أواصل ما انقطع من حديث في المقالات الثلاث السابقة، التي ذكرت فيها وصف بيئتي محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر وابن تيمية في القرن الثامن الهجريين، وذكرت غلو ابن عبد الوهاب في مسألة التكفير وإنكار الفقيهين القاضيين والده وأخيه عليه أشد الإنكار، وعقدتُ مقارنة تطبيقية بين نهج ابن عبد الوهاب ونهج ابن تيمية في دعوة المخالفين، وغير ذلك في سبع نقاط. وذكرت تحالفات محمد بن عبد الوهاب الدينية السياسية مع الأميرين عثمان بن معمر أمير العيينة والأمير محمد بن سعود أمير الدرعية. وأنتقل هنا إلى تأملات بحثية – إن جاز التعبير – حول نسب الأمير محمد بن سعود.

ما أُثير حول نسب محمد بن سعود

هو الأمير محمد بن سعود بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة بن مريد من رؤساء قبيلة عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان! (مهلا، تذكر فقط اسم مرخان في ذهنك، وستعرف السبب لاحقًا!) وأواصل، لمحمد بن سعود أربعة أبناء هم: فيصل وسعود اللذان هلكا في إغارة دهام بن دواس أمير الرياض على الدرعية سنة 1160 هـ، وعبد الله، وعبد العزيز الذي تولى الحكم بعد هلاك أبيه.

والآن نأتي لاسم (مرخان) الذي طلبت منك تخزينه في ركن بذهنك؟ لقد آن أوانه الآن، وسأحكي لك أولًا قصة المناضل والمعارض السعودي ناصر السعيد مؤلف كتاب (تاريخ آل سعود) هذا الشخص اختفى في ظروف غامضة في بيروت عام 1979 ولم يُكتشف سر اختفائه إلا بعد أكثر من ثلاثين عامًا حين صرّح حارس بريطاني شخصي لأمراء آل سعود يُدعى مارك يونق أن الأمير فهد بن عبد العزيز – لم يكن ملكًا وقتها – أصدر أمرًا لعملاء سعوديين بخطف ناصر السعيد وإلقائه من طائرة على السواحل اللبنانية. وإليك أول عبارة في كتاب (تاريخ آل سعود): ملك القمار فهد وكارتر يسكران، يشربان الخمر!

ما ذكره ناصر في كتابه خطير حقًا، قال أن الجد الثاني لمحمد بن سعود يهودي من أهل البصرة كان تاجرًا اسمه مردخاي بن إبراهيم بن موشى، جاء إليه في دكانه ركبٌ من قبيلة عنزة لشراء الحبوب من العراق ليرجعوا بها إلى نجد، فادعّى مردخاي أنه ابن عم لهم وأظهر الفرح بلقائهم وغمرهم بالهدايا. ثم رجع معهم إلى نجد، ونزل بالقصيم، ثم دارت أحداث مع شيخ اكتشف أمره، فخرج إلى مكان آخر، وفي هذه المرة غيّر اسمه إلى مرخان بن إبراهيم بن موسى وأطلق على بلده الجديد اسم الدرعية، تيمنًا بدرع اشتراها يهود بني قينقاع من كفار قريش الذين ادعوا أنها درع الرسول – صلى الله عليه وسلم – أخذوها في معركة أُحد. ثم اكتشف الناس أمر مردخاي ثانيةً عندما ظهر منه شروعه في التوسع لرغبته في الملك فهاجموا بلدته ودمروها، فهرب وأسس درعية جديدة، وادعّى دخوله الإسلام!

وذهب ناصر إلى أن الأمر مدبّر لإنجاز حلم اليهود بدولة تمتد من النيل إلى الفرات. وفي الحقيقة أنا متوقف في قبول ما ذكره ناصر السعيد، فاللغة التي أفهمها هي لغة التوثيق المتّبعة في المناهج البحثية، وكَوني باحثًا فلن أقبل معلومة لا مصدر معروف لها. فناصر لم يسبقه أحد فيما ذهب إليه، فما هو مصدره الذي استقى منه؟ وكيف عرف ذلك؟ فهو لم يذكر مصدر معلوماته في كتابه وهذه ليست منهجية علمية معترفٌ بها .. طالما أنني أُعرّي شعارات البروباغندا، فلن أقبل بواحدة أخرى!

ولكن أنظر للأمر بطريقتي البحثية التي أعرفها وأطمئن لها .. ما معنى مرخان؟ هذا الاسم لم يُسمّ به عربي قط، لا في الجاهلية، ولا بعد الإسلام، ولا وجود له في أي قبيلة عربية على الإطلاق، هذا عصارة بحثي عن هذا الاسم، وإن كان هناك من يعرف مصدرًا ذُكر فيه هذا الاسم، فليرسل إليّ اسم الكتاب الذي ورد فيه اسم لشخص عربي اسمه مرخان، وله أن يطلب نظير هذه الإفادة ما يريده من ثمن، سأشتري من حر مالي هذه المعلومة، وأرسل له المبلغ أينما كان عن طريق حسابي بالبنك!

ورد الفعل (مَرَخَ) في المعاجم بأنه مرخ الشيء بالدهن إذا دهنه، ومرخان كما يقول السادة النُحاة هو اسم فاعل من الفعل (مَرَخَ)، هذا ما وجدته وأحببت مشاركته معك دون أن أعرف بم يفيد ذلك!

لم يحمل شخص اسم (مردخاي) في الكتاب المقدّس بأسره غير يهودي واحد فقط، وذُكرت قصته في سفر استير وهو من الأسفار التاريخية في العهد القديم (التوراة)، ومردخاي هو ابن عم عاهرة البلاط الملكي الفارسي استير، وهو من يهود السبي الفارسي الذين استعبدهم الفرس، وإليك هذا النص التوراتي:

5 كَانَ فِي شُوشَنَ الْقَصْرِ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ مُرْدَخَايُ بْنُ يَائِيرَ بْنِ شَمْعِي بْنِ قَيْسٍ، رَجُلٌ يَمِينِيٌّ، 6 قَدْ سُبِيَ مِنْ أُورُشَلِيمَ مَعَ السَّبْيِ الَّذِي سُبِيَ مَعَ يَكُنْيَا مَلِكِ يَهُوذَا الَّذِي سَبَاهُ نَبُوخَذْنَصَّرُ مَلِكُ بَابَِلَ. 7 وَكَانَ مُرَبِّيًا لِهَدَسَّةَ أَيْ أَسْتِيرَ بِنْتِ عَمِّهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَلاَ أُمٌّ. وَكَانَتِ الْفَتَاةُ جَمِيلَةَ الصُّورَةِ وَحَسَنَةَ الْمَنْظَرِ، وَعِنْدَ مَوْتِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا اتَّخَذَهَا مُرْدَخَايُ لِنَفْسِهِ ابْنَةً. (سفر استير/ الإصحاح الثاني).

وبعد السبي الفارسي ليهود اورشليم، أُحضر مردخاي إلى بلاد فارس عبدًا مسترقًا، وشمل بنت عمه استير – التي كانت من خليلات الملك الفارسي احشويرش – برعايته فربّاها، فإليك وصاياه التربوية:

20 وَلَمْ تَكُنْ أَسْتِيرُ أَخْبَرَتْ عَنْ جِنْسِهَا وَشَعْبِهَا كَمَا أَوْصَاهَا مُرْدَخَايُ. وَكَانَتْ أَسْتِيرُ تَعْمَلُ حَسَبَ قَوْلِ مُرْدَخَايَ كَمَا كَانَتْ فِي تَرْبِيَتِهَا عِنْدَهُ. (سفر استير/ الإصحاح الثاني). بمعنى أنه أوصاها بإخفاء هويتها وديانتها اليهودية بالإضافة لإخفاء صلة القرابة بينهما، وقد عملت استير بنصيحة مربيها الداهية مردخاي.

وعن طريق تغنج وعهر إستير – التي كانت تخفي يهوديتها – مع ملك فارس،ارتقى مردخاي إلى منصب رفيع بفضل استغلال إستير لحظوتها عند الملك، فسرعان ما أصبح مردخاي نائبًا للملك والرجل الثاني في الدولة، فتغيّر حاله من الرق والعبودية إلى المُلك والسيادة.

 4 لأَنَّ مُرْدَخَايَ كَانَ عَظِيمًا فِي بَيْتِ الْمَلِكِ، وَسَارَ خَبَرُهُ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ، لأَنَّ الرَّجُلَ مُرْدَخَايَ كَانَ يَتَزَايَدُ عَظَمَةً. (سفر إستير/ الإصحاح التاسع).

وفي الإصحاح الأول من سفر (تتمة استير) يذكر مردخاي حلماً يستحق ألا أتجاوزه لأنه يكمل تصور أيقونة مردخاي في ذهن القارئ الكريم. علمًا أن سفر التتمة المذكور معترف به عند الكنائس النصرانية الكاثوليكية والآرثوذكسية، بينما تعده الكنيسة البروتستانتية سفر أبو كريفي غير قانوني ولا تعترف به. وبالطبع فاليهود يعترفون به.

4 وَقَالَ مَرْدَخَايُ: «إِنَّ هذَا كُلَّهُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ قِبَلِ اللهِ.
5 وَقَدْ ذَكَرْتُ حُلْماً رَأَيْتُهُ يُشِيرُ إِلَى ذلِكَ فَلَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ: 6 يَنْبُوعٌ صَغِيرٌ ازْدَادَ فَصَارَ نَهْرا، ثُمَّ انْقَلَبَ فَصَارَ نُورا وَشَمْسا وَفَاضَ بِمِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، فَهذَا هُوَ إسْتِيرُ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْمَلِكُ زَوْجَةً وَشَاءَ أَنْ تَكُونَ مَلِكَةً. 7  وَالتِّنِّينَانِ أَنَا وَهَامَانُ. 8 وَالأُمَمُ الْمُجْتَمِعُونَ هُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا أَنْ يَمْحُوا اسْمَ الْيَهُودِ. 9 وَشَعْبِي هُوَ إِسْرَائِيلُ الَّذِي صَرَخَ إِلَى الرَّبِّ فَأَنْقَذَ الرَّبُّ شَعْبَهُ، وَخَلَّصَنَا مِنْ جَمِيعِ الشُّرُورِ، وَصَنَعَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَمُعْجِزَاتٍ فِي الأُمَمِ. 10 وَأَمَرَ أَنْ يَكُونَ سَهْمَانِ أَحَدُهُمَا لِشَعْبِ اللهِ وَالآخَرُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ. (الإصحاح الأول/ تتمة استير).

هامان المذكور هو عدو الشعب اليهودي في فارس القديمة، وقد أزاحه مردخاي من منصب نائب الملك بمكره، وصعد إلى منزلته في البلاط الملكي. وبالنسبة للسهمين فالتفاسير لم تقطع بتفسير واضح محدد لهما، فكل مفسر يتكهن برأيه، أو يتحاشى هذه النقطة.

توجد مقابر استير ومردخاي حاليًا في مدينة همدان الإيرانية في شارع علي شريعتي، ويعتبر مزار استير و مردخاي من أهم الأماكن المقدسة لليهود في ايران. وهو ثاني مكان مقدس لليهود في العالم بعد حائط البراق ويزوره آلاف اليهود من مختلف دول العالم. حيث إن إيران فيها أكبر تجمع لليهود في الشرق الأوسط بعد دولة الاحتلال الصهيونية.

لنعد إلى صاحبنا العربي مرخان، هل يذكرك إجلاء اليهود من اورشليم بإجلاء يهود قينقاع من المدينة؟ وهل تظن أن الدرع الذي سمّى عليه مرخان مدينته هو من باب التشفي والشماتة؟ وهل مردخاي هو اسمه الحقيقي أم اسلتهمه من التوراة وتيّمن به؟ ثمة أسئلة يثيرها البحث الذي يُفترض فيه أن يعطي مفاتيح الأجوبة!

وبالنظر للأسماء المتكررة في أجيال عائلة آل سعود، ستلاحظ أسماء يكثرون منها مثل، سلطان، سلمان، نايف، متعب، مقرن، سعود، عبد الله، عبد العزيز، طلال، وليد، فهد … إلخ، ولم يسموا مرخان قط، وهو اسم يثبتونه في نسبهم، فلماذا؟

ثم لماذا يكثرون في تسمية (تركي)، فالأتراك العثمانيون عدو تاريخي لآل سعود، أسقطوا الدولة السعودية الأولى وقطعوا رأس عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود في إسطنبول. ثم واصلوا شنّ حملاتهم على الدولة السعودية الثانية وساهموا في إسقاطها، ثم حاربوا الدولة الثالثة – الحالية – إلى أن تمكن المؤسس عبد العزيز من حسم الأتراك عسكريًا في معركة الأحساء 1331 هـ . فلماذا يسمون تركي بكثرة في عائلة آل سعود؟ هل كلام ناصر عن مرخان أن أصله ينحدر من يهود الدونمة بتركيا له وجاهة واعتبار؟!

ولَدَي إشارات وأضواء غير ذلك، إنما يكفي ما نثرته في فضاء مُخيّلتك لتفكر فيه، فَكِرْ فأنا متوقف في قبول كلام ناصر، وإن كنت أقلّبُ الأمر على وجوهه، وربما تفكر أنت وتخرج بنتائجك الخاصة. ولكن ما أقتنع به تمامًا أن التاريخ يكتبه المُنتصر، وبما أن الثورة التي أطلت برأسها من بلدة الدرعية الصغيرة؛ أخضعت قبائل جزيرة العرب وتملكت أراضيها، ثم أسست عليها دولة السعودية، فلها كامل الحق أن تكتب التاريخ، ولنا كامل الحق أن ندرسه!

كانت كتابة هذا المقالات الأربعة متعبة وشاقة نفسيًا، ذَرَفتْ إنسانيتي دموعها هنا، حروب بشعة ومشاهد دموية، حروب محمد بن سعود وابنه عبد العزيز مع أمير الرياض دهام بن دواس لوحدها حصدت أرواح 4000 قتيل خلال 27 سنة، أنت يا قارئي قرأت هنا ما نقلته لك ولا أشك في أنه أثر فيك، فما بالك وأنا قرأت المطوّلات من صفحات هذا التاريخ الأسود، لأحضر لك منها نماذج يسيرة، راجع كتاب ابن بشر أو كتاب ابن غنام لتعرف عدد الشهداء الذين كُفروا وسُفكت دماؤهم بلا ذنب جنوه غير سوء فهم محمد بن عبد الوهاب لنصوص التراث وامتطائه لها لتحقيق مطامحه الهتلرية، وشخصيته السلطوية الدموية القاسية!

وأخيرًا

أخيرًا من حيث التقصي والبحث والنقد التاريخي للمدرسة النجدية، وهذه خطوة أولى في طحن وهَم البروباغندا النجدية ذات شعارات التراث والسلف وابن تيمية! التقصي التاريخي يُسقط قناعًا واحدًا من وجه المدرسة الحالك الكالح! (الحالك شديد السواد، والكالح شديد العبوس) فهنالك أقنعة كثيرة على وجهها. سأطحن الوهم، وسأسقط الأقنعة واحدًا تلو واحد، وسأفرقع الفقاعة النجدية برأس قلمي فكأنها لم تكن! ولا طارت ولا ارتفعت! .. بإذن الله، لذا قلت أخيرًا وليس آخرًا، ثمة فرق!

وبهذا انتهيت في هذا الجزء من الجانب التاريخي. وسأنتقل في المقال القادم – بإذن الله – إلى الأساس الذي استندت عليه هذه الحروب الدموية التدميرية الإرهابية وهو فلسفة محمد بن عبد الوهاب في التكفير العام بهذه الطريقة التي لا سلف له فيها، وهذه الفلسفة بسطها محمد بن عبد الوهاب في رسالته (نواقض الإسلام العشرة) وسآتي بإذن الله بنواقض النواقض. ثم بعدها سأنتقل فيما يلي ذلك من مقالات إلى نقد مدرسة نجد المعاصرة من أوجه أخرى سياسية وإستراتيجية وإعلامية وفكرية وأدبية وأوجه أخرى أدخرها لوقتها.

وسأعوّض نفسي بأن أخصص المقال الأخير من هذه السلسلة لابن تيمية، المنار الذي يشع من تراثه النور، تراثه الذي يرفد ميزان أعماله بالحسنات وهو في روضة قبره إلى أن تقوم الساعة، فهذا من جنس العمل الذي لا ينقطع أجره كما في الحديث الصحيح،ألا وهو العلم الذي يُنتفَعُ به، ولا أُزكي على الله أحدا.

وأختم بعبارة لابن تيمية تُكتب بماء الذهب، وهذا في حقها قليل، تفكّر وتأمل فيها وقارِن بين هذا وذاك، بين الثرى والثريا، قال شيخ الإسلام، العالم المجاهد والبحر الذاخر: والذي نختاره ألا نكفّر أحدًا من أهل القِبلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب عنوان المجد لابن بشر
كتاب تاريخ آل سعود لناصر السعيد
الكتاب المقدس الترجمة العربية المُشتركة
عرض التعليقات
تحميل المزيد