الأبعاد الخَفِيَّة في الكون

عندما بدأت أكتب مقالي هذا منذ قليل، مددت يدي للأمام كي أفتح الكمبيوتر، ومددتها ورائي كي أضبط مسند الكرسي، ورفعتها لأعلى لفتح زر الإضاءة، وحركتها لأسفل لأربت على ظهر قِط المنزل المُدلل سيمبا، وأزحت كومة من الأوراق عن يميني لأوسِع مكانًا لحركة الماوس، وقرَّبت بعض الكتب عن يساري.. وما إن أتممت حركتي في الأبعاد المكانية الثلاث للأمام والخلف، ولأعلى ولأسفل، وعن يميني ويساري، كُنت ومكتبي والغرفة بما فيها والبيت والمدينة والكرة الأرضية جميعًا قد ارتحلنا في الفضاء بضعة آلاف من الكيلومترات؛ لقد كان الوقت يمُر أثناء حركتنا في الفضاء. ذلك هو البُعد الرابع، الزمن، الذي لا ينفك عن المكان. بالطبع هو ليس بُعدًا بمفهوم الأبعاد المكانية، مع ذلك فهو رقم مُهم لوصف الأحداث التي تجري على مسرح الكون.

حتى عام 1919 وعلماء الدنيا عاكفون على دراسة نتائج النظرية النسبية العامة والخاصة، ويبذلون قصارى جهدهم كي يفهموا عجائب نظرية الكم؛ جاء الفيزيائي الألماني كالوزا Kaluza بفكرة مُدهشة. اتسعت عيناه دهشةً وهو جالس إلى مكتبه يُقلِّب في أوراق كان قد دَوَّن بها بعض الحسابات، عندما قفزت إلى ذهنه تلك الفكرة السعيدة: ماذا لو افترضنا أن الكون الذي نعرفه له بُعد خامس؟ بُعد جديد، خِلاف الأبعاد المكانية الثلاثة وبُعد الزمن؛ بُعد غاية في الضآلة، فلا تُدركه العين، بُعد من الضروري وجوده كي تتحرك القُوى الكهرومغناطيسية خلاله، وتؤدي أثرها، على غِرار نسيج الفضاء، نسيج المكان والزمان الذي ينحني ويتجعد بتأثير وجود الأجرام السماوية فيه، والذي من خلاله تنتقل قُوى الجاذبية كما أثبت أينشتاين Einstein.

الذي وَجده كالوزا أن فرضيته تلك من شأنها إمكانية حل معادلات النسبية العامة لتؤول إلى معادلات الكهرومغناطيسية، التي صاغها الفيزيائي الإسكتلندي ماكسويل Maxwell. لقد كانت تلك أولى محاولات دمج الجاذبية مع الكهرومغناطيسية في إطار رياضي مُوَّحَد.

نشر كالوزا فكرته عام 1921، وقام الفيزيائي الألماني كلاين Klein لاحقًا عام 1926، بتفسير فكرة كالوزا في إطار نظرية ميكانيكا الكم، ليصل إلى تصوُّر للبُعد الخامس على أنه دائرة قطرها يساوي جزء من مليون تريليون تريليون جزء من السنتيميتر، بُعد خفي ليس لدينا حتى الآن وسيلة لإثبات وجوده عمليًا.

أغرت فكرة وجود بُعد مخفي في نسيج الفضاء علماء آخرين، فأخذوا يطورون معادلات جديدة حتى انتهى الأمر في أربعينات القرن الماضي إلى تعقُّد الحسابات في متاهة من الرياضيات، فتم نبذ الفكرة كلها، وتحوَّل الفيزيائيون لأمور أكثر أهمية ليدرسوها.. حتى هبطت فكرة الأوتار على رأس الفيزيائي الإيطالي فينيزيانو Veneziano أواخر ستينات القرن الماضي.

كان فينيزيانو يعمل على إحدى معادلات علامة الرياضيات السويدي، أويْلَر، الذي عاش في القرن الثامن عشر. حيث بدا له وقتها أن تفسير التفاعلات القوية بين الجسيمات تحت الذرية يعطينا صورة لتلك الجسيمات على أنها أوتار، كأوتار الكمان، وليس نقطة هندسية كما كان شائعًا. تلك الأوتار هي أصغر وِحْدَة بنائية للكون، للفضاء وما فيه، لها طاقة هائلة، وتتذبذب بمقادير مختلفة، فينشأ الإلكترون وِفق تردد ما، ويتذبذب الوتر بمقدار آخر فينشأ أحد أنواع الكواركات، التي يتألف البروتون من ثلاثة منها، وهكذا. ولكي تتصور حجم الوتر، تخيل أن الذرة أصبحت بضخامة المجموعة الشمسية.. فيكون الوتر بطول شجرة!

تطورت النظرية، لتصبح نظرية الأوتار الفائقة Superstring theory، واصفة الكون بـ10 أبعاد، تسعة مكانية، بالإضافة إلى بُعد الزمن. ولما تشعبت وتشابكت رياضيات النظرية، جاء الفيزيائي الأمريكي إدوارد ويتين ليجمع هذا الشتات فيما بات معروفًا بالنظرية م M theory حيث صنف متاهة الرياضيات في نظرية الأوتار إلى خمسة أقسام. تكامُلها معاً أشبه ما يكون بخرائط عديدة لأماكن على الأرض، بإمكانها وصف الأرض ككُل عندما تُجمع معًا. وقد حققت النظرية نجاحات على صعيد دمج قُوى الطبيعة في إطار رياضي مُوَّحَد، على نسق ما فعله كالوزا. إلا أن فرضية وجود البُعد الخامس التي اقترحها كالوزا، كان في مُقابلها شأن آخر في نظريات الأوتار؛ إذ كي تكون الرياضيات صحيحة، فإن الكون الذي نعيش فيه يجب أن يتضمن 11 بُعدًا؛ هي الأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة، منسوج داخلها أبعاد أخرى مخفية في المستويات تحت الذرية، بالإضاف إلى بُعد الزمن، وبُعد الطاقة!

لقد كان أينشتاين أول من صك المصطلح: نسيج الزمان والمكان، كواحد ضمن سلسلة طويلة من العلماء الذين حاولوا وصف هندسة الفضاء، حيث قُوى الطبيعة الأربعة: الجاذبية والكهرومغناطيسية والقُوَّة النووية القوية والقُوَّة النووية الضعيفة، جميعها تظهر للوجود كتجليات لشكل الفضاء نفسه. أما الفضاء، سواء كان ذا أربعة أبعاد أو 11 بُعدًا، أو أكثر، فله قصة امتدت عبر قرون.

قبل زمن أرسطو Aristotle، نادى ليوكيبوس Leucippus وديموكريتوس Democritus بأن أصغر وِحدة في بناء الأشياء هي الذَّرَّة Atomos، التي اكتسبت اسمها من معنى اللفظ في الإغريقية: الشيء الذي لا ينقسم، من ثم ليس لها تركيب أدق. تلك الذرات موجودة في الخلاء الكوني Void، وقد رفص أرسطو هذا معنى، على أساس أنه من غير المنطقي أن نتكلم عن وجود اللاشيء!

من الطريف أن إدراك العلماء للمفاهيم الهندسية المتعلقة بالفراغ، تم التمهيد له من جانب فنانين، مثل الإيطالي جيوتو Giotto، الذي عاش في القرن الثالث عشر، الذين طوروا رسم المنظور Perspective، بحيث يُمكن للرائي أن يتوهم وجود عالم ثُلاثي الأبعاد مرسوم على ورقة مُسطحة، ثُنائية الأبعاد، لكن كان على الدنيا أن تنتظر مَقْدِم الفيلسوف والرياضي الفرنسي ديكارت Descartes في القرن السادس عشر، الذي صاغ مفهومًا جديدًا عن الأبعاد المكانية، حيث بات الحديث عن قياسها في الفراغ مُمكنًا. ولعل كثيرًا منا يعرفون المُسطح الكارتيزي Cartesian plane، الذي ابتكره ديكارت؛ حيث يُمكن تعريف أي نُقطة في مُسطح ما، بذكر رقمين فقط، يُمثلان هندسيًا بُعد النقطة عن محور س الأفقي، ومحور ص الرأسي فيما يُعرف بالمحاور الكارتيزية Cartesian axes: x and y.

كتب ديكارت بلغة الرياضيات فكرته تلك، بحيث يُمكن صياغة عدد لا نهائي من المُعادلات لعدد لا نهائي من الأبعاد المكانية؛ إلا أن الفيزيائيون يفضلون الارتباط بالطبيعة، بالمادة، يحاولون التفسير في إطار ما يُمكن برهنته بالتجربة.

فلما جاء نيوتن Newton، وصف تأثير الجاذبية، وكتب لها معادلة رياضية، ونحن إلى اليوم نُطلق الصواريخ ونضع الأقمار الإصطناعية في مداراتها باستخدام رياضيات نيوتن. مع ذلك، لم يقُل لنا نيوتن بالضبط ما هي الجاذبية؟ وظل السؤال عالقًا، حتى وصفها أينشتاين على أنها صنيعة لهندسة الفضاء ذاته، أو لنَقُل أن الجاذبية هي الهندسة الفاعِلة. تم له ذلك عندما احتسب الزمن كبُعد رابع ضمن معادلات النسبية الخاصة والعامة. وعلى درب أينشتاين مضى كالوزا خطوة للأمام، فافترض وجود بُعد خامس بحيث تظهر القوة الكهرومغناطيسية كنتيجة طبيعية لهندسة الفراغ خُماسي الأبعاد. ثم حسب كلاين طول ذلك البُعد الخامس، باستخدام معادلات ميكانيكا الكم، فوجده غاية في الضآلة، أقل بكثير جدًا من قُطر أصغر ذرة معروفة، الهيدروجين.

لم يعش أينشتاين حتى يبلغ زمن اكتشاف القُوَّة النووية القوية والقُوَّة النووية الضعيفة، لكن علماء الأوتار تابعوا الفكرة، فافترضوا إضافة إلى الخمسة أبعاد، خمسة أخرى، مُجعدة ومطوية في نسيج البناء الهندسي للفضاء.

على هذا، ربما كان الفضاء ظاهرة نتجت بسبب وجود مُكوِّن أساسي غاية في الصِّغَر، مثلما نفسِّر ارتفاع درجة حرارة الماء على أنه تزايد مُعدل اصطدام جزيئاتها المكونة من ذرتَيّ هيدروجين وذرة أكسجين. وربما كان الفضاء شيئًا آخر بخلاف ما فيه من أجرام سماوية، شيئًا هائلًا بكل تأكيد. على أية حال ما تزال طبيعة الفضاء مجهولة إلى يومنا هذا.

وبعد…

في عام 1999 قدمت الفيزيائية الأمريكية ليزا راندال Lisa Randall، مع زميلها الأمريكي من أصول هندية رامان صَندرَم Raman Sundrum، تطورًا جديدًا في فيزياء الأوتار، حيث افترضا وجود بُعد كوني عملاقًا، يُصبِح كوننا ذا الأبعاد الأربعة فيه واحد من عدد كبير من الأكوان الأخرى، في فضاء هائل من خمسة أبعاد. فضاء مليء بالأكوان. لا أحد يعلم الآن كيف يُمكن إدراك تلك الأكوان الأخرى، الأكوان الموازية، إن كانت موجودة حقًا.

هامش:

المسافة الزمنية بين المعادلة الأكثر شُهرة في النسبية الخاصة: الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء، وبين تفجيرَيّ هيروشيما ونجازاكي، كانت 40 سنة. كل تلك المُدة لزمت لتتحول النظرية إلى تطبيق. وما زال الطريق طويلًا أمام التطبيقات العلمية التي من شأنها أن تبزُغ عندما يتحسن فهمنا للأبعاد المخفية في الكون. على أية حال يُمكننا الآن أن نفهم لماذا أنفقت وزارة الطاقة الأمريكية على أبحاث أحد أشهر علماء نظرية الأوتار المُعاصر، الدكتور براين جرين Brian Greene.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات