يبدو أن مسألة «أرهبة» حزب الله اللبناني قد أخلطت حسابات عديد الدول العربية، الخليجية منها على وجه الخصوص، حيث تورط وزراء الداخلية العرب في اجتماعهم الأخير في تونس في نقاش خاطئ من البداية، إذ تبنى هؤلاء موقفًا غير ملزم، لا تترتب عليه أي إجراءات تنفيذية في المستقبل، وبدل أن يطرح الموضوع على وزراء الخارجية الذين يملكون الصفة الدبلوماسية التي تجعل من المواقف أكثر دلالةً وتعبيرًا عن توجهات الدول ومواقفها، مقارنة بحقيبة الداخلية التي طالما ارتبطت بمفهوم الدولة البوليسية القمعية الردعية في مخيال المواطن العربي.

ولعل مساعي الدول الخليجية لنقل صراعات المشرق العربي إلى المغرب العربي، انطلاقًا من خلفيات جيوسياسية وعُقَدٍ قديمة بين المملكة العربية السعودية وإيران، يبدو أن هذا التوتر ألقى بظلاله على مؤسسة الجامعة العربية التي تحولت إلى كيان يكرس سياسات ومبادئ جديدة تصنف الدول العربية على أساس العرق والدين والفرقة، الأمر الذي لم يحدث حتى في عهد القوميين من أمثال عبد الناصر وبومدين وصدام، وغيرهم، ويظهر جليًّا استحواذ دول الخليج المتحالفة على مواقف دول أخرى تابعة، إما من باب المساعدات أو الولاءات أو حتى من باب الانتماء إلى مشروع الحفاظ على المماليك.

والشاهد في الموضوع، أن ما ورد في البيان الختامي لاجتماع وزراء الداخلية العرب من شجب وإدانة لنشاط حزب الله اللبناني خارج حدودها، خصوصا في سوريا واليمن، ليس من اختصاص الداخلية، التي لم تتخلص بعد من أساليبها القمعية حتى ترقى لتجريم حزب سياسي بجناح مسلح خارج الدولة القطرية، وكأن المتابع لأطوار هذا الاجتماع المقام في العاصمة التونسية يعتقد أن حزب الله نال أوراق اعتماده من مصالح جميع الدول العربية من الشرق إلى الغرب.

قضية حزب الله والشيعة وقبلها ملف حماس والإخوان، ومستقبلًا قد يثار موضوع الأكراد، كلها أوراق صيغت في مكاتب مغلقة مع سبق الإصرار والترصد، الهدف منها الانتقام وعزل بعض القوى الإقليمية على غرار إيران وتركيا داخل البلاد العربية، من خلال التمهيد لعرض مشروع قرار «أرهبة» حزب الله على اجتماع القمة المنتظر مستقبلا.

وبالعودة إلى سطوة حقيبة الخارجية على الداخلية في فقه السياسة والعلاقات الدولية، نستعرض موقفين اثنين، يتعلقان بالجزائر وتونس، فسويعات قليلة بعد اختتام اجتماع وزراء الداخلية العرب تبرأت الجزائر على لسان وزيرها للشؤون الخارجية، رمطان لعمامرة، من تأييد موقف تصنيف حزب الله منظمة إرهابية، استنادا إلى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، على اعتبار أن تشكيلة حسن نصر الله شريك مهم في الحكومة اللبنانية، بغض النظر عن ولاءاته الدينية والإيديولوجية، وإن دل هذا الموقف الاستدراكي على شيء فإنما يدل على غياب تنسيق وضعف حيلة لدى وزير الداخلية الجزائري، الذي إن لم يصوت بنعم فإنه صمت وسكت، والسكوت علامة الرضا.

وضعية تونس لم تختلف كثيرا عن جارتها الجزائر، فوزير خارجيتها، خميس الجهيناوي، قال إن قرار وزراء الداخلية ضد حزب الله لا يعكس موقف الدولة، معتبرًا أن البيان الصادر عن الاجتماع لا يحمل الصفة الإقرارية الإلزامية، فيما نقلت بعض المصادر الإعلامية انزعاج الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، الذي افتتح الاجتماع، من تصريحات وزير خارجيته، ما يعكس وضعية تونس التي لا تحسد عليها، فمن جهة هي بحاجة لدول الخليج للمساهمة في النهوض بالاقتصاد من خلال المساعدات المالية والاستثمارات، ومن جهة أخرى هي تتمتع بعلاقات مستقرة مع لبنان.

تبرئة الذمة التي سارعت إليها الدولتان يعكس الخلل الحاصل في مفهوم الدولة لدى العرب، ويحيلنا أيضًا إلى نقطة مهمة تتعلق بالحياد في القضايا الشائكة التي لا تكون لها انعكاسات مباشرة على الدول، فماذا تستفيد دولتان كالجزائر وتونس من تصنيف حزب عربي منظمة إرهابية، إلا شراء العداء المجاني؟

هذا بالإضافة إلى أن هذه التصريحات الاستدراكية تأتي منسجمةً مع تلك الصورة النمطية الموجودة لدى الشعوب العربية الثائرة تجاه مواجهات حزب الله مع الكيان الصهيوني، الذي يشكل في جانب من جوانبه رمزًا للمقاومة ضد العدو الأوحد.

اجتماع وزراء الخارجية العرب في تونس لم يكن محل اختصاص للنظر في موضوع حزب الله، وربما هو تمهيد لعرضه مشروعًا في اجتماع القمة القادم، فهكذا يضيع مفهوم الدولة عندما تسيطر عصبةٌ على قرار مجموعة غير متماسكة، في قضايا وملفات ليست محل إجماع في الأصل، غير أن المال والاستثمار يجعل المبادئ تذوب في المصالح، ولو كانت لخدمة أجندة تتخطى حدود الدولة القطرية وحتى الدولية القومية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إرهاب, حزب الله
عرض التعليقات
تحميل المزيد