في عام 1945 صدرت رواية ” القاهرة الجديدة ” للراحل نجيب محفوظ، الذي لم يقرأ معظمنا حرفـًا واحدًا مما كتَب. تطرق نجيب محفوظ في سطور الرواية وعن طريق توظيف شخصياته، بصور مباشرة وضِمنية لمواضيع هامة في المُجتمع المصري كالإلحاد وضعف الخطاب الديني، ونقص الثقافة، فضلاً عن الفساد السياسي، والنفاق الاجتماعي، والوساطة، والمحسوبية.

توغل “النجيب” داخل النفس المصرية، مستقرئًا ما قد يؤول إليه الوضع إذا استمر على ما هو عليه، كاشفـًا عن مجتمع قد ضاق بما فيه وبمَن فيه، نافيًا الكمال الذي يعدنا به أولو الأمرِ ، ورافضًا المثالية التي يتغنى بها مثقفو السُلطة على مرِ العصور ومُرِّها.

على مدار عشرات الأعوام، ما يزال متصدرو المشهد السياسي المصري من المنتفعين، المُنضمين لخانة الموالين للسلطة والسطان، يجملون الواقع، يوهموننا بأن الصَبر على ما نحن فيه حلاً.

 

وأن ولي الأمرِ على الطريق القويم. لا يقبلون نقدًا ولا تتسع صدورهم لنصيحة، كأنهم يمنون علينا أنهم يحكموننا، لا يملّون من التغني بشعارات مصلحة الفقراء ومحدودي الدخل، ولا بحضارة السبعة آلاف عام وغيرها من الشعارات التي لا تطعم جائعًا ولا توظف عاطلاً ولا تساعدُ في شفاء مريض. معتمدين على الإعلام في تحسين صورتهم أمام المواطن البسيط، الغريق الذي يتعلق بقشةِ الأملِ في بحر من اليأس.

المحاولات المُستمرة “لتسكين” الألم الاجتماعي المُزمِن، المنتشر في أوصال المجتمع المصري أشبَه بالنَفخ في قِربةِ مثقوبة. فالقارئ في التاريخ الاجتماعي المصري سيجد أن المشكلة لا يتغير فيها سوى حجمها، ازديادًا للأسف.

 

بدءًا من الفساد السياسي والأخلاقي والخطاب الديني المبني على مبدأ “متسألش في الحاجات دي” الذي ينتهجه معظم الدعاة، والبُعد عن منهج مقارعة الحُجة بالحُجة لحل الاستشكالات العقائدية، وتزييف الوعي على عينك يا تاجِر في المناهج المدرسية، وصولاً لتأصيل فِكرة الفَرد المُخلِّص الذي يجَب أن نترُك له أنفسنا فهو أعلم مِنا بالطريق حتى وإن بدا لنا غير ذلك.

لقد حاول العبقري جمال حِمدان في كتابه (شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان ) الوصول إلى مَخرج مِن الدوامة اللانهائية من التساؤلات التي تُفضي بدورها إلى تساؤلات أُخرى قائلاً:

“إن ما تحتاجه مصر أساسًا إنما هو ثورة نفسية، بمعني ثورة على نفسها أولاً، وعلى نفسيتها ثانيًا، أي تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها، ثورة في الشخصية المصرية وعلى الشخصية المصرية، ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر وكيان مصر ومستقبل مصر”

 

معالجة تِلك المشكلات ليس خيالاً ولا ضربًا من المستحيل ولكن أولى خطوات علاج المشكلة هي الاعتراف بوجودهاز

 

فلو تفرغ المسئولون لمحاسبة أنفسهم عن محاسبة الناس لتحقق العدل، ولو وجهت السلطة قوتها الأمنية لمواجهة الإرهاب الحقيقي بدلاً من توجيهها لمطاردة أصحاب الرأي (المخالف) لتحقق الأمن، لو تبنى الإعلام خطابًا معتدلاً بدلاً من خطاب الكراهية والإقصاء – كأن كل فريق منهم يحتكر الحقيقة- لتحقق الاستقرار، آه وأقسم بالله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد