كانت بيروت اليوم على موعدٍ جديدٍ من المظاهر المسلحة والاشتباكات النارية والصاروخية، بين حزب الله الميلشيا الإيرانية في بيروت، وبين مجموعات من المواطنين اللبنانيين المسيحيين، رفضوا أن تكون مناطقهم مستباحة بقمصان سود وشعارات طائفية هدفها النيل من هيبة القضاء اللبناني، والإطاحة بقاضي التحقيق في تفجير مرفأ بيروت طارق البيطار.

المشهد كان جد درامي، حزب الله بسلاحه في منطقة الطيونة، مستكملًا مسار التهديد للقاضي بيطار الذي بدأه باتهام حسن نصر الله له بأنه يسيِّس التحقيق، ثم بتهديده مباشرة عبر رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا، وبعدها بمطالبة نصر الله علنًا الحكومة ومجلس القضاء الأعلى بتغيير القاضي وإلا…

هذه الـ«إلا»، ترجمت اليوم بظهور مسلح واشتباكات بين عناصر الحزب وأهالي المنطقة التي قصدها عناصر حزب الله وحليفته حركة أمل، للتظاهر مطالبين بإقالة البيطار المتهم من قبلهما بأنه ينفذ أجندة أمريكية هدفها ليس الوصول إلى الحقيقة في ملف تفجير مرفأ بيروت، وإنما النيل من المقاومة وضرب صورتها.

جوهر المسألة يعود الى أن البيطار توصل في تحقيقاته إلى خيوط تشير إلى تورط الحزب أو أحد الحلفاء بإدخال مادة النيترات التي انفجرت في 4 آب (أغسطس) عام 2020، وأودت بحياة أكثر من 200 قتيل 6 آلاف جريح، وخسائر مادية واقتصادية قدرت بـ8 مليارات دولار أمريكي.

وليتأكد البيطار من صحة هذه الخيوط، استدعى رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب، وعددًا من الوزراء السابقين، الذين يدورون في فلك حزب الله، الأمر الذي رأي فيه الحزب استهدافًا مباشرًا له، وعملًا سياسيًّا لا يمت إلى القضاء بصلة.

وشكًَل تمنُّع الوزراء ودياب عن الحضور مادةً سجاليةً على المستويين السياسي والقانوني في لبنان، سجال تقدمه حزب الله بنظرية قانونية تقول إن صلاحية التحقيق مع هؤلاء تعود إلى المجلس النيابي بوصفهم نواب حاليين ووزراء سابقين، وليس من صلاحية القضاء العدلي الذي يمثله البيطار.

قابل ذلك، تضامن سياسي مسيحي مع القاضي وتأييد مطلق من أهالي الضحايا، وأمنت له الكنيسة المارونية الغطاء اللازم، فمضى البيطار بتسطير مذكرة توقيف بحق نائب رئيس حركة أمل ودينمو عملها الوزير الأسبق علي حسن خليل، الأمر الذي يُعدُّ تصعيدًا خطيرًا وجبت مجابهته بالشارع من قِبل الحزب والحركة.

ترافق ذلك مع تحليلات سياسية تفيد بأن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وهو صهر رئيس الجمهورية ميشال عون، الحليف المسيحي لحزب الله، يستخدم ورقة البيطار ضد حزب الله، لدفع الأخير إلى توقيع اتفاقية سياسية جديدة معه، على شاكلة الاتفاقية التي وقعها مع عمه عون عام 2008 وعرفت باتفاق مار مخايل، وتضمنت تعهد الحزب بإيصال عون إلى رئاسة الجمهورية وهو ما تحقق عام 2016، مقابل أن يمنح الأخير حزب الله غطاءً مسيحيًّا يحتاجه.

وباسيل التي تهشمت صورته منذ انطلاق الثورة اللبنانية في 17 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، يريد استعادة الوهج الذي كان له قبل ذلك، فوجد أن المفتاح المناسب هو ملف التحقيقات في تفجير المرفأ واستخدامها كورقة ابتزاز بوجه الحزب.

وترى مصادر عديدة أن باسيل لن ينجح في تحقيق ذلك، لسببٍ جوهري، يعود إلى موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري منه ومن عمه ميشال عون، وهو الذي رفض التصويت له لرئاسة الجمهورية عام 2016، وإن كان قد سار بالتسوية كرمى لحليفه القوي حزب الله.

لذا اتسمت العلاقة بين بري وعون وباسيل من خلفه بكثير من السلبية، وتعهد بري بالتضييق على باسيل وعدم إراحته سياسيًّا حتى لا يلعب الدور الذي يطمح إليه.

نتيجة كل ذلك، غامر باسيل بحقيقة تفجير المرفأ واستخدم القاضي بيطار لتحقيق مآربه السياسية، بغض النظر عن خطورة ذلك وعودة مشاهد الحرب الأهلية إلى ساحات العاصمة، وهو منهج استخدمه عمه من قبل عام 2010 عندما أعلن صراحةً أنه إما أن يكون باسيل وزيرًا في الحكومة أو «عمرها ما تتشكل الحكومة».

هؤلاء جميعًا يقامرون بحياة اللبنانيين، ويجرونهم إلى حروبهم الخاصة والعبثية التي تهدف إلى تحقيق مصالحهم الحزبية بعيدًا عن مصلحة الناس الذين يئنون من أزمة اقتصادية لم يعرفوا مثلها من قبل، ويعانون من نقصٍ فادحٍ في تأمين لقمة العيش في ظل انهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي.

ويحدث كل هذا في ظل حكومة جديدة يرأسها نجيب ميقاتي، الذي يتقن التسويف والمماطلة ويسعى هو الآخر للحفاظ على مكاسبه الشخصية ولو على حساب دوره وموقع الرئاسة الثالثة التي تعود للطائفة السنية في لبنان.

ومن المرجح أن تشهد الأمور تصعيدًا أكبر في الأيام المقبلة، خاصةً وأن الحصيلة الأولوية لاشتباكات اليوم سجلت ستة قتلى وأكثر من 50 جريحًا، بمعنى أن الدم في لبنان يجر دمًا وثأرًا خاصةً إذا كان دمًا طائفيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد