1,337

«ولا أدري ما هو السبب في إننا كل يوم نفجر قضية دينية تملأ الشاشات والصحف، هل الهدف إلهاء الناس بالمهاترات، أو تشويه صورة مؤسسة عريقة هي من أقدم قلاع العلم في بلادنا؟». هذا ما كتبه الشاعر فاروق جويدة في مقاله الذي نشر في «الأهرام» تحت عنوان «عتاب من الإمام الأكبر»، والذي سلط فيه الضوء على الهجوم الذي يتعرض له الأزهر الشريف وفضيلة الإمام الأكبر أ.د./ أحمد الطيب، من قبل بعض وسائل الإعلام.

يقودني هذا -أيضًا- إلى طرح نفس السؤال عن السر وراء ذلك الهجوم الإعلامي، فإذا اعتبرنا أن الأزهر الشريف مؤسسة تعمل داخل مصر لها ما لها وعليها ما عليها، فإننا سنتلاقى في نقطة وسطى تجمع جميع الآراء على اختلافها بدون تجريح أو قذف، لكن في الحقيقة إن ما يقدمه الأزهر الشريف لا يتفق مع ميول واتجاهات بعض وسائل الإعلام حاليًا في مصر.

فمع تحول الإعلام في مصر إلى صناعة ربحية بامتياز تسعى وراء المال بأي شكل حتى لو كان عبر تغييب العقول وإلهائها بمواد غير مجدية ومهدرة للوقت، يتضح لنا سر ذلك الهجوم.

لا خلاف أن الأزهر على مدار تاريخه الذي يزيد على ألف عامأ كان وما يزال صوت حق ينقل ويبسط ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة إلى عموم الناس، فحين يرفض الأزهر موقفًا ما، فإن ذلك ينبع من عمق وخطورة الرسالة التي يحملها فوق أعناقه، فعلى سبيل المثال نجده يخاطب المرأة فكريًّا بخلاف ما تتعرض له النساء الآن من ضغوط تنصب في مجملها على الشكل فقط، دون الجوهر.

ففي الوقت الذي يعلو صوت الأزهر الشريف مناديًا بضرورة إعطاء كافة الحقوق للمرأة، سواء في الميراث أو في الحياة بشكل عام، وتجسد ذلك في المؤتمر الدولي الذي نظمه الأزهر في أكتوبر 2016 تحت عنوان «المرأة ومسيرة التطور التنويري.. الواقع والمأمول» بمشاركة عدد كبير من الباحثين والباحثات من أكثر من 21 دولة حول العالم، نجد على الجانب الآخر بعض وسائل الإعلام تعرض نماذج مسيئة للمرأة تختصرها في الجسد فقط، سواء كانت تلك النماذج برامج أو موادًا فنية كالمسلسلات والأفلام، والتي تعاملت مع المرأة التي كرمها الإسلام وعلا من قدرها باعتبارها «فاترينة» عليها جذب العين، ولأن السائد الآن في المجتمع هو لغة الجمال «المصطنع» أصبح عليها التجمل والتزين فقط دون أي اعتبار لعقلها وثقافتها، وتمحورت القدوة في نظر الفتيات والنساء حول الفنانة الفلانية.

رجل الغراب

بالنظر إلى أحد تلك النماذج المسيئة للمرأة ـ-على سبيل المثال-ـ مسلسل «هبة رجل الغراب» إذ جسدت بطلة المسلسل دور فتاة على قدر بسيط من الجمال، يرفضها المجتمع وتحلم بأن تعيش قصة حب وتتزوج كأي فتاة في مثل عمرها على الرغم من امتلاكها للذكاء والثقافة، لكنها تتعرض للخداع من قبل صاحب العمل، الأمر الذي يدفعها إلى الابتعاد من أجل التغيير، ولأن المجتمع يهتم بالمظاهر فقط، تلجأ إلى التجمل بكل الوسائل المتاحة، واستبدال لبسها المحتشم بآخر يظهر مفاتنها انتقامًا ممن خدعها، ونجد أن القنوات التليفزيونية تخصص ساعات عديدة لعرض مثل تلك النوعية من المسلسلات التي لا ترسل سوى رسالة واحدة مفادها أن العلم والثقافة لا يؤتي ثماره في زمننا هذا!

منى بكر

في نفس الوقت الذي يعرض فيه هذا النموذج، تم نشر خبر وفاة الدكتورة منى بكر أستاذة النانو تكنولوجي بجامعة القاهرة، كأي خبر عادي تنشره المواقع الإخبارية، على الرغم من أن الراحلة حاصلة على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم التكنولوجية المتقدمة عام 2009، ولديها مدرسة علمية كبيرة تضم أكثر من 43 طالبًا للدراسات العليا، ولها أربع براءات اختراع دولية، كما يتم الاستعانة بدراساتها مرجعية دولية، والاستشهاد بها في الأوراق البحثية، وطبقًا للمؤشر الدولي الذي يصنف كافة العلماء وفق تخصصاتهم، فإن الرقم الذي حققته الدكتورة منى بكر هو 20، ما يضعها ضمن قائمة العلماء المرجعيين في مجال النانو تكنولوجي، بعد أن تم الاستشهاد بأبحاثها أكثر من 1800 مرة.

كل ذلك لم يشفع لها لدى المواقع الإخبارية والقنوات التليفزيونية ليخصصوا وقتًا بسيطًا للتحدث عنها، رحلت في هدوء واستمر الهدوء حتى بعد وفاتها لتتأكد الرسالة السابقة «أن العلم والثقافة لا يؤتي ثماره في زمننا هذا!» من وجهة نظر وسائل الإعلام.

وبعرض هذين النموذجين مع اختلاف القيمة لكل منهما، ندرك ما وصل إليه الإعلام من سطحية جعلته يغض الطرف عن قيمة ومكانة العلماء والمثقفين عمومًا، ليتحول إلى أداة للهجوم والهدم، لا للبناء والتقدير، مما يفسر السبب «نسبيًّا» وراء الهجوم المستمر والمتواصل على الأزهر الشريف وعلمائه، وإلصاق التهم جزافًا به لكون ما يقدمه من رسالة حقيقية وواعية لا تتفق مع توجهات الإعلام حاليًا.

وما يثير الدهشة والتساؤل في نفس الوقت أن الأزهر الشريف عبر معاهده وجامعته يقدم منحًا دراسية لطلاب من جميع أنحاء العالم، فهل دول كإسبانيا أو فرنسا ـ-على سبيل المثال وليس الحصر – عندما توافق على إرسال طلابها لتلقي العلم على يد شيوخ وأساتذة أزهريين تخاطر بهم، أم لاقتناعها بأهمية العلم المُقدم من قبل مؤسسة شهد لها العالم أجمع بعراقتها ووسطيتها؟! لقد قُدر للأزهر أن يُحارب على مدار تاريخه، ورغم ذلك لم يحيد عن رسالته الوسطية، وهذا سر بقائه واستمراريته حتى وقتنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك