قبل سنوات كنت مهتمًا بمتابعة ما يكتبه طالب العلم الشرعي والباحث أحمد سالم عبر معرّفه «أبو فهر السلفي» في منتدى «أهل الحديث»، وفي منتدى «التوحيد» الحواري. وكنت أيضًا أتابع مقاطعه المبذولة في منصة اليوتيوب عن الليبرالية. ثم أصدر في 2015 كتابه المثير للجدل «ما بعد السلفية» وهو مُنتج مشترك مع الباحث عمرو بسيوني.

صدّر المؤلفان الكتاب بعبارة لعلي عزت بيجوفيتش، تقول: يحوّل الناس صدق الفكرة ونورها إلى زيف الأيديولوجيا وظلامها. ثم عرّفا السلفية في مدخل الكتاب بأنها طلب ما كان عليه الصحابة، وأنها منهج يُطلَب وليست حقيقة تُحاز، وأن المُتمسك بإجماع الصحابة هو السلفي.

ثم أضافا: ومن تسموا بالسلفية إن نفوا ذلك الاسم عن غيرهم ممن يستحق اسم السلفي، وحصروا الحق فيهم وهو موجودٌ في غيرهم، أو والوا وعادوا وآلفوا ونافروا علي أئمتهم الذين لا يفترقون في السلفية عن غيرهم لم يكن منهجهم بهذا منهج السلف؛ بل صاروا ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعًا.

وخصّص المؤلفان الفصل الأخير لأطروحة ما بعد السلفية، إذ ذهبا إلى أنها –السلفية– ستظل موجودة ولكنها ستُزاح من موقع الازدهار لموقع الأفول، وسوف تلجأ لقولبة ونمذجة جديدة مختلفة عن صورتها الحالية.

يقول المؤلفان: يبدو أن السلفية تتأهب للعودة إلى موقع الأفول الذي شغلته منذ زمن أفولها الأول بعد القرون الأربعة الهجرية الأولى، ذلك الأفول الأول الذي كان لحساب المذاهب الكلامية، قاومته السلفية كثيرًا، ونجحت في الخروج منه بصورة جزئية زمن ابن تيمية وفي نجد الوهابية، ولكن البزوغ والازدهار الحقيقي للسلفية كان من نصيب نسختها المعاصرة لنا في النصف الأول من القرن الخامس عشر الهجري. ويبدو أن السلفية ستكتفي بنصف قرن من الازدهار، لتعود مرة أخرى إلى موقع الأفول، بحيث لن تشغل السلفية بعد ذلك موقع المركز داخل التيار الإسلامي؛ بل ستنتقل إلى الهامش.

ما قاله المؤلفان في دعوة محمد بن عبد الوهاب:

السؤال الأكثر حضورًا عند تحليل الدعوة الوهابية كتحقق من تحققات السلفية: هو ما مدى تمثيل الدعوة الوهابية للسلفية المنهج الذي كان عليه الصحابة؟ والإشكال الأساسي الذي يظهر عند محاولة الإجابة عن هذا السؤال هو محور الدعوة الوهابية، أعني: اعتبار بعض الأفعال الشعائرية الموجهة للأولياء والقبور كفرًا، وتكفير فاعليها وقتالهم، كل هذا ظاهرة لم تحدث في زمن الصحابة! وغاية ما يملكه الوهابية أمران:

1- نصوص الوحي في منع صرف العبادة لغير الله وأنه شرك، وتحقيق مناط هذا الصرف وأنه يصدق على الاستغاثة بغير الله.

2- نصوص ابن تيمية في أن الاستغاثة شرك وكفر، ويُفرّق ابن تيمية بين الاستغاثة التي يراها كفرًا وبين التوسل.

وبالنسبة لكيفية تأسيس ابن تيمية لهذا القول وجعله قولًا سلفيًّا مجمعًا عليه، فهما طريقتان: طريقة التخريج على الموجود عند السلف، وطريقة الاحتجاج بعدم الوجود عند السلف بناءً على عدم الوجود المستقصي مع قيام المُقتضى وانتفاء المانع.

وبعد إثبات الوهابية أن هذه الأفعال شرك اعتمادًا على ابن تيمية –بصورة أساسية– انتقل الوهابية إلى مرحلتين تاليتين زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد توحده مع محمد بن سعود أمير الدرعية:

الأولى: التبيين وإقامة الحجة على مرتكبي هذه الأفعال في البلاد النجدية وما جاورها، وبيان أدلة كونها شركًا وذلك من خلال مجموعة من الرسائل والمخاطبات والدعاة.

الثانية: قتال أهل البلاد والقرى التي لم تستجب لهم قتال مشركين، وهو الأمر الذي نتج عنه توحيد معظم بلاد نجد وتأسيس الدولة السعودية الأولى.

الاعتراضات الشرعية الأساسية الموجهة لدعوة محمد بن عبد الوهاب:

1- أن هذه الأفعال التي حكم عليها الوهابية بأنها شرك، وحكموا على مرتكبيها بالكفر والشرك وقاتلوهم، أنها كلها من التصرفات الشرعية التي يبيحها الشرع وربما حثَّ عليها، وأن كثيرًا منها من التوسل المشروع بمعناه العام.

2- أن هذه الأفعال كلها من البدع والمحرمات التي لا ترقى لكونها شركًا أكبر ما لم يعتقد فاعلها أن الولي أو الصالح يضر وينفع بنفسه، وليس مجرد واسطة كالواسطة في التوسل.

3- أن هذه الأفعال سواء كانت شركًا أو لا فإن مرتكبيها يُعذرون بالجهل والتأويل، وأن ما فعله الوهابية من إقامة الحجة لا يكفي لرفع هذه الأعذار، وأن الشبهة باقية وقوية وبالتالي تمنع تكفيرهم وقتالهم. وأن هذا القتال كان فيه عجلة على السيف ورهق فيه، وكان فيه خلط بين السيف الشرعي والسيف السلطاني.

4- أن دوافع هذا القتال كانت سياسية سلطانية محضة، وأن نجدًا كانت تخلو من شيوع المظاهر التي ادعى الوهابية شيوعها، وجعلوها شركًا وقاتلوا الناس عليها. «أشرت في مقال سابق إلى أن هذه المظاهر عمّت كافة العالم الإسلامي بالنظر في مصادر تاريخ القرن الثاني عشر الهجري، الكاتب».

إن الوهابية أصلًا لم تكتف بتعيين شركية الأفعال فانتقلت منها مباشرة لتكفير المعينين بناء على عدم الإعذار بالجهل؛ بل الواقع أن الوهابية خاصة زمن محمد بن عبد الوهاب قد مارست نوعًا من إقامة الحجة بالمراسلات والدعاة والمناظرات، ثم انتقلت بعد ذلك لخيار القتال، وهذا هو ما وعاه بعض مخاليفهم، فجعل إشكال الوهابية في أنهم جعلوا مجرد تعريفهم حجة فكفروا به!

أصداء وردود
فعل المدرسة النجدية:

بطبيعة الحال فإن المرء يتوقع أن تكون ارتدادات أو ردود الفعل على هذا الكتاب كبيرة ومتعددة، خاصةً أن مؤلفيه من الداخل السلفي، ولكن تجاهلوا الكتاب رغم الزلزلة التي مسّت بنايات كثيرة لا يجرؤ سلفي نجدي على الاقتراب منها، وهذه الارتدادات كما رصدتها على مستويين:

أولًا:

على مستوى مفكري المدرسة النجدية، وهؤلاء لم يرد أحدهم بكتاب رغم أنهم معروفون بكثرة التأليف في الردود، وقد يصل عدد الكتب المؤلفة للرد على كتاب واحد ينتقد مدرستهم إلى أكثر من 20 كتابًا، فتجد أن مفكريهم يتسابقون لمثل هذا، ولكنهم أحجموا أمام كتاب «ما بعد السلفية»!

اقتصرت الردود على مقالات قليلة وهزيلة! وهذا غريب جدًا لأن الكتاب يحوي 700 صفحة بين دفتيه وليس المقال بالأسلوب المناسب لمناقشته والرد على كل ما جاء فيه. ومنها مقالة نشرها القسم العلمي بموقع الدرر السنية في نافذة «عرض ونقد» اهتموا فيها بعرض الكتاب والتعريف بفصوله، أما عن النقد فكان عبارة عن سطور قليلة! وهكذا تم العرض والنقد!

وفي الموقع نفسه نشرت سلسلة من ست مقالات بعنوان «حكاية السلفية الآفلة» للدكتور بندر بن عبد الشويقي، والحق أن ما فيها من أسلوب انفعالي وشخصنة بالتهجم على المؤلفين والتجريح الذي لا يليق بدكتور باحث، جعلني لا أهتم بعدّها نقدًا أو ردًا حتى! ومن الأساليب الرخيصة التي اتبعها الدكتور أنه قام بعرض تغريدات للمؤلفين في منصات التواصل الاجتماعي ضمن مقالاته الهزيلة، وهذا إلى «الردح» أقرب من الحوار والمناقشة الجادة! والأغرب أن الموقع المذكور وضع تلك المقالات في نافذة «مقالات وبحوث مميزة»!

وفي الموقع نفسه نُشر مقال لمشاري بن سعد الشثري بعنوان «معضلة التناقض وأزمة التقييم في الخطاب الما بعد سلفي» وهو – وإن كانت لغته هادئة ورزينة– قد شرّق وغرّب ولم يناقش مضامين الكتاب، وانصب اهتمامه على حصر شواهده على تناقض منهج الكتاب التقييمي والدلالي والوظيفي. وهذا يمكن أن يكون مدخلًا وتوطئة وعتبة لنقد الكتاب بالحديث أولًا عن منهج المؤلفين، لكنه بهذه الصورة ليس نقدًا لمضامين الكتاب. وعلى كل حال، فالمقال يستحق فعلًا أن يُعرَض في نافذة «مقالات وبحوث مميزة» لما مارسه من استقراء متزن.

وفي الموقع نفسه نُشرت مقالة بعنوان «قراءة في كتاب ما بعد السلفية» لتركي بن رشود الشثري وهو صديق لأحمد سالم. قال في خاتمة مقالته: الكتاب استلمته من أحمد سالم، وأنهيتُه اطِّلاعًا وقراءة وعرضًا ونقدًا، في ثلاثة أيام وهو كتاب كبير، ويمس موضوعًا خطيرًا، ولذلك أؤكد أنَّ هذه الورقة هي مجرد بطاقة تعريفيَّة بالكتاب مع بعض التعليق، وها هو الباب قد فُتِح، وفي انتظار مزيد عناية بهذا الكتاب من الكاتب والنقَّاد «ونحن يا تركي معك ننتظر»!

ثم بالموقع نفسه توجد مقالة بعنوان «السلفية السائلة» لعبد الله العجيري صديق المؤلفين، وإن لم يناقش الكاتب مُجمل الكتاب فلغته هادئة وقدّم بعض التساؤلات الجدلية للمؤلفين.

الكتاب الوحيد في نقد «ما بعد السلفية» أو بالأصح هو كُتيب صغير بعنوان «كتاب ما بعد السلفية في بيت الدبابير، قراءة نقدية علمية لأبرز مسائل الكتاب، الجزء الأول» وللحق لم أقرأه بعد، لذا أكتفي بذكره فقط.

ثانيًا:

على مستوى طلبة العلم الشرعي، وهم زملاء أحمد سالم، وله صحبة طويلة لهم بمنتديات العلم الشرعي وبمنتديات الدعوة الحوارية. وحقًا إن ردود أعضاء منتدى «أهل الحديث» بعد إصدار الكتاب كانت مخجلة وغير لائقة بطلبة علوم الشرع؛ فقد تمحورت في السباب والشتم والاتهام باللحد عن الطريق والضلال في حق زميلهم السابق! وأربأ بمن كان مثلهم من هذا الانحدار والتسفُّل الذي يليق بالسُّوقةِ والدهماء! وكان الأولى بهم مناقشة الأفكار والأطروحات فَهُم الطلبة الباحثون، والقادرون على اتباع النهج العلمي دون سواهم.

وقفة تأملٍ واستدراك:

كنت قد قلت سابقًا «في المقال رقم 4» إن ناصر السعيد سبق غيره فيما قاله حول نسب آل سعود، وأنه لم يذكر مصادره، ليعذرني القارئ الكريم، فقد قرأت كتاب ناصر قبل 10 سنوات واسترجعت من ذاكرتي ما قاله، لكن خانتني الذاكرة. ثم عدت إلى الكتاب بعد نشر المقال الرابع ووجدت غير ذلك. وإذ تبين لي خطأي أعتذر عن ذلك للقارئ الكريم وأستدرك بما قاله ناصر عن قصيدة الشاعر حميدان الشويعر، وحميدان معاصر لمحمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود «شاهد للتعرف على الشاعر وسماع القصيدة» وإليك جزء من القصيدة أولًا:

أما امحمد ابن اسعود
فمن اصول يهودية
ابوه اصله مردخاي
راعي الملة العبرية
ضحك على بعض اعنزه
وقال ان أمه مصلوخية
وجابوه لنا من البصرة
حتّى أوصوله الدرعية
بزعمهم درع النبي
شروه القينقاعية
حط درعيه بالقطيف
ومن بعد صارت نجديه
وزعم انّه ارض أجداده
وهي من شرّه بريّة
«اعنزه يعني بها قبيلة عنزة، مصلوخية يعني أن أمه من عشيرة المساليخ التي تنتمي لقبيلة عنزة»

وقال ناصر إن هذه القصيدة الشعبية معروفة في أنحاء نجد، وأن حميدان الشويعر قُتل بالسم بأمر من محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود لأجل قصيدته هذه! «وناصر أيضًا قُتل لأجل كتابه هذا»!

وعلى ضوء هذه القصيدة، فالموروث الشعبي عامًة – ومنه الشعر النبطي – بالنسبة لي هو مصدر معتبر ولا يُستهان به؛ لأنه يمثل خزينة وذاكرة للشعوب، وخاصةً أن القصيدة قيلت في حياة محمد بن سعود الذي عاش في الجيل الثالث بعد جده مردخاي، وهو عهد قريب في سلسلة النسب، لنتأمل ثانية على ضوء هذه القصيدة.

يهتم العرب بالأنساب اهتمامًا كبيرًا، ولا يخلطون فيها أبدًا، وبالمقابل فإن أي محاولة للانتساب إلى إحدى قبائلهم تخضع لفحص النسّابة ودراستهم، فمثلًا إذا أردنا تنسيب علي بن أبي طالب، فنقول هو من فصيلة بني أبي طالب من عشيرة بني عبد المطلب من فخذ بني هاشم من بطن بني عبد مناف من عمارة قريش من قبيلة كنانة من شعب عدنان. هذه هي شجرة النسب التي يتقصّى النسّابون فروعها ابتداءً من الأسرة، وبعد أن عرفت كيفية التنسيب فيمكن أن تقول بكل ثقة إن مردخاي «مقطوع من شجرة ليست عربية!» وذلك لأن القصيدة تتمحور حول الرفض الشعبي لنسب مرخان – بعد التعريب! – إلى بني حنيفة من بكر بن وائل من عنزة، إذن فهذا الرفض الموّثق دليلٌ دامغ!

يمتد تاريخ شعر النقائض إلى عهد الجاهلية ولكنه لم يتبلور لونًا شعريًا يمثل مدرسة قائمة بذاتها إلا في العصر الأموي في سوق المربد بالبصرة على أيدي جرير والفرزدق والأخطل وغيرهم، ويهتم هذا اللون الشعري بالأنساب مدحًا وقدحًا. ومثال له بيت جرير في لاميته الشهيرة مفتخرًا بقومه : «قضتْ لنا مضرٌ عليكَ بفضلنا؛ وقضتْ ربيعةُ بالقضاءِ الفيصلِ» ويذم بني مجاشع قوم الفرزدق الدارمي التميمي بقوله: «أخــــزى الذي سمكَ السماءَ مجاشعًا؛ وبنى بنــاءكَ في الحضيضِ الأسفلِ»، لكن العرب لم تعرف الطعن في الأنساب، وذلك لأن النسب لا سبيل إلى انتحاله أصلًا!

هل تظن أن قولي لكل هذا الموّشح بسبب وقوفي على قصيدة واحدة فقط؟! إذن تفضّل هذه الحزمة الشعرية السعودية:

– قصيدة للشاعر بديوي الوقداني المُلقب بشاعر الحجاز «1244– 1296هـ» وهو شاعر شريف مكة في زمنه، قال عنه طه حسين: لو أن هذا الشاعر البدوي الأصيل كتب أشعاره بالفصحى لنسي الناس المتنبي. «تتحدث القصيدة عن نسب آل سعود اليهودي».

– قصيدة للأمير الشاعر عبيد بن رشيد الشمري «وُلد عام 1206هـ» وهو أمير جبل شمر في حائل بنجد، وخصّص قصيدته في فهد بن سعود وتحدث فيها عن نسب آل سعود اليهودي، وتستخدم معظم أبياته لدى مؤرخي الحروب والأنساب براهين إثبات.

– قصيدة للشاعر تركي بن أحميد «قُتل في معركة عام 1280هـ» وهو من رؤساء قبيلة عتبة، وابن عم سلطان بن احميد الذي سلمه الإنكليز إلى عبد العزيز بن سعود فقتله، وقتل معه الآلاف من شباب قبائل عتبة والعجمان وميطر، لأنهم رفضوا مُلك آل سعود ودعوة محمد بن عبد الوهاب. «وأيضًا تتحدث عن نسب آل سعود اليهودي».

– أما ما ذكره هاري سانت جون بريدجر فيلبي ضابط الاستخبارات بمكتب المستعمرات البريطانية ومستشار الملك عبد العزيز مؤسس المملكة العربية السعودية، أقول ما ذكره فيلبي في مذكراته عن نسب آل سعود اليهودي سأضرب به عرض الحائط لأن فيلبي جاسوس لا أثق به!

– أما ما نشرته الإذاعة اليمنية وما نُشر بالصحف الأجنبية حول نسب آل سعود اليهودي، فهو يتطرق إليه ما يبطله من غرض الكيد السياسي، لذا لا ألتفت إليه!

ولكن أصدّق موروث الذاكرة الشعبية فهو عندي في منزل صدق أكثر من غيره. وبهذا أنتقل من خانة التوقف في قبول كلام ناصر إلى خانة الموافقة والقطع والتأكيد، رحم الله ناصر السعيد وحميدان الشويعر، وكلمة الحق مهما أُسْبِلَت عليها حُلْكَة الحنادس فهي وامضة، شعلتها حيةٌ لا تموت!

إذا كان لديك شكٌ فيما سقته إليك، فسأقطع لك هذا الشك -إن شاء الله- انس كل ما قرأته مما سبق وأجب عن هذا السؤال: هل قابلك نسبٌ تخلّله شك واحتمال؟ بطبيعة الحال ستجيب بـ«لا»، ممتاز! تفضّل اقرأ هذا الكلام: «تناول المتحدثون نسب أسرة آل سعود، وهناك من قال إنهم من تميم، وناقش بعضهم أن آل سعود من عنزة، ولاحظت أن هناك فهمًا خاطئًا حيال تحقيق نسب الأسرة. آل سعود وفقًا للمصادر المحققة هم في الأصل من المردة من بني حنيفة من بكر بن وائل».

هل لاحظت في هذا الكلام أنه يردُ على جدلٍ في النسب؟ إذن لتعلم أن القائل هو الملك سلمان بن عبد العزيز، في مقال قديم بصحيفة الرياض، العدد الصادر في 1 يناير (كانون الثاني) 2008 وتداخل الملك -كان أميرًا وقتها- بصفته رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، وردَّ في مقاله على د. محمد الهاشمي ود. عبدالرحمن الفريح، إثر إثارتهما لهذا الجدل في حلقات بقناة المستقلة!« لقراءة المقال بصحيفة الرياض» و«لمشاهدة الحلقة بقناة المستقلة».

ثم أعتذر ثانية للقارئ عن قولي بنصه: «هل كلام ناصر عن مرخان أن أصله ينحدر من يهود الدونمة بتركيا له وجاهة واعتبار؟!» والحقيقة أن ناصرًا لم يقل ذلك، بل قال: «يؤكد بعض الشيوخ النجديين وكذلك المصادر التي سيجدها القارئ في هذا الكتاب، أن محمد بن عبد الوهاب ينحدر هو أيضًا من أسرة يهودية من يهود الدونمة في بلدة بورصة بتركيا، وكانوا يندسون في الإسلام للإساءة إليه وللهروب من بطش العثمانيين، وجّد محمد بن عبد الوهاب هو شولمان اليهودي الذي حرّف اسمه إلى سليمان، وغادر بورصة في جولة طويلة قبل أن يستقر في بلدة العيينة»، وإليك أبيات الشويعر:

ما أخشى ذيب في عوصا
أخشى شيخ في الدرعية
قوله حق وفعله باطل!
واسلاحه كتب مطوية
خلى هذا يذبح هذا
وهو جالس في الزولية
يدعو باسم دين امحمد
وأفعاله كفر وأذية
برأ منها دين امحمد
أعماله الشيطانية
واظنه بمحمد يعني
امحمد الوهابية
يقول أصله من تميم
تميم بورصه التركية!
«عوصا اسم جبل، والزولية هي فرش مزخرف»

وقد لزم عليّ الاعتذار للقارئ الكريم؛ لأجل الخلط الذي وقعتُ فيه بين يهود بصرة العراق من بني قينقاع وبين يهود بورصة تركيا من الدونمة، فهذا حقًا لا يجوز!

وإن شاء الله في المقال القادم، أوضّح تخليط مفكري المدرسة النجدية في ميدان الأدب، وأن هذا الخلط ناتج من سوء فهم لكيفية التعامل مع المذاهب الفكرية المعاصرة، مع سوء تصور كارثي رغم أن القاعدة الفقهية تؤكد أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره! والنتيجة هي ممارسة الإقصاء في غير مقامه، وهي أصلًا مدرسة إقصائية حتى العظم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب ما بعد السلفية لأحمد سالم وعمرو بسيوني
موقع الدرر السنية الإلكتروني على الشبكة
كتاب تاريخ آل سعود لناصر السعيد
دراسة عن أصول آل سعود لحبيب مقدم
موقع ويكيبيديا
كتاب شرح نقائض جرير والفرذدق لأبي عبيدة معمر بن المثنى
عرض التعليقات
تحميل المزيد