قراءة سريعة عن حزب الله

لبنان هي بلد عربي في قارة آسيا يقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط تعاقبت على لبنان العديد من الحضارات بداية من الكنعانيين مرورًا بالحضارة الفرعونية، حيث ضم تحتمس الثالث لبنان وسواحلها إلى دولته خلال حروبه لتأمين حدوده من الهكسوس ثم الفينيقيين والأشوريين والإغريق والرومان والبيزنطيين، وصولًا للفتح الإسلامي في عهد الخليفة أبي بكر الصديق، فكانت أرض لبنان حاضنة لعديد من الحضارات القديمة، وفي العصر الحديث استقلت لبنان من الاحتلال الفرنسي عام 1946، تكمن مشكلة لبنان الأساسية في أنها دولة طائفية، توجد بها أكثر من 18 طائفة من مسلمين ونصارى وشيعة ودروز وموارنة ويهود وروم وأرمن وسريانيين وآشوريين ولاجئين فلسطينيين، ولكل طائفة رغبة في حفظ حقوقها وحماية مصالحها ومليشياتها وأسلحتها التي تحمى بها مناطقها. وتعد الطائفية ومليشياتها أحد أهم الأسباب لبداية الحقبة الأسوأ في تاريخ لبنان حقبة الحرب الأهلية اللبنانية، والتي كانت عاملًا أساسيًّا لظهور حزب الله اللبناني.

يعد حزب الله أقوى الأحزاب والحركات الإسلامية في لبنان من حيث الحضور العسكري أو الجانب السياسي، ويستند في ذلك لقاعدة شعبية من طائفة الشيعة في الشارع اللبناني، وتحالفات سياسية مع فئات أخرى داخل لبنان وبسط حزب الله نفوذه على الكثير من المناطق ذات الأغلبية الشيعية في لبنان بما في ذلك أجزاء من بيروت وجنوب لبنان ومنطقة وادي البقاع الشرقي، بالإضافة إلى الدعم الخارجي من إيران سواء كان عسكريًّا بالتدريب والتسليح، أو ماديًّا، وساعدت إيران الحزب كثيرًا، بل كان لها التأثير المباشر فيه منذ البداية، سواء في صياغة أفكار الحزب ونظرياته أو في تدريب أفراده وقياداته. وأعلن حزب الله في بيانه التأسيسي أن تهديده لأمريكا وإسرائيل ليس مقتصرًا فقط على الحدود الداخلية، ولكن سيستهدف مصالح إسرائيل وأمريكا خارج لبنان أيضًا.

ظهور حزب الله في لبنان كان نتاجًا لاتحاد مجموعات وتيارات إسلامية ذات انتماءات مختلفة، سواء من حركة أمل أو من تابعي الإمام السيد موسى الصدر. أو بعض المتأثرين بنجاح الثورة الإسلامية في إيران، وآخرين من المتأثرين بالأنشطة الدينية في المساجد والمجمعات الدينية، وكانت البداية بتجمع عدد من القادة لمجموعات إسلامية مختلفة، وهم الشيخ صبحي الطفيلي (الأمين العام الأول للحزب)، السيد عباس الموسوي (الأمين العام الثاني)، والسيد حسن نصر الله (الأمين العام الحالي)، والشيخ محمد يزبك (عضو شورى الحزب حاليًا)، والسيد إبراهيم أمين والذين كونوا الهيئة التأسيسية لحزب الله وحاليًا يترأس حسن نصر الله قيادة حزب الله منذ عام 1992 بعد أن اغتالت إسرائيل مؤسس الجماعة وزعيمها السابق، عباس الموسوي.

مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 للبنان لمع نجم حزب الله بصفته حركة مقاومة منظمة بدأت بقصف مواقع للاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان واحتجاز رهائن أجانب، ثم عملية خطف طائرة، وبدأ يظهر الحزب على الساحة السياسية ويعرض أيديولوجيته الإسلامية ويعلن الرغبة في إقامة الدولة الإسلامية، وبينما شدد الحزب هجماته ضد إسرائيل وحلفائها في جنوب لبنان كان مستعدًّا للدخول في صدام سياسي معلنًا رغبته في إسقاط النظام السياسي اللبناني وشدد على ضرورة تأسيس النظام الإسلامي في لبنان، لكن مع وجود صدام شيعي شيعي في الوقت نفسه بين حزب الله وحركة أمل الشيعية لم يستطع حزب الله فرض رؤيته واضطر أن يعدلها بواقع أكثر انفتاحًا خصوصًا مع انخفاض الدعم الإيرانى وتغير سياساته مع صعود الرئيس الإيراني هاشمى رفسنجاني الذي كان متحفظًّا في دعمه للحركات الشيعية في خارج إيران.
بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، رفض حزب الله الأصوات المنادية بنزع السلاح، بل واصل الحزب العمل على تقوية جناحه العسكري المسمى «المقاومة الإسلامية». حتى أصبحت قدراته تفوق قدرات الجيش اللبناني فأصبح دولة داخل الدولة، واستمر وجود الحزب العسكري في جنوب لبنان بدعوى استمرار الوجود الإسرائيلي في مزارع شبعا وغيرها من المناطق المتنازع عليها.

حتى عام 2006 شن مسلحون تابعون لحزب الله هجومًا عبر الحدود مع إسرائيل أدى إلى مقتل ثمانية جنود إسرائيليين وخطف اثنين آخرين، كان السبب حربًا شنتها إسرائيل ومناوشات متبادلة وقصفًا بالطائرات الإسرائيلية لمواقع حزب الله في جنوب لبنان وجنوب بيروت فأطلق حزب الله 4 آلاف صاروخ تجاه إسرائيل. وقُتل أكثر من 1125 لبنانيًّا في هذه الحرب التي استمرت لمدة 34 يومًا، وكان أغلبهم من المدنيين. وبلغت الخسائر على الجانب الإسرائيلي 119 جنديًّا و45 مدنيًّا.

صمود حزب الله في هذه الحرب أثقل الحزب سياسيًّا وعسكريًّا، مع استمرار الدعم الإيراني وعمليات تطوير وتعزيز ترسانة أسلحته، وتجنيد المزيد من المقاتلين، خصوصًا في مرحلة ما بعد حرب 2006 التي اتسمت بالهدوء التام ووجود قوات ثابتة من قوات حفظ السلام.

في السنوات الأخيرة وبسبب علاقة الحزب القوية مع كلٍّ من إيران وسوريا خصوصًا وأن العلاقة بين حزب الله والنظام السوري قوية جدًّا وتعود للاحتلال أو الوجود السوري في لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية حيث ظل الجيش السوري مسيطرًا على معظم الأراضي اللبنانية قوة حفظ سلام حتى بدايات عام 2005، حيث خرجت احتجاجات شعبية ضد الوجود السورى في لبنان سميت وقتها بـ«ثورة الأرز» وفي الوقت نفسه كان حزب الله يحاول سياسيًّا على إبقاء الجيش السورى بلبنان حيث يعد النظام السوري حليفًا مقربًا جدًّا للحزب وطريق الإمدادات وتهريب الأسلحة للحزب عن طريق إيران، لذا ومع حدوث الثورة السورية على نظام الأسد قام الحزب بإرسال عدد صغير من المدربين لتقديم المشورة للنظام السوري، وذلك حتى عام 2013 حيث أعلن وقتها الحزب الانضمام إلى إيران وروسيا في دعم الحكومة السورية ضد الجماعات المتمردة حسب وصفهم.

تشير التقديرات إلى أن أكثر من 7 آلاف مقاتل من حزب الله قاتلوا في التحالف الموالي للنظام السوري والذي كان له دور فعال في بقاء النظام، والتي كان أهمها معركة القصير التي أمنت طريقًا لقوات النظام بين الطرفين في المدن الرئيسية مثل دمشق وحمص حتى عام 2019، سحب حزب الله العديد من مقاتليه من سوريا، وذلك بعد أن ساهموا بشكل كبير في نجاح النظام السوري في بسط سيطرته على معظم المناطق.

وعلى الرغم من أن وجود الحزب في سوريا ساعدته في أن يثقل قواه العسكرية، لكن الحزب خسر دعم العديد من المسلمين السنة في لبنان بسبب دعمه العسكري لنظام الأسد، وتضررت مصالح الحزب السياسية في الداخل اللبناني بسبب تركيزه الشديد في الدعم العسكري للنظام السوري الذي يعده البعض في لبنان سببًا رئيسيًّا لمعظم المشكلات اللبنانية، وكان من توابع مشاركة الحزب في دعم نظام الأسد إعلان تنظيم الدولة (داعش) مسئوليته عن عدة تفجيرات حدثت في بيروت عام 2015.

ومع تفاقم الوضع الاقتصادي في لبنان تعالت الأصوات في لبنان بسبب المعاناة من النمو البطيء وارتفاع الدين العام، وزيادة الركود، وصبت الجماهير غضبها على قيادات الطوائف، ولكن كان لحزب الله النصيب الأكبر من الغضب الشعبي حيث اعتبر الحزب نفسه هدفًا للاحتجاجات الجماهيرية حيث طالبت الجماهير من الحكومة بما فيهم حزب الله التنازل عن السلطة لحكومة جديدة تستطيع إخراج لبنان من أزماته.

زادت التوجهات الجماهيرية الساخطة على حزب الله سواء من الطوائف المختلفة أو حتى من الطائفة الشيعية من منتقدي حزب الله، بعد إعلان المحكمة أن «سالم جميل عياش» أحد المنتمين للحزب متورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري، عام 2005، ورفض الحزب تسليمهم.

وخارجيًّا صنفت الولايات المتحدة حزب الله منظمة إرهابية عام 1997، وأقر الكونجرس الأمريكي قانون منع التمويل الدولي لحزب الله، ثم عاقبت إدارة ترامب بعض أعضاء حزب الله في البرلمان اللبناني، وأيضًا صنف الاتحاد الأوروبي الذراع العسكرية لحزب الله جماعة إرهابية في عام 2013، وأعلنت ألمانيا وإنجلترا حزب الله جماعة إرهابية عام 2020.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد