استيقظ من نومه فزعًا على أثر رنين المنبه المتواصل في تمام السادسة صباحًا، شعر كأنه لم ينم فلقد حاول النوم في الثانية صباحًا بعد يوم شاق من العمل، انتبه إلى جثة زوجته المتكورة بجانبه، وإلى تلك المروحة العتيقة التي أخذت تدور يمينًا ويسارًا كعجوز تحاول عبور الطريق، وقد أخذت مفاصلها تصدر أزيزًا متواصلًا، ورغم ذلك تحسس ملابسه الغارقة في العرق.

 

توجه إلى دورة المياه، صلى الصبح قضاءً، نظر في ساعته، لا يوجد وقت لتناول الفطور كالعادة، والجوع أرحم من وجه مديرة العمل العبوس، بحث عن ملابس فلم يجد سوى ملابس الأمس المتسخة فارتداها على عجل، وقبل أن يفتح الباب ليتوجه إلى عمله التقط الورقة المحشورة في الباب المغلق، وقرأ ما فيها:
اترك خمسين جنيها وإلا فلا تسأل عن الغداء.
ترك المطلوب على المائدة، وتوجه إلى العمل.

 

بدأ السير في الطريق الطويل الذي يخرجه إلى الشارع الرئيسي، كل يوم يشعر بالندم على اختياره لشقته في نهاية هذا الشارع الطويل، أخذ يقطع الطريق على مهل على قدر ما تسمح له مفاصله المستهلكة، محاولا الابتعاد قدر الإمكان عن أكوام القمامة الصغيرة التي أشعل فيها حرّاس العقارات النار للتخلص منها، وقد ارتصت في الطريق في أكوام متعددة ممتدة على طول الطريق، ومطلقة غازاتها الخانقة إلى صدره، كم تمنّى لو يجمع حرّاس العقارات ليطلب منهم الكف عن هذه العادة السيئة ولكن، ما باليد حيلة.

وصل إلى أول الطريق، وتهلل وجهه عندما وجد تلك السيارة الصغيرة التي تُقِلُّه إلى أول الشارع الرئيسي خالية تمامًا، فمعنى هذا أنه سيجلس في المقعد بجوار السائق في البراح، ولا يضطر إلى حشر نفسه في الأريكة الخلفية التي لا يتحرك السائق من مكانه قبل أن يشغلها بثلاثة أفراد رغم ضيقها الشديد.
حاول فتح الباب الأمامي فلم يجد لذلك سبيلًا، وصل عنده السائق وفي يده السيجارة وكوب الشاي وقال:
في الخلف يا أستاذ، خلاص قدام.

 

ورغم خيبة الأمل التي شعر بها إلا أنه امتثل وتوجه إلى الباب الخلفي، وحاول أن يبحث عن وسيلة لفتحه فلم يجد حتى وصل إليه السائق وهو يقول:
حاسب، حاسب يا أستاذ.
ثم مد يده من النافذة المفتوحة ليفاجأ الرجل بأن السائق يفتح مزلاجًا كذلك الذي يوضع في الأبواب المنزلية ليفتح باب السيارة، فتح السائق الباب وهو يقول عابسًا:
والاسم متعلم.
لم يعره انتباهًا، جلس على الأريكة رغم ما عليها من غبار، قال السائق:
ادخل للآخر.

 

امتثل لأمره وأخذ يتزحزح للداخل فمسح الأريكة من الغبار القابع عليها، وانتظر حتى تمتلئ السيارة، والسائق يجبر جميع من يأتي بالجلوس في الخلف، حتى أتت فتاة ترتدي عباءة سوداء ملتفة بصعوبة حول جسدها، ففتح السائق لها الباب الأمامي، ثم انطلق بالسيارة.

 

أخذ يتملص بصعوبة يمينا ويسارا حتى يتمكن من إخراج الأجرة المطلوبة، ولكن ضيق المكان جعل ذلك صعبا للغاية، وبعد جهد جهيد أخرج خمسة جنيهات ووضعهم في يد السائق الذي نظر إليها ثم ألقاها إلى الخلف، وهو يقول :
فكّة، فاكر إني بنك على الصبح.

 

التقطها بصعوبة، أخذ ينظر حوله لا يدري ماذا يفعل حتى أخرج من بجواره نقودا معدنية وأبدلها معه، ودفع منها الأجرة التي التقطها السائق، وهو ينظر إلى ذات العباءة بجواره ويقول :
والنبي عسل.
وضحكت الفتاة على استحياء.

 

وصلوا أخيرا إلى بداية الشارع الرئيسي، نزل من السيارة وحاول أن يغلق بابها، فشعر بصعوبة ذلك، فدفعه دفعة قوية حتى أغلقه، وجاءه صوت السائق من الداخل :
على مهلك، أنت فاكر أنه باب بيتكم.

 

كانت عيناه تراقب سيارات الأجرة الكبيرة القادمة نحوه، فسمع المنادي في إحداها يقول :
رمسيس، صلاح سالم.

 

فجرى بسرعة نحو السيارة فكان في وسط الطوفان البشري الذي هجم على باب السيارة يبغي الركوب، لم يعد متحكما في نفسه ولكن الطوفان هو الذي بات يحركه قصرا، كان يشعر بالإحراج لأن كفه كان قد استقر فوق ثدي امرأة تنازعه على الصعود، ثم جاءت أخرى فسحقت قضيبه بمؤخرتها حتى تحتل مكانه على الباب، كما أنه لم يستطع أن يمد يده الأخرى لإنقاذ تلك الفتاة بجواره التي فقدت توازنها وبدأت في السقوط أرضا.

 

حمد الله أنه وجد مكانا على الأريكة الخلفية فجلس على نصف مؤخرته ليسمح للآخرين بالجلوس على أنصاف مؤخراتهم بجواره، نظر من النافذة فوجد امرأة تنظر نحو السيارة في حزن، وقد التمعت عيناها بالدموع، وهي تحمل رضيعا على يديها وحقيبة كبيرة بها أغراضه، وتحمل طفلا آخر داخل بطنها المنتفخة، كان يبدو عليها أنها تنتظر منذ وقت طويل، وفي كل مرة تفشل في الركوب، فكّر أن ينزل ويدعها تركب بدلا منه، ولكنه تذكر وجه مديرته العبوس فأشاح بوجهه إلى الجانب الآخر.

صعد السائق، نظر إلى الأريكة الخلفية، قال :
ستة على الأريكة ؟
ولما تأكد من وجود العدد فوق الأريكة، انطلق بالسيارة، وهو يقول:
الأجرة موحدة، أي مكان بنفس الأجرة، والمعترض ينزل.

 

نظر إلى السيدة أمامه التي قالت هامسة:
حسبي الله ونعم الوكيل، حار ونار فيك.
وعاد للتملص من جديد كي يُخْرِج الأجرة، وفجأة قفز قلبه من مكانه عندما أطلقت السماعات خلف أذنه مباشرة بأصوات عالية مختلطة مفزعة تبين منها بعد قليل صوت مخنث يقول في نغمة نشاز مكررة:
ولو لابسة يا حلوة عباية، تعالي وامشي معايا
ولو جوزك مش بيقدر، أنا جامد وبعوّر

 

حاول أن يتزحزح للأمام بعيدًا عن السماعات فلم يستطع، فاستسلم لتلك الطرقات في أذنيه، كما استسلم لذلك الدخان المتسلل إلى خياشيمه من سيجارة الرجل الذي يجلس أمامه، وإلى العرق المتسلل في خيوط على ظهره ليس لحر أغسطس فقط، ولكن لشدة زحام الطريق أيضا.

 

نزل من السيارة، نظر في ساعته، إنها الثامنة ودقيقتان، أخذ يهرول بسرعة، عند البوابة نظر في ساعته، إنها الثامنة وأربع دقائق، قرأ آية الكرسي، قرأ (وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون)، ذهب للتوقيع في كشف الحضور، المديرة تقف هناك عبوسًا.
ألقى التحية، أمسك القلم، أغلقت الدفتر، نظر إليها، قالت:
تأخير، خصم نصف يوم.
– أربع دقائق فقط.
– كلمة زيادة، خصم يوم كامل.

 

ابتلع لسانه ومضى إلى العمل، غرق في الأوراق لساعتين، رفض الفطور مع زملائه لانشغاله بالعمل، دخل عليه زميله حسن بإناء مليء بالشيكولاتة وقدمه له قائلا:
حلاوة ترقيتي لرئيس القسم.

 

تناول قطعة، هنأه، حسب سنوات العمل، وجد أنه الأقدم، تردد لساعة ثم ذهب إلى المديرة، قال:
حضرتك بالنسبة للترقية التي…
قاطعته:
اسمع يا أستاذ وحيد، أنت صاحب مجهود متميز في العمل والمنصب الجديد كما تعلم فيه الكثير من الراحة بما لا يتناسب مع جهدك المتميز، وكما تعلم فإن الأستاذ حسن (مش بتاع شغل) وبالتالي من مصلحة العمل إننا (نركنه) في هذه الترقية، ونستفيد من مجهودك في عمل حقيقي.

 

انتفخ صدره ورفع رأسه فخورا باعتراف المديرة بجهده المتميز، وذهب ليبارك لرئيسه الجديد.

 

انتهى العمل في الثالثة عصرًا، اليوم إجازة من عمله الآخر لذا توجه إلى البيت، نام في الطريق من فرط التعب واستيقظ عند وصوله فلم يشعر بالساعتين اللتين قضاهما في الطريق، جرى ريقه عندما نظر إلى العنب الناضج عند بائع الفاكهة، أخرج جنيهاته القليلة وأخذ يحسب حسبته ولكن حر الشمس المصبوب على رأسه دفعه لشراء كيلو من العنب.

 

استقبلته ابنته بالترحاب الشديد، أعطاها شيكولاتة رئيس القسم، قامت زوجته لتجهز طعام الغداء، قال:
أنا جائع بشدة.
وجدها لا تزال تقطع الفاصوليا، قال:
متى استيقظتم ؟
– منذ ساعة.
– ألست تعرفين أنني سآتي لتناول الغداء اليوم، هل تبدئين في تجهيزه الآن؟
– كنت نائمة.

 

صمت، وتوجه إلى الفراش، بعد لحظات وجد زوجته تفتح الباب ثم تغلقه بالمفتاح، زفر بقوة، اقتربت منه، وضعت شفتيها فوق شفتيه، قرقرت معدته من الجوع، حاول أن ينهي الأمر سريعًا، فشلت جميع محاولاته، قامت في غضب وقالت:
لا أجد السعادة معك أبدا.
بعد لحظات سمع باب الشقة يُغْلَق بقوة، قام بصعوبة وقال لابنته:
أين ذهبت ماما؟
– عند جارتنا.

 

نظر إلى الفاصوليا في الصينية لم تقطع بعد، توجه إلى المطبخ، أخرج بيضتين وبدأ في تجهيز الطعام، جاءت ابنته وقالت:
سأساعدك يا بابا.

 

أخذا يضحكان معا، فجأة صرخت البنت وجرت لتحتمي خلف إحدى القطع الخشبية بالمطبخ وهي تقول:
صرصار طائر يا بابا، صرصار.

 

التفت الأب نحو الصرصور، خلع (فردة شبشب) ترقب الصرصور في صبر حتى استقر على الحائط، هبط عليه بـ (فردة الشبشب) بقوة حتى سحقه.
خرجت البنت من مخبئها، واحتضنت أباها من ساقيه، وهي تضحك بقوة وتقول:
أنت بطل يا بابا، بطل.
ضحك، انتفخ صدره، رفع رأسه لأعلى و…… لمعت عيناه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آدب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد