدوثها مع حجم البروباغندا الموّجهة التي تضع الأقنعة على وجه المدرسة النجدية الحقيقي الإرهابي المشوه! اقرأ واحكم بنفسك!

يقول ابن بشر في حوادث سنة 1161 هـ عما فعله عبد العزيز بن محمد بن سعود وجيشه من أهل الدرعية، وعثمان بن معمر – الحليف الأول – وجيشه من أهل حريملاء بعد انتصارهم في الحرب مع أهل الرياض: ولما خرج المسلمون من البلاد اجتمعوا خارجها فهدموا جدران البنية والمربعة المبنية وقصدوا بلدانهم.

وفي نفس السنة في وقعة الخريزة وهي موضع في الرياض: وصرموا أربعة نخيل ثم رجعوا إلى بلدانهم. (الصرم هو القطع البائن ويُقال سيفٌ صارم أي قاطع).

والكلام لابن بشر في نفس السنة: وفيها أيضًا ساروا إلى بلد ثرمدا ودمروا الزرع وانقلبوا راجعين. ويقول أيضًا: وفيها غزا المسلمون بلد ثادق وجعلوا لهم كمينًا فأخذوا أغنامهم وقُتل من أهل البلد ستة رجال منهم. ويقول ابن بشر: ثم دخلت سنة 1162 هـ وفيها وقعة الحبونية وهدم جدرانها.

ويقول في حوادث 1170هـ: وفيها غزا عبد العزيز وقصد ثادق فنازلهم، وقطع منها نخيلًا، وقتل عليهم ثمانية رجال.

ورفع جماعة من أهل ضرما (ظنونهم) إلى محمد بن عبد الوهاب في أسرة السيايرة من بني خالد وهم من أهل ضرما أيضًا، فأجابهم بقوله: نحن جاهلون في حالهم وفيما ذكرتم عنهم، فإن كنتم تحققتم ذلك منهم فامضوا فيهم بعلمكم. فمضوا عليهم وقتلوهم صبرًا.. أليس هذا حكمٌ على خوافي السرائر؟ وأخذٌ بالظن؟!

ولا أحب أن أغرق المقال بكثير نقولات فهذه نماذج توضيح ومن أراد التوسع ليرجع إلى مظانها، وسيجد العجب. فهناك من خاف على نفسه وأقرّ بشركه لمحمد بن عبد الوهاب وطلب الدخول في الإسلام، فيقبل الشيخ ذلك منه على أن يدفع مالًا لقاء ذلك! فمن كان مشركًا في نظر الشيخ دفع الثمن، ومن أراد الدخول في الإسلام صونًا لنفسه وماله وعرضه، أيضًا دفع الثمن! (هذا بعض ما لم أنقله من التاريخ الأسود الذي كتبه ابن بشر وابن غنام!).

إليك من الموروث ما رُوي عن أبي بكر الصدّيق من وجوه كثيرة وصيتّه الشهيرة، وحاصلها: أنَّ أبا بكرٍ لما بَعث جيوشًا إلى الشامِ فخرج يمشي مع يزيدَ بنِ أبي سفيانَ وكان يزيدُ أميرَ رَبعٍ من تلك الأرباعِ فقال: إني موصيكَ بعشرِ خِلالٍ: لا تقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، لا تخربن عامرًا، ولا تعقرنَّ شاةً، ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ، ولا تُغرِقن نخلًا، ولا تحرِقنَّهُ، ولا تغلُلْ، ولا تجبنْ.

وقد اطلعت بكثير أسفٍ علي تخريجات لأهل علمٍ من أتباع مدرسة نجد تصحح قطع النخل وتدمير الثمر الذي أمر بفعله شيخهم، وهذا مؤسف حقًا أن يرهن العالِم تخريجاته بالهوى والانتصار الفارغ للأشخاص والتلاعب بمسؤولية العلم الشرعي عن طريق ليّ أعناق النصوص وتطويعها بهذه الطريقة. ماذا لو قالوا اجتهد شيخنا وأخطأ، بدلًا عن البهلوانيات!

قالوا – رضي الله عنهم – جواز ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بقطع نخيل يهود بني النضير عندما نكثوا عهدهم معه فأمر بذلك وأخرجهم من المدينة! إذن يا شيوخ الإسلام فشيخكم كان يحارب اليهود حسب تخريجكم، فهو قد اعتبر المسلمين مشركين تجري عليهم أحكام الردة، وأنتم زدتم واعتبرتم أنهم يهود تجري عليهم أحكام بني النضير، زادكم الله علمًا!

وإليك قصة بني النضير من كتاب (أسباب النزول) لأبي الحسن الواحدي: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما نزل ببني النضير وتحصنوا في حصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: زعمت يا محمد أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر المثمر وقطع النخيل؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبي – صلى الله عليه وسلم – فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون ذلك فسادا، واختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: بل اقطعوا. فأنزل الله تبارك وتعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) الآية. تصديقا لمن نهى عن قطعه وتحليلا لمن قطعه، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله تعالى.

هذه الآية الخامسة من سورة الحشر، واللينة هي النخلة في التفاسير، ومسألة قطع النخل حكم خاص ببني النضير لنقضهم عهدهم بمحاولة اغتيال الرسول – عليه الصلاة والسلام – إذن فهذه الحادثة الخاصة ببني النضير لا يمكن النظر إليها كحكم عام، فقطع الشجر وتدمير الزرع المثمر داخلٌ في باب الفساد في الأرض، لهذا أوصى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان بالنخيل والشجر المثمر خيرًا.

ورد في (صحيح البخاري في كتاب المزارعة في باب قطع الشجر والنخل): أي للحاجة والمصلحة إذا تعينت طريقا في نكاية العدو ونحو ذلك. وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلا، وحملوا ما ورد من ذلك، إما على غير المثمر، وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور.

هل علمت الآن أن قطع النخل وتدمير الشجر المثمر هو أمرٌ فظيع منهيٌ عنه؟! إليك ما هو أفظع! هل تذكر أمير العيينة عثمان بن معمر حليف محمد بن عبد الوهاب؟ هل تعرف ماذا حدث له؟

ذكر ابن بشر في أحداث 1163 هـ أن بعض الوشاة قدموا من العيينة إلى الدرعية وحدثوا محمد بن عبد الوهاب بأنهم (يشعرون) أن عثمان بن معمر سيغدر به، فطلب منهم المبايعة على معاداة من عاداه وموالاة من والاه ولو كان أميرهم عثمان، فبايعوه على ذلك، ثم تتابعت أفواج المبايعين على ذلك! ثم رجعوا إلى العيينة وقتلوا عثمان بن معمر بعد أن أدى صلاة الجمعة وذلك داخل المسجد!

 قال ابن بشر فيما حدث بعد ذلك: (فلما بلغ الخبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ركب إلى بلد العيينة، وذلك لأنه خشي الاختلاف، وذلك ثالث يوم من قتله، فاطمأنت لقدومه القلوب).. غدرٌ بالحلفاء وإرخاء آذان للوشايات والنمائم وأخذٌ بالظن وتحريضٌ وكيدٌ وانتهاكٌ لحرمات المساجد، وقلوبٌ مطمئنة بكل ذلك!

هل تظن أن ما سبق فظيع؟ هل تذكر سليمان بن خويطر الذي التقى بسليمان بن عبد الوهاب في حريملاء فأرسله بكتابٍ إلى أهل العيينة؟ إليك ما قاله ابن بشر في حوادث 1167هـ: فتحقق عند الشيخ أن ابن خويطر قدم العيينة بذلك، فأمر بقتله، فقُتل.

هل يُقتل الرسّل في الإسلام؟ هل من سابقة كهذه صادفتك في ملة أخرى غير ملة الإسلام؟ لا، لم أنته بعد، إليك ما فعله الشيخ بعد قتل ابن خويطر، قال ابن بشر: وأرسل الشيخ إلى أهل العيينة رسالة عظيمة طويلة في تبطيل ما لبّس به سليمان على العوام، وأطال فيها الكلام من كتاب الله وسنة رسوله. (لا تعليق!)

وفي 1168هـ تمكّن عبد العزيز من الاستيلاء على حريملاء وقتل مائة رجل في هذه الحرب، فهرب سليمان أخو الشيخ ماشيًا إلى أن وصل سدير، أظنك عرفت لم هرب سليمان وهَامَ على وجهه ماشيًا في الصحراء!

حروب بشعة ومشاهد دموية،حروب محمد بن سعود وابنه عبد العزيز مع أمير الرياض دهام بن دواس لوحدها حصدت أرواح 4000 قتيل خلال 27 سنة.

قد يقول متحذلق من أتباع مدرسة نجد، أن بعض هذه الحوادث لا شأن للشيخ بها، وأنه لم يكن يسير في ركاب هذه الغارات (الصعلكية)  – عذرًا من أرواح صعاليك العرب! – ولمثل هذا المتحذلق الذي لا يقرأ ويسلّمُ رأسه لأساتذة غسل الأدمغة وتعبئتها وأدلجتها، لمثله أنقل كلام ابن بشر، قال في شيخ المتحذلق: بيده الحل والعقد، والأخذ والإعطاء، والتقديم والتأخير، ولا يركب جيش ولا يصدر رأي من محمد، وعبد العزيز إلا عن قوله ورأيه.

سأنتقل في المقال القادم – بإذن الله – إلى بعض الإشارات التي طُرحت حول نسب محمد بن سعود، ثم بعدها إلى الأساس الذي استندت عليه هذه الحروب الدموية التدميرية الإرهابية وهو فلسفة محمد بن عبد الوهاب في التكفير العام بهذه الطريقة التي لا سلف له فيها، وهذه الفلسفة بسطها محمد بن عبد الوهاب في رسالته (نواقض الإسلام العشرة) وسآتي بإذن الله بنواقض النواقض. ثم بعدها سأنتقل فيما يلي ذلك من مقالات إلى نقد مدرسة نجد المعاصرة من أوجه أخرى سياسية واستراتيجية وإعلامية وفكرية وأدبية وأوجه أخرى أدخرها لوقتها.

وأختم بعبارة لابن تيمية تُكتب بماء الذهب، وهذا في حقها قليل، تفَكّر وتأمل فيها وقارِن بين هذا وذاك، بين الثرى والثريا، قال شيخ الإسلام، العالم المجاهد والبحر الذاخر: والذي نختاره ألا نكفّر أحدًا من أهل القِبلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب عنوان المجد لابن بشر
وصية أبو بكر الصديق من كتاب الاستذكار الجامع لابن عبد البر، وكتاب الموطأ للإمام مالك
كتاب أسباب النزول لأبي الحسن الواحدي
تفاسير القرآن الكريم
صحيح البخاري
كتاب فتنة الوهابية لأحمد زيني دحلان
عرض التعليقات
تحميل المزيد