اعتاد التاريخ أن يرصد الأحداث الكبرى، وأن يذكر أسماء المواقف المؤثرة التي غيرت في مساره سواء أحسنوا أو أساؤوا، ولكن التاريخ لا يلتفت إلى ملح الأرض؛ هؤلاء الذين يتصارأصحاب عون في معارك الحياة اليومية البسيطة، هؤلاء الذين ربما نراهم فلا نقيم لهم وزنًا، ولا ندري أن الله ينزل بركاته ورحماته علينا بفضلهم، وأنه يحبس لعناته وغضبه شفاعة لهم.

ولكنها عادة البشر الذين لا يذكرون إلا من أضاء فتيل أنجمهم، ولو كان ضياؤهم من حرق زيت كرامتهم وحقوقهم، أما هؤلاء أصحاب المعارك الصغيرة اليومية في الحياة لا يلتفت إليهم التاريخ، فلا يذكر التاريخ ذلك الرجل ذا الملامح الطيبة المتغضنة الذي قاوم إرهاقه؛ ليستيقظ فجرًا كي ينحشر في ميكروباص يتعمد سائقه إهانته فيبتلعها ليصل إلى عمله في الميعاد، فلا يخصم له دقائق تأخيره فالراتب لا يحتمل قروشا تتبخر منه كوقود لإشعال كرامة المدير وكبريائه.

ثم يعود بعد اثنتي عشرة ساعة من العمل محمولا على أعناق التعب والمذلة ليضع جنيهات لا تُرى، لا تدري شريكته ماذا تسد بها من أفواه الوحوش المتصارعة للفتك بها؟ فهل تلقم بها وحش ضروس الأبناء؟ أم تقلم بهم أظفار بائعي الأطعمة؟

أم تخلع بهم أنياب صاحب البيت؟

لا يذكر التاريخ تلك الأم البطلة التي تستيقظ قبل الشمس الكسولة لتجهز أبناءها قبل الذهاب للمدرسة، وهي تتحمل عصبية زوجها لتأخرها بكوب الشاي عنه، ولأن زر قميصه يرغب في مفارقته مثلها، ولكن الزر ليس له أبناء تضطر للتضحية من أجلهم بالبقاء كخادمة لهم ولأبيهم، ثم تهرول إلى العمل بأبسط الثياب وأقدمها حتى تكفل لأطفالها ثيابًا جديدة لا تنتقص من قدرهم أمام زملائهم، خصوصًا وهي تشعر أنها خذلتهم بعدما لم تستطع أن تجلب لهم تلك الهواتف الذكية التي تداعبها الأصابع مثل بقية زملائهم.

وفي العمل تتحمل صابرة صراخ المدير في وجهها وتهديده الدائم بالخصم أو قطع العيش مهرولة لطاعة أوامره، حتى ولو كانت في غير اختصاص عملها، ولكن من ذا الذي يفكر في اختصاصه، ومن ذا الذي يفكر في حفظ كرامته وحقوقه، والآلاف تنظر في شراهة إلى مقعدها في العمل كي تقفز عليه إذا سهت عنه ليوم بعد أن هدتهم الحاجة للعمل؟ ثم تعود من العمل براتبها لتجد) سبع البرمبة) في البيت فاتحًا كفه لتسقط فيه أمطار راتبها ليلقيَ لها ببضع جنيهات ثم يمزج ماله بمالها، فما النساء إلا ملك يمين، والعبد مال سيده.

وبالتأكيد سينسى التاريخ ذلك الملاك الصغير الذي يحمل تلالاً من الكتب والدفاتر على ظهره ليذهب إلى مدرسة وظيفتها أن تخلع تلك التلال من ظهره؛ لتطبعها في عقله حتى يعيد هو طباعتها داخل ورقة الإجابة، بعد أن فقد طفولته وقدرته على الإبداع وسط الكثير من الظروف السيئة، ثم بعد ذلك تجده يسعى وينحت الصخر حتى يجد لنفسه مكانًا في عالمٍ لا يرحم، ولا يعترف بكل تلك التلال التي حملها عقله وما وعاها.

ولن تجد ذكرًا في كتاب التاريخ للعامل البسيط الذي اكتفى بورقة من صحيفة؛ ليفرشها على الأرض أمامه وسط أمواج الذاهبين والآيبين متجهًا إلى ربه في محبة صادقة راضيًا عن حاله وغير ناقم على حياته، ولا على من يسرق قوته، وفي النهاية ستجد من يعتبره نكرة، وزائدًا على الحياة، متهمًا إياه بالجهل وقصر النظر الذي لا يُمكّنه من المطالبة والاختيار وإبداء الرأي.

أما تلك البطلة التي تسير في جمود فسيهملها التاريخ لأنه يكتبه الذكور، فلن يذكر جهادها فقط لتسير في الطريق متجاهلة نظراتٍ تفتك بها، وألسنة تقذفها بكلمات من سجّيل، وأياديَ تمتد لتقتنص ما تراه حقًا لها، ثم تحاول أن تتجاهل أجراس إنذار العنوسة، وقذائف المتهمين لها بالفشل في جذب الرجال، والمتعامين عن كل إنجازاتها ما دامت لم تحظَ بذَكَر، وبعد ذلك تجدها تبحث عن عمل تقوم به لتبدع وتنتج.

ويستمر تجاهل التاريخ، لفقراء في عشش الصفيح بلا أسقف ولا ماء نظيف، ولأطفال يعيلون أسرهم ويهرقون ماء طفولتهم، ولضعفاء ينتظرون في صبر يدًا رحيمة لا تأتي أبدا، وإن أتت فتُلقي ما لا يسد الرمق ولا يقيم الأود، وآباء لا أمل لهم في الحياة إلا أولادهم، وأطفالٍ لا يجدون موجهًا أو دليلاً في صحراء العالم القاسية، فيتجهون لتلفاز وألعاب إلكترونية وبضائع تافهة وإعلانات خادعة ليسرق كل هؤلاء أعمارهم ويتركهم بلا شخصية أو علم أو خبر.

الأبرياء كثيرون؛ أولئك البسطاء الطيبون الذين هم ملح الأرض وأساس الناس، أولئك الذين نعبر بجانبهم – ولو كنا منهم – ولا نلتفت لهم أو نعيرهم اهتمامًا، وقد اكتفى كل منا بقوقعته، وكلما قسا العالم علينا، كلما زاد انكماشنا داخل قواقعنا حتى يغدو العالم قاسيًا جامدًا موحشًا، يعيش كل فرد فيه في جزيرة منعزلة لا يجد معينا، ولا يعين أحدًا.

إنها المادية الطاحنة التي تسحق أرواحنا، والتي لابد أن ننهض من تحت عجلاتها حتى ننجو بأنفسنا وأحبائنا من سطوتها. عودوا للحياة الحقيقية، تلك التي وقودها الحب لا المال، التراحم لا المنفعة، السعادة لا المتعة، الجمال لا اللذة. الإنسانية تئن، والقيم تزداد عويلاً، والقبح يسيطر على كل شيء، ولولا رجال طيبون ونساء ساذجات لا نعرفهم لأطل غضب الله علينا، فما نعيش إلا بفضلهم، ولا يرحمنا الله إلا إكرامًا لهم.
لابد أن تعتاد عيوننا أن ترى الأرواح لا الأبدان، وأن نعامل البشر على أنهم ذلك الإنسان المخلوق للجنة ليستمتع بأصوات الماء في أنهارها، ونسيمها الرائق، حيث يجتمعون على الأرائك يتبادلون الضحكات والرحمات. فلنكف عن أن نرى البشر باعتبار أن كل فرد هو فرصة لنا علينا أن نجيد استغلالها، فالأرواح عطشى وماؤها الحب، فهل نسيقها منه؟ أم يتبخر تحت وطأة نار المنفعة واللذة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد