شكلت الثورة في سوريا منعطفًا مهمًا في تغيير النهج السائد العام الذي ترتب على البلاد في ظل حكم نظام الأسد وعلاقته مع دول الجوار ودول أخرى في المنطقة تملك علاقات واتفاقات أمنية وعسكرية تحافظ عليه من خلالها والوقوف إلى جانبه عوضًا عن مقاطعته ورفض التطبيع معه.

ظهر ذلك جليًّا في علاقته مع حزب الله اللبناني الذي آثر بالوقوف معه التصدي لإرادة الشعب وقمع حريته وإعلانه إقحام نفسه بالحرب في سوريا وإدخال ميليشياته إليها منذ الساعات الأولى للثورة، التي كان متواجدًا فيها للتأهب لها والوقوف بوجهها، ليكون بذلك الشريك الأكبر مع النظام في المنطقة وليتعاظم دوره فيما بعد في إدارة عملياته القمعية وتحركاته العسكرية التي فرضتها إيران ودول أخرى داعمة له إلى جانب نظام الأسد.

كما أنها كشفت اللثام عن وجه المقاومة المزعومة المتمثلة بمحور المقاومة والممانعة (محور الشر) وما يدور خلفها من أكاذيب راح ضحيتها أبناء الشعب وأنهكت كاهله طوال فترة تلك السنين الماضية، إلى أن أصبح حزب الله جزءًا من العملية السياسية المعقدة في سوريا وبكل رمتها وأداة لقلب موازين القوى في المنطقة تتحكم فيها كيفما تشاء بناءً على رغبة أسياده من النظام السوري ومن طهران.

التي تُعتبر الداعم الأكبر والممول الرئيسي لميليشيا حزب الله بكافة الطرق والوسائل المُتبعة تنفيذًا لأجنداتها ونشر أيديولوجياتها الخاصة بها في المنطقة والسيطرة على عمليات صنع القرار ومنع أي تحرك شعبي أو مد جماهيري ضده قد يهدد كيانه، بدعم مالي وعسكري قدر حجمه من إيران بمبالغ تصل من 700 إلى 800 مليون دولار سنويًا لتمويل أنشطتها فضلاً عن سيطرتها على أماكن اتخاذ القرار واعتبارها الثقل الأكبر في المنطقة بعد القوى الروسية المتواجودة على الأرض في سوريا، يأتي ذلك على أنها تتخذ شكل العصابات في تشكيلها وطرق توزعها وتحركاتها بين المناطق التي تسطير عليها وفي المناطق الحدودية والمعابر المجاورة التي أصبحت بيده بشكل ما أو بآخر بعد أن فتح لها نظام الأسد باب التدخل على مصراعيه بتكثيف وجودها وتدخلها القائم.

بعد أن كان يتلقى دعمه من نظام الأسد الحليف على شكل هدايا ودعم لوجستي ومقرات سرية مخصصة له متواجودة في دمشق ومدن أخرى تتلقى التدريبات والمبالغ المالية، التي تندرج ضمن مخصصات التسليح العسكري أو تحت ما يسمى ميزانية محور الصمود والتصدي يدفع الشعب السوري فواتيرها وضرائبها مسبقًا بإشراف من كبار الضباط والمسؤولين لدى نظام الأسد في تقديم المشاورات والتسهيلات اللازمة على الأراضي السورية، وما تحتاجه من مخازن الذخيرة والسلاح وطرق إدخالها ونقلها من تلك المعابر والمطارات وغيرها من وإلى الأراضي السورية والتي تعتبر حاليًا شريان الحياة وأهم المنافذ بالنسبة لنظام الأسد في إدخال المقاتلين وشحنات الأسلحة والمواد والسلع في ظل الحصار الدولي المفروض عليه، بالإضافة إلى ما يتم تبادله وإدخاله من الأموال والموارد الأخرى، التي أصبح بحاجتها من الدول الحليفة وما يتلقاه منها إلى جانب ذلك عمليات التهريب القائمة التي تشكل له منفذًا جديدًا عبر الحدود التي يسيطر عليها في محاولة من ميليشياته لإيجاد مخارج جديدة لتهريب السلاح والسلع القادمة من إيران عبر المطارات وموانئ البحر الأبيض المتوسط.

حيث إن عمليات التهريب وعمليات غسل الأموال القائمة على السرقات وسرقات المتاحف والقطع الأثرية والتجارة فيها أصبحت من الموارد المهمة لميليشيا الأسد وميلشيا حزب الله دون وجود الرقابة عليها أو وجود جهات تعمل على منع ذلك، كونها المتنفذ الوحيد أو الأساسي في تلك المعابر والمنافذ الحدودية والطرق التي تسيطر عليها وسطوتها على تجارة المخدرات وتورطها في العمل فيه مع شبكات من المتعاملين تابعين لها تتلقى رواجًا كبيرًا بين أوساطهم أدت إلى توسعها وزيادة نفوذها فيه، بالإضافة إلى عوامل أخرى ساعدت على تمددهم كوجودهم كقوة عسكرية وسياسية حاضرة في المشهد اللبناني أولاً ولها تمثيل نيابي وتحمل السلاح تعمل من خلاله على بسط سيطرتها وتوجيه البوصلة بما يتماشى مع مصالحها ويحقق رغبة نفوذها.

ولا يخفى وقوف بعض الدول العربية في تقديم الدعم والمساعدة لميليشيا حزب الله ومنها دول خليجية تضع نفسها في قائمة الداعمين وبشكل سري كشفت عنه مصادر أمريكية بالتمويل بمبالغ ضخمة تم تقديمها لعقد صفقات شراء أسلحة بطرق غير مشروعة من دول أوروبية وتهريبها باستخدام الذهب وشحنه عبر أفريقيا والتمويه عن تلك الشحنات على أنها مواد صلبة ومواد بناء تمت بإشراف مسؤولين خليجيين وأجهزة مخابرات تابعة لهم قدمت المبالغ من خلال التبرعات من جمعيات خيرية ورجال مال بقيمة 500 مليون دولار من هذا العام نفسه 2020.

بالمقابل دعا ذلك بعض الدول الأوربية وعلى رأسها ألمانيا في اتخاذ خطوات صارمة تحد من ظاهرة انتشار نشاطات حزب الله اللبناني على أراضيها المتمثلة في عمليات التحشيد والتجنيد وجمع الأموال اللازمة لدعم عمليات ميليشياتها الإرهابية ووضعها على قائمة التنظيمات الإرهابية هي والجمعيات الدينية والمدنية التي تُديرها والتابعة لها والمتخفية وراء عباءة التستر بالدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد