ذكر ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية)  قصة رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح طلبًا للتحكيم بديلًا للحرب مع علي – كرم الله وجهه – وجيشه في أحداث صفين 37 هـ، ومنذ هذا اليوم صارت القصة مثلًا يُضرب عند تداخل أشياء الدين والسياسة. ثم جاء الدور على تراث ابن تيمية عندما رفعته رماح الثورة النجدية على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما زال مرفوعًا حتى اليوم!

عندما قرأت كتابًا لمحمد بن عبد الوهاب منذ سنوات خلَتْ لم أكن أظن أنه سيكون فاتحة للغوص في بطون كتب أخرى لابن عبد الوهاب وأخرى تتعلق بشروحات لها من لدن أتباع مدرسته. ومن ثمَ مواصلة الرحلة إلى كتب ابن تيمية لتأثري بالشعارات الملصقة على جدار المدرسة النجدية، التي تقول إن ابن عبد الوهاب أسس مدرسته على دعائم تراث ابن تيمية. وهذا ما اكتشفت لاحقًا عدم مطابقته للحقيقة تمامًا وأن الشعارات التي دفعتني في درب طويل من التقصي والبحث لم تكن سوى بروباغندا!

تهدف تلكم الشعارات لتوجيه مجموعة مركزة من الرسائل ذات منظور أحادي بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من الأشخاص. هي رسائل عاطفية ترتكز على بريق الرموز أكثر من كونها عقلانية عند تقصي علائق الشعارات بالرموز وبحثها وتحليلها. والهدف من هذا بكل تأكيد هو تغيير السرد المعرفي للأشخاص المستهدفَين لأجندات دينية وسياسية.

فالمدرسة النجدية تمتلك أيديولوجيا معينة ومن الطبيعي أن تروج لها بأية دعاية أو بروباغندا تراها مناسبة، هذا ليس عيبًا في حد ذاته، إنما أن تكون تلك الدعاية لا تستند على تصور سليم أضف إليه المبالغة في الدعاية نفسها حتى تصير فحواها في عداد المسلمات، فهذا ما جعلني أنبري لطحن هذا الوهم!

ما وجدته بعد حفر تحت هذه اللافتة الإعلانية هو أن هذه المدرسة ظلمت ابن تيمية بادعائها أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد أحيا تراثه ومن ثم بعثه ثانية بعد اندثار، بل الأصح أن ابن عبد الوهاب اقتبس شيئًا يسيرًا من ذاك التراث وغرسه في مدرسة تشكل أفكارها عوامل أخرى كثيرة غير المُقتبس من تراث ابن تيمية، فتفاعل كل ذلك مع بعضه البعض، أما أن يكون قد تمثل بتراث ابن تيمية كله فلا، ناهيك أن يكون قد أحياه وأعاد بعثه كاملًا.

وما تبنّى أصحاب المدرسة النجدية تراث ابن تيمية ووضعوه في محط عنايتهم ورعايتهم إلا بعد غياب المؤسس، ولا تخطئ العين الغلو في تقديس المؤسس وغلو آخر في تقديس ابن تيمية من قبل بعض المنتمين إليها. بحيث إن مجرد طرح أي نقد لهذين الرمزين يعد في أدبيات المدرسة النجدية من المحظورات التي أمامها خطوط حُمر، حتى إن كان هذا النقد نابعًا من داخل سورها بهدف تصحيح فهم النصوص التراثية وتنزيلها إلى الواقع. مع إقرارهم بأن العصمة لا تثبت في حق شخص مهما علا شأنه!

وأعزّز قولي بما ذكره محمود شكري الألوسي في كتابه (تاريخ نجد) عن تعصّب المدرسة النجدية في شأن مؤسسها: لم يتفق لأحد من العلماء مثل ما اتفق له من طاعة القوم وانقيادهم لأمره، وذلك من العجائب، وهو عندهم بمنزلة أحد الأئمة الأربعة إلى يومنا هذا، وإذا ذكره أحد بسوء قتلوه!

سأضع طرحي بشكل عام على هيئة إشارات ورؤوس أقلام بدون إيغال وتكثير تفاصيل، أشبه برسم إطار عام أنظم داخله إشارات مفتاحية أو مداخل لأهداف بحثية عريضة، فتراثي ابن تيمية وابن عبد الوهاب مجتمعين لا يمكن أن يحصرهما مقال حاسته اللمس على السطح لا الغوص في العمق. ما أقوله إن المدرستين مختلفتان، يوجد تأثير نعم، لكن الدعاية أكبر من ذلك التأثير لتحقيق كسب الشرعية والقبول والذيوع بالانتساب لعالم كابن تيمية. هي دعاية مكثفة مؤدلجة من المدرسة النجدية كما سنرى في النقاط التالية.

أولًا:

ابن تيمية عالم موسوعي لا جدال في ذلك حتى عند من اختلفوا معه ممن توفرت فيهم المصداقية، بينما نجد أن محمد بن عبد الوهاب داعية. والفرق بين العالم والداعية كبير جدًا، فذاك ارتقى في العلم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، أما الداعية فدوره – مع أهميته – وعظي إرشادي وتظل أدواته العلمية الشرعية قاصرة عن القيام بدور العالم. أثبتُ للشيخ ابن عبد الوهاب صفتين، أولاهما أنه إمام دعوة، لا إمام علم، أي أنه متبوع اتبعه أناس لما دعاهم إليه. وثانيهما أنه مجدد لما اندثر من مظاهر الدين بنشره التوحيد، وهذا بصرف النظر عن وسائله التي طبقها لتحقيق ذلك. وبصورة مباشرة أقول أن اقتباسه لنتفٍ من تراث ابن تيمية لا يضع مدرسته في خانة المماثلة لمدرسة ابن تيمية، لا نظريًا في مقاربة تراثية ولا عمليًا في مقارنة تطبيقية.

ثانيًا:

بالنظر إلى تراث الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا نجده يتصف بالشمولية والإحاطة بعلوم الشريعة والفقه، فهو يصب حصرًا في ثنائية العقيدة متمثلة في مسألة التوحيد وضدها، أي مسألة التكفير. وإن نظرنا في الأسلوب الذي كتب به الشيخ لوجدناه بسيطًا يميل للاختصار ولا يحمل طابع الأسلوب العلمي الشرعي وتأصيلاته الدقيقة المطوّلة. ثم لديه عدا ذلك كتب ورسائل يسيرة في الفقه والحديث والصلاة والكبائر وتفسير لسورة الفاتحة وتفسير لبعض الآيات ومختصرات لكتب تراثية وكتاب واحد صنفه في الرد على الرافضة.

 بعكس تراث ابن تيمية الذي يحار المرء أمام غزارته وتنوعه وثرائه. فقد صنف في العقيدة والفقه والردود على الفرق المخالفة مثل الفلاسفة والصوفية والمعتزلة والجهمية والقدرية والدهرية والمرجئة والأشعرية والباطنية والقرامطة والنصيرية في مجلدات ضخمة بالإضافة لردوده على اليهود والنصارى، وصنف في السياسة الشرعية وعلوم القرآن تفسيرًا واستنباطًا، ومجموع الفتاوى الفقهية الضخم أشهر من أن يُذكر، وصنف أيضًا في الرقائق وله رسائل وشروحات كثيرة. وقد علا كعبه في علوم الحديث والرجال والجرح والتعديل والطبقات، وفي علوم اللغة العربية والنحو وقرض الشعر لكنه لم يهتم بالتصنيف في ذلك على وجه الخصوص، ونجد أن لديه تتبعًا لغويًا بلاغيًا بديعًا في رسالته (أصول التفسير).

ومن كل هذا التراث الضخم الذي خلفه ابن تيمية أخذ الشيخ محمد بن الوهاب منه العقيدة واختار من ردوده الرد على الصوفية كما تبينه رسائله، والرد على الرافضة. وأعني بالأخذ الاقتباس النصي، أما فهم النص نفسه فلا تلازم بينه وبين اقتباسه، أو بمعنى آخر ليسا قرينين بحيث يؤدي اقتباس النص إلى صحة فهمه بالضرورة، وسأوضح لاحقًا ضمن ما أسطره من مطالب ما أعنيه بذلك.

ثالثًا:

لا مناص من الرجوع إذا رُمنا تقييم تجربة المدرسة النجدية إلى مصادر التاريخ الواصفة للبيئة التي نشأت فيها وضربت فيها أوتادها متأثرةً بها وفيها. وأشهر هذه المصادر هو تاريخ ابن غنام الفقيه الإحسائي وهو شاهد على العصر ويعد من مريدي الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته. بل أنه صنف تاريخه بحضٍ منه، ويقول في ذلك: والإمام أيده الله تعالى يعزم عليّ في ذلك ويشير، حتى بدا طالع الإقبال والسعد والتبشير، إثرَ ما كنت في ذلك الشأن أستخير، فشرعت فيه حتى أتقنته تصحيحًا وتحبيرًا، وتلقنتُ تلك المغازي ممن حوى في الصدق رياسةً وتصديرًا. ثم يقول في موضع آخر: سميته روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام.

وثّق ابن غنام شيوع مظاهر الشرك المخالفة للعقيدة الصحيحة في زمان الشيخ، بقوله: كان غالب الناس في زمانه متضمخين بالأرجاس، متلطخين بوضر الأنجاس، حتى قد انهمكوا في الشرك بعد حلول السنة المطهرة بالأرماس، وأُطفئ نور الهدى بالانطماس، بذهاب ذوي الأبصار والبصيرة، والألباب المضيئة المنيرة، وغلبة الجهل والجهال، واستعلاء ذوي الأهواء والضلال.

ويتفق المؤرخ عثمان بن بشر مع ابن غنام وقد أرخ لنفس تلك الفترة بعده، يقول في مصنفه (عنوان المجد في تاريخ نجد) عن دعوة الشيخ: ثم أن هذا الدين الذي منّ الله به في آخر هذا الزمان على أهل نجد بعدما كثر فيهم الجهل والضلال والظلم والجور والقتال، فجمعهم الله بعد الفرقة وأعزهم بعد الذلة، وأغناهم بعد العيلة، فجعلهم إخوانًا فأمنت السبل، وحييت السنن، وماتت البدع، واستنار التوحيد بعدما خفا ودرس، وزال الشرك بعدما رسى في البلاد وغرس، وطغت نيران الظلم والفتن، ورفعت مواد الفساد والمحن، ونشرت راية الجهاد على أهل الجور والفساد.

يدعي المناؤون للمدرسة النجدية وخصومها أن تلك الصورة التي أبرزتها مصادر التاريخ النجدية مبالغٌ فيها وأن ما تصفه من مظاهر الشرك وإن كانت موجودة فلا يعني ذلك ذيوعها وانتشارها هكذا. ولكن بالنظر في مصنفات أخرى ترصد أحوال تلك الفترة – القرن الثاني عشر الهجري – في الأمصار الإسلامية خارج جزيرة العرب، نجد نفس الوصف الذي وّثقه كل من ابن غنام وابن بشر في وصف أحوال نجد.

ما أود الخلوص إليه أن الثورة النجدية أثارتها بواعث قوية، استدعت عقد العزم والنهوض لتغيير الأوضاع وإصلاح الناس وحملهم على الجادة وصنع الفارق.

رابعًا:

ترافقت دعوة ابن تيمية مع شيوع نفس تلك المظاهر المخالفة لصحيح العقيدة، ولكنها أكثر تنوعًا لكثرة الفرق في عصره. يقول أحمد بن إبراهيم الواسطي الشهير بابن الحزّامين في رسالة له لمجموعة من العلماء عنونها بـ(التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار): واشكروا الله تعالى أن أقام لكم ولنا في هذا العصر مثل سيدنا الشيخ الذي فتح الله به أقفال القلوب، وكشف به عن البصائر عمى الشبهات وحيرة الضلالات، حيث تاه العقل بين هذه الفرق ولم يهتد إلى حقيقة دين الرسول عليه الصلاة والسلام.

وابن الخزّامين كان صوفيًا بالقاهرة قبل أن يلتحق بدمشق ويتتلمذ لابن تيمية وينتقل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، كما ذكره الزركلي في ترجمته بـ(الأعلام). ثم يعدد في رسالته آنفة الذكر تلكم الفرق ويوّثق استطالتها ورشحها مظاهر الشرك في ذلك العصر، فعدّ منها الحريرية والأحمدية الصوفيتين، وزنادقة الصوفية القائلين بالحلول والإتحاد وتأله المخلوقات، كاليونسية والعربية والصدرية والسبعينية والتلمسانية، والرافضة والمعتزلة والقدرية، وترافق ذلك مع فرق صائلة على ديار المسلمين من تتر ويهود ونصارى.

ومما تقدم فبواعث نهوض كل من ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب بثورته تتكئ على مشترك الظروف الباعثة، وهذا لا يعني تشابه الثورتين ولا تشابه المدرستين، بل أن الفوارق كثيرة، وهذا ما سوف أبينه في استطراد قادم، بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تعريف البروباغندا بموقع ويكيبيديا
كتاب روضة الأفكار والأفهام لابن غنام
كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر
كتاب الجامع لسيرة ابن تيمية خلال سبعة قرون لمحمد عزيز شمس وعلي بن محمد العمران
كتاب تاريخ نجد لمحمود شاكر الألوسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد